‏لغتنا وألاعيب التأويل

الأربعاء 2017/10/04

يشغلني اليوم أكثر من اي شيء آخر السؤال حول كيف سمحت اللغة العربية بقدراتها الكبيرة لجموع المؤولين والمتفقهين بتحويل المعاني الجوهرية الواضحة المحددة في السرديات الدينية لتتوافق مع مصالح المنتفعين والمتنفذين في كل عصر لأغراض الهيمنة على الجموع؛ والواقع أن السر يكمن في لغتنا الجميلة الثرية بالمترادفات وإمكانات الالتفاف على المعنى هنا يكمن بعض السر في توظيف المقاصد المضادة لأنها لغة مرنة وبها اشتقاقات لا تنتهي وتنطوي على إمكانات لانهائية للتلاعب بالفكرة وتدليس المعاني والابتعاد بها عن جوهر حقيقتها.

استُغلت هذه الإمكانات وأمست لعبة بيد السياسيين الثرثارين الذين يقولون قولا ملمعا زائفا يبدو جميلا ويبعث الأمل لدى البسطاء الذين ينتظرون تغيير حياتهم وانتشالهم من وهدة الفقر والعوز، ويأتي الإعلام الموجه والفضائيات التابعة للأحزاب والمنظمات والميليشيات ليبالغ في الترويج للخطاب السياسي ويقوّله ما لم يكن واردا في متنه ويضفي عليه أهمية على أنها وعود فردوسية لتطوير البلاد.

إن المتفقهين يقلبون المفاهيم ويؤولون المعنى لصالح أهواء ومصالح نعرفها جميعا، وبذلك يسهل خداع السذج والبسطاء ويتعزز فهم مغلوط لكل شيء عبر التأويل وتمويه الحقيقة وراء كل قول، أما أحبابنا “إخوان الصفا وخلان الوفا”، الذين تعلمت منهم أن أكون بنفسي وعقلي لا بأي أحد آخر، فقد سموا الأشياء بأسمائها الحقيقية دونما التفاف أو مداورة، وجعلوا العقل في المرتبة الأسمى قبل كل شيء، وقالوا بحرية الاختيار للإنسان ومسؤوليته عن أعماله وإعطاء مكانة كبرى للعقل البشري؛ فالعقل لديهم هو أول الأدلة على التمييز بين الخلل والصواب ، ورفضوا التمييز بين دية الرجل ودية المرأة وزواج الصغار.

أعلن أبوعمرو الجاحظ عن موقف المعتزلة من المرأة فقال: ولسنا نقول ولا يقول أحد ممن يعقل: إن النساء فوق الرجال، أو دونهم بطبقة أو طبقتين، أو بأكثر، ولكنا رأينا ناسا يزرون عليهن أشد الزراية، ويحتقرونهن أشد الاحتقار، ويبخسونهن أكثر حقوقهن، وإن من العجز أن يكون الرجل لا يستطيع توفير حقوق الآباء والأعمام إلا بأن ينكر حقوق الأمهات والأخوال، فلذلك ذكرنا جملة ما للنساء من المحاسن.

وقالت المعتزلة بأهمية الاحتكام إلى العقل وعدم قبول التأويل الالتفافي في تفسير أمور العبادات والعيش والسلوك وعلاقة الرجال بالنساء مما يؤكد العدالة السماوية ورحمة الله؛ ومن هنا كانت الحرب عليهم وعلى جميع العقلاء في تاريخنا الإنساني.

وتحول اللعب باللغة من ميدان السياسة اللعوب التي تحاول قمع كل فكرة تضاد هيمنتها إلى ميدان الفكر والإبداع في زمننا، وظهرت الأفكار الملتبسة التي توحي بلغتها الغامضة الملتفة بنقيض ما تبطنه من معان، وتمادى بعض المفكرين في تعزيز الغموض خشية الحكم عليهم بالاستسهال من جانب ولأجل إبهار قارئهم من جانب آخر.

وقلد هؤلاء بلغتهم الالتفافية المبهمة جمعٌ من الكتاب والأدباء في سردهم المعقد وعباراتهم اللولبية ومفرداتهم المبهمة عن سابق قصد وإصرار، وترّسم خطاهم كتّابٌ مبتدئون وجدوا في اللوذ بالغموض دريئة ضد وهن النص وركاكته، وتمادى بعض ممن احترف النقد بتمجيد تلك النصوص الالتفافية القائمة على الإيهام بعمق المعنى، وعمدوا إلى اتباع سبل التأويل والتفسير لشرح تلك النصوص المصطنعة قاصدين تهوين الأمر على المتلقين من القراء؛ فالتبست أمور كثيرة، وتوهم البعض أن السبيل الصحيح لبلوغ مراقي الشهرة والقبول يتم بكتابة النص المغلق غير مدركين أن الجمال قرين البساطة والوضوح المضيء لا قرين التعقيد والغموض المفتعل.

كاتبة عراقية

14