​ لغة الخطاب السياسي انعكاس لفوضى المشهد في تونس

الفوضى حجبت فوائد حرية التعبير لتتحول هذه الحرية إلى مونولوجات مطولة ومضجرة، وإلى هذيان موجع للرأس على أمواج الأثير وشاشات الفضائيات وعلى صفحات الجرائد.
الأحد 2018/03/25
الفوضى حجبت فوائد "حرية التعبير"

الذين صعدوا إلى السلطة بجميع فصائلهم السياسية في تونس عام 2011، كانوا ولا يزالون يسخرون من لغة الخطاب السياسي في زمن نظام بن علي. وهم يصفونه بـ“الخشبي” و“المضَلّل”، زاعمين أنه يجمّلُ الواقع لإخفاء عيوبه ومساوئه، مرَاكما الأكاذيب والأوهام ولا هدف له من كل ذلك سوى تلميع صورته.

ورغم أنهم يختلفون سياسيا وأيديولوجيا، فإننا لا نكاد نجد فروقا بيّنة وواضحة في توصيف الخطاب المذكور بين الإسلاميين، الذين تمثلهم حركة النهضة، وبين الفصائل الأخرى المعارضة لها مثل الجبهة الشعبية، ذات الاتجاه الشيوعي، والقوميين البعثيين أو الناصريين وغيرهم ممن ينتسبون إلى حركات وأحزاب لها ملامح ليبيرالية أو اشتراكية.

لكن هل أفلح هؤلاء في ابتكار خطاب مضاد فعليا للخطاب الذي كان سائدا في زمن بن علي، ليكون خطابا صريحا، عاكسا للواقع في تجلياته وفي مواصفاته الحقيقية، خاليا من الأكاذيب، ومن الوعود المزيفة؟ ذلك هو السؤال الذي يطرحه الكثير من التونسيين بعد مرور أكثر من سبعة أعوام على انهيار نظام بن علي.

لنبدأ بـ“حرية التعبير”، التي تعتبرها الأحزاب والمنظمات الجديدة من أعظم المكاسب التي حققتها لها “ثورة الكرامة والحرية”. صحيح أن الرقابة رُفعت عن الألسن والأقلام. وبات من حق الجميع الخوض في أي شأن من الشؤون، وفي أي قضية من القضايا من دون ردع أو خوف. إلاّ أن الفوضى حجبت فوائد “حرية التعبير” لتتحول هذه الحرية إلى مونولوجات مطولة ومضجرة، وإلى هذيان موجع للرأس على أمواج الأثير وشاشات الفضائيات وعلى صفحات الجرائد.

تحت قبة مجلس الشعب، يغيب الحوار الجاد والصريح الذي يتطرق إلى القضايا الحارقة ليسود الانفعال والتشنج، فيتبادل النواب الشتائم والتهم في خرق واضح للقانون الداخلي للمجلس، بل أن بعض النواب الذين يكثرون من استعمال كلمة “الديمقراطية”، يدفعهم الغضب في لحظة ما إلى التنكر لـ“الدستور الديمقراطي” الذي صادقوا عليه، والذي وصفه راشد الغنوشي زعيم حركة النهضة الإسلامية بأنه “أفضل دستور في العالم”، ليهددوا معارضيهم بـ“السحل”، و“الدفن أحياء”، وبـ“نصب المشانق لهم في قلب العاصمة”، بل لعلهم ينذرونهم بـ“حرب أهلية”.

معنى كل هذا أن الحرية المكتسبة بعد انهيار نظام بن علي ليست تلك الحرية التي تتيح للمجتمع التحرر من القيود القديمة وتطلق قواه الخامدة والمهملة والمحبوسة ليحقق الانطلاقة للبناء المنشود، وإنما هي “حرية سلبية” بحسب تعبير الفيلسوف الألماني هايدغر. حرية تغرق المجتمع في النزاعات والمناقشات البيزنطية وتبثعر قواه، وتفتت إرادته لتجعله مبكلا وتربكه أمام تحديات الحاضر والمستقبل.

وعكس ما كان منتظرا منها، لم تفضي “حرية التعبير” على الطريقة التونسية إلى بروز خطاب سياسي صريح وواضح ومفيد يساعد على النهوض الذي تتطلع إليه البلاد، بل هي ولّدت خطبا عامة وديماغوجية، وخطابا سياسيا تعكس لغته عجزا في الابتكار وسطحية في تحليل معطيات الواقع، وجهلا بتاريخ تونس القديم والحديث على حد السواء. من هنا ندرك خلوّ الكثير من الخطب من المرجعيّات التونسية في هذا المجال أو ذاك. كما ندرك تعمد أصحاب هذه الخطب في كثير من الأحيان إلى تزوير التاريخ لصالحهم، ونفي العناصر الإيجابية لدى معارضيهم، كما لدى الأنظمة التي سبقتهم، وتحديدا نظامي بورقيبة وبن علي.

ولأنهم يعلمون جيدا أنهم عاجزون عن تقديم حلول ناجعة للأزمات التي تتخبط فيها البلاد، فإنهم يلجؤون إلى لغة الترهيب، محرضين على العنف والتخريب ،ومحملين مسؤولية تردي الأوضاع إلى الآخرين. ومعنى هذا أن النقد الذاتي الذي هو أحد فضائل “حرية التعبير” منعدم في الخطاب السياسي الجديد .

الأمر الآخر الذي يتوجب الوقوف عنده هو أن حرية التعبير أبرزت صحافيين ومنشطين لبرامج ترفيهية وسياسية يبيحون لأنفسهم العبث باللغة، وتشويهها وإفسادها. وها أن الواحد منهم ينطق بجملة هي خليط من العربية الفصحى، واللهجة الدارجة واللغة الفرنسية. والغريب في الأمر أن المؤسسات التعليمية تبدو غير معنية بالتخريب اللغوي الذي يحدث في تونس راهنا، والذي ستكون له تداعيات خطيرة للغاية على الأجيال الحاضرة والقادمة.

ولا يخلو الخطاب السياسي راهنا من استعمال الكلمات البذيئة بل أحيانا يجد البعض من السياسيين متعة في اللجوء إلى ذلك ليثتوا أنهم من “صلب الشعب”، وأنهم يرغبون في التأكيد على أنهم يتكلمون “لغة صريحة” خالية من التكلف والتصنع. ومعنى هذا أنهم لا يقيمون حدودا بين اللغة المستعملة في المجالس والمحافل العامة ولغة القاع. كما أن لجوءهم لاستعمال الكلمات البذيئة يكشف في الحقيقة كسلهم الذهني، وابتذالهم وسطحيتهم السياسية إذ أن اللغة الحقيقية هي كما يقول ايطاليو كالفينو هي تلك التي تعكس جهدا لإعادة التفكير في الواقع وفي الأشياء، مع تجنب الألفاظ المستعملة والعادية والمبتذلة. وفي النهاية لا يكون الخطاب السياسي باعثا على التحرر وعلى التجدد إلاّ عندما يكون مصاغا بلغة تجترح من الواقع في غيلانه وفي تحولاته، ومن الولادة العسيرة لما يطمح إليه المجتمع.

4