‬ مهرجان دولي لفن القصص المصورة في القاهرة

الأحد 2016/10/16
فن الكوميكس تعبير شبابي مستقبلي

تستمرّ في القاهرة إلى ما يعد منتصف شهر أكتوبر الجاري فعاليات الدورة الثانية لمهرجان “كايرو كوميكس”، وهو أكبر تجمع لفناني القصة المصوّرة في مصر، ويضم أكثر من ثلاثين رساماً ومؤلفاً للقصة المصورة من مصر والجزائر وتونس وسوريا والعراق والأردن ولبنان وليبيا والمغرب وفلسطين، بالإضافة إلى قائمة كبيرة من العارضين ودور النشر المحلية والدولية والفنانين المستقلين وخبراء في عالم القصص المصوّرة من المنطقة العربية والعالم. يعود المهرجان هذا العام بشكل جديد وفعاليات أكثر التحاماً مع جمهور القصص المصورة ومبدعيها.

وقد توزعت فعاليات المهرجان بين مقر الجامعة الأميركية والمركز الثقافي الفرنسي في القاهرة، وتنوعت بين اللقاءات والمعارض والمشاركات وورش العمل. وكان من أبرز هذه الفعاليات التي شهدها مهرجان الكوميكس هذا العام برنامج “عالسطوح” وهو إنتاج مشترك بين المهرجان والمعهد الفرنسي وتضمن لقاءات وورش عمل وندوات خاصة بإبداعات القصة المصورة العالمية تحدث فيها بول غرافت من إنكلترا وآندي وارنر من الولايات المتحدة.

وشمل المهرجان أيضاً سوقاً كبيراً لأعمال الكوميكس من مجلات وروايات غرافيكية إلى جانب روايات الهواة والألبومات الخاصة، حيث توفر جزءاً منها للبيع للجمهور. وتحت عنوان “الفنان يعمل” تم تنظيم زيارات ميدانية لمراسم عدد من فناني القصص المصورة المشاركين ومشاركتهم في خطوات عمل رسم أو صفحة كاملة بداية من الفكرة إلى التنفيذ حسب أسلوب كل فنان وطريقته في الرسم بواسطة الأقلام والأحبار أو عن طريق برامج الغرافيك وألواح الرسم الرقمية.

كما شهد المهرجان تنظيم معرضين لأعمال الكوميكس، الأول تحت عنوان “شماريخ” الذي سيبقى مفتوحا للزوار إلى غاية يوم الـ20 من أكتوبر الحالي، وضمّ المعرض مجموعة من أفضل الأعمال المقدمة في المهرجان. أما الثاني فكان تحت عنوان “أبو الظرفاء” للفنان الراحل نجيب فرح، وهو معرض مخصص لواحدة من أنجح الشخصيات التي ابتكرها خلال عمله في مجلة ماجد الإماراتية، والتي ظل يرسمها على مدار عشرين عاماً حتى توقف وانتقلت الشخصية لرسامين آخرين. تضمن المعرض صفحات أصلية ورسوما تحضيرية وصورا للفنان ونسخا مطبوعة من صفحات كتابه “أبو االظرفاء”.

كان من بين الحضور الفرنسي توماس أزويلوس وهو أحد أشهر مؤلفي القصة المصورة حول العالم، والذي صدرت له هذا العام الرواية الغرافيكية “le comite”، وهي تعد معالجة حرة لرواية الكاتب المصري صنع الله إبراهيم “اللجنة” والتي يحتفي المهرجان بصدورها. وتدور الرواية عن رجل يسعى لتحقيق النجاح في مجتمع عن طريق التحضير لمقابلة اللجنة، هذه اللجنة التي يحيط بها الغموض، ولا يعرف إن كانت وهماً أو حقيقة. لكن الرجل يلتقي باللجنة التي تكلّفه ببحث موضوع عن أهم شخصية عامة في المجتمع، وبالبحث يتوصّل الرجل إلى شخصية الدكتور، وهو شخصية تتحكم في الكثير من الأمور من خلف الكواليس والذي يقوده لاكتشاف العديد من الأبعاد الخفية.

فن الكوميكس يشير في شكل عام إلى الرسوم الهزلية أو المرحة التي تحكي قصة مترابطة من خلال كادرات أو صور متتابعة. وكان هذا هو المفهوم المسيطر على فن الكوميكس قديماً، لكن هذا الفن لم يقف عند حدود السخرية والهزل فقط بل تطرق إلى مناحي أخرى سياسية واجتماعية وثقافية

بدأ الفنان الفرنسي العمل على الرواية في العام 1997 كما يقول، وواجه صعوبات في تحويل أحداثها ومعالجاتها إلى كوميكس، لأن طابع الراوي يميل إلى الحكي، فأغلب الأحداث كانت في مخيلة بطل الرواية، فترك الفنان العمل على مشروع الرواية لكنه عاد إليه عام 2011 عقب ثورة يناير. يقول توماس أوزيلوس “بعد العديد من المحاولات للرجوع إلى المشروع والعديد من الزيارات لمصر استقر لديّ انطباع أن المصريين لديهم حالة من التسليم بفكرة الانقياد للجمع، لكن حدوث الثورة غيّر تلك الفكرة وعدت مجدداً لأحوّل ‘اللجنة’ إلى كوميكس”.

كما حضر من إنكلترا بول غرافت وهو صحفي ومختص في الفكاهة، وقد علّق على الدورة الثانية من مهرجان الكوميكس بقوله “ما يحدث هنا كبير ورائع جداً.. لدينا الكثير من الطاقة والحماس، وأعتقد أن فن الكوميكس هو وسيلة مناسبة للتعبير عن هذه التغيّرات التي طرأت على العالم في الفترة الأخيرة، وكذلك التحديات السياسية الكبيرة التي تواجه منطقة الشرق الأوسط”.

يذكر أن لفن الكوميكس تاريخا طويلا في مصر يرجعه البعض إلى سبعينات القرن التاسع عشر، إذ تمثلت إرهاصاته الأولى في مجلة “روضة المدارس المصرية” والتي أصدرها رفاعة الطهطاوي، وكانت موجّهة إلى طلاب المدارس في مصر بهدف الإرشاد والتقويم، وعلى الرغم من افتقاد تلك المجلة في حينه إلى الرسوم، إلا أنها كانت تحمل اللبنة الأولى لفن الكوميكس بتقسيم القصة إلى كادرات ومشاهد قصيرة. ومنذ عشرينات القرن العشرين ظهرت العديد من إصدارات القصص المصورة “كوميكس”، وكانت في أغلبها محاولات جادة وواعدة ومتميزة على الرغم من أنه لم يكتب لها الاستمرار.

ومنها على سبيل المثال مجلة “الأولاد” سنة 1923، وكان يصدرها الاحتلال الإنكليزي باللغة العربية من أجل الدعاية وترسيخ مفاهيم الاحتلال في عقول الطلاب المصريين، وعلى الرغم من الرسالة الاستعمارية التي كانت تحملها تلك المجلة، إلا أنها كانت عاملاً جذاباً في تعرّف المصريين على مثل هذا النوع من الفنون. وفي خمسينات القرن الماضي ظهرت مجلة “سندباد” التي عمل بها العديد من رواد فن الكوميكس المصريين أمثال محيي الدين اللباد، وكان يصدرها الفنان حسين بيكار، وهو من أوائل الفنانين الذين أدخلوا فن القصص المصورة في مصر. ثم صدرت بعدها مجلة “سمير” في خمسينات القرن العشرين، ثم مجلة “علاء الدين” سنة 1993 وهي من إصدارات مؤسسة الأهرام المصرية ومازالت مستمرة حتى اليوم. كما أن هناك العديد من الإصدارات الأخرى التي ظهرت حديثاً بجهود ذاتية من فنانين وناشرين، لعل أكثرها نجاحاً واستمراراً هي مجلة “توك توك” والتي تعاون في إصدارها مجموعة من الكتاب ورسامي الكوميكس الشباب.

ويشير فن الكوميكس في شكل عام إلى الرسوم الهزلية أو المرحة التي تحكي قصة مترابطة من خلال كادرات أو صور متتابعة. وكان هذا هو المفهوم المسيطر على فن الكوميكس قديماً، لكن هذا الفن لم يقف عند حدود السخرية والهزل فقط بل تطرّق إلى مناحي أخرى سياسية واجتماعية وثقافية، وبدأ فن الكوميكس في مصر يتخذ هذا المنحى تحديداً على يد فنانين مثل حجازي، ومحيي الدين اللباد، وبهجت، الذي أخرج في نهاية ستينات القرن العشرين إصداراً بعنوان “بهجتوس” كان ينتقد من خلاله السلطة والأوضاع السياسية في مصر، وتميز نقده وقتها بالمباشرة والحدة، ما أدى إلى مصادرة المجلة وتوقفها عن الصدور. وهناك من يخلطون عادة ما بين فن الكوميكس والكاريكاتير، وهما لا يرتبطان بصلة إلا من خلال طبيعة الرسوم الساخرة والمرحة، ففن الكوميكس هو فن القصص المصورة، وهو عبارة عن قصة واحدة مترابطة يتم التعبير عنها بواسطة مجموعة من الرسوم أو الكادرات المتتابعة. أما فن الكاريكاتير فهو يمثل كادرا واحدا يعبر عن موقف واحد أو وجهة نظر واحدة وليس قصة متتابعة الأجزاء كفن الكوميكس.

كاتبة من مصر

15