‏مت واقفا كالأشجار

الذين استطاعوا إلى الموت سبيلا، نجوا من ورطة الحياة بأعجوبة، في عالم قاتم يضيق بسكانه، حتى نصح بعضهم بدفن الموتى وهم واقفون، ربحا للمساحة.
الثلاثاء 2019/12/17
الموت مهمة صعبة

من يحاول الانتحار، يُحكم عليه بالإعدام شنقا حتى الموت، وفق قانون العقوبات البريطاني الذي كان سائدا في القرن التاسع عشر، ذلك أنّ جريمته تُعدّ شروعا في القتل، فانبغى، عندئذ، قتله بتهمة العثور عليه متلبسا بمحاولة قتل نفسه.

وعلى ضوء هذا القانون السوريالي، كان لا بد لبعض الغشاشين من الانتحاريين المترددين، أن يبلّغوا السلطات القضائية عن محاولات قتل أنفسهم، كي تتمكن الأجهزة المختصة من تنفيذ الحكم في حقهم، على البارد المستريح، كما تقول العامة.. والويل كل الويل، لحالات التبليغ الكاذبة.

ألا يشبه الأمر “العقوبة بمكافأة المغتصب” عبر تزويجه من ضحيته في الكثير من البلدان العربية ذات القوانين المهترئة، ويذكّر بحكاية السلحفاة التي قالت للنسر: افعل بي ما تشاء، ما عدا أن تلقي بي في الماء.. طبعا، فعلها النسر المتجاسر إمعانا في معاقبتها فوجدت السلحفاة الخبيثة نفسها تسبح مزهوّة في بركة ماء. نعم، هكذا قيل للكذّاب: احلف، فرد في سره “الآن جاءني الفرج”.

ولأن الشيء بالشيء يُذكر، فإن أغرب قانون عقوبات في حوادث السير لدى بلد عربي شقيق، كان يحكم على السائق الذي دهس مترجلا وتسبب له في عاهة جسدية مستدامة، بأن يتكفل بالصرف عليه طيلة حياته، أمّا إذا مات الضحية فتُعد الحادثة قضاء وقدرا، ولا يدفع السائق من جيبه فلسا واحدا. وبناء على ما تقدم من هذا النص القانوني، فإن من مصلحة المخالفين ومرتكبي الحوادث المرورية أن يتأكدوا من موت ضحاياهم، حتى وإن اقتضى الأمر، إلى الرجوع إلى الخلف ومعاودة الكرّة، وذلك اتقاء لعقوبة النفقة المستدامة.. ولكم أن تتخيلوا فصولا كثيرة من هذه الكوميديا السوداء، كأن يمسك المدهوس بساقه هاربا من الداهس ومقسما له بأغلظ الأيمان، على أنه بألف خير، وسوف لن يلاحقه قضائيا.

هل أصاب أبوالطيب في قوله “كفى بك داء أن ترى الموت شافيا/ وحسبُ المنايا أن يكنّ أمانيا”؟

هل صار الموت أمرا يُطلب فلا يُدرك، وإن نجح المرء في الحصول عليه، فعواقبه وخيمة حتى في عذابات الحصول على قبر، وسط هذا التزاحم المحموم على الحياة والممات، فكأنما الموت مهمة صعبة لا تقلّ مشقة عن الحياة؟

هكذا يصبح الذين استطاعوا إلى الموت سبيلا، قد نجوا من ورطة الحياة بأعجوبة، في عالم قاتم يضيق بسكانه، حتى نصح بعضهم بدفن الموتى وهم واقفون، ربحا للمساحة.

قد تتحقق، على أرض الواقع، رؤية المسرحي أليخاندرو كاسونا، في رائعته “الأشجار تموت واقفة”، لكن الأشجار لا تطلب الانتحار، ولا تعرفه إلا على شكل أغصان تُقتطع منها فتصبح قبضات فؤوس!

24