100 عام على الحرب العالمية الأولى ولا يزال التاريخ يستذكر الكارثة الأوروبية

الاثنين 2014/02/10
الحرب العالمية الأولى أودت بحياة حوالي 10 ملايين شخص

لندن - أدت الحرب العالمية الأولى إلى مقتل حوالي 10 ملايين شخص، وإصابة 20 مليونًا آخرين في ميادين القتال، إلى جانب ملايين الضحايا من المدنيين، الذين خضعوا للاحتلال وضربتهم مجاعات أو تم تهجيرهم، بينهم مليون أرمني طالتهم مجازر ممنهجية على أيدي الأتراك، فيما خرجت أوروبا مدمرة اقتصاديًا وسياسيًا.

كانت القارة الأوروبية عشية الحرب العالمية الأولى، في أوج مرحلة الابتكار الاقتصادي والتقني والفني والعلمي، إلا أن العديد من العوامل السياسية والاقتصادية كانت مجتمعة لحدوث انفجار كبير يدخل القارة في واحدة من أكبر المآسي في التاريخ، فالمنافسة بين الدول القوية آنذاك كانت مدفوعة بالرغبة في تحقيق النفوذ السياسي والأمن والحصول على أسواق تجارية، وقد قلبت هذه المعطيات جميع التوازنات، حيث كانت برلين تقلق لندن بسبب طموحاتها البحرية والاستعمارية المعلنة، وهي طموحات خلقت أيضا توترات كبيرة مع فرنسا، لاسيما بسبب المغرب بين 1905 و1911.

وعلى مدى تلك السنوات، تشكلت كتلتان: الأولى هي الحلف الثلاثي الذي جمع بين ألمانيا وإمبراطورية النمسا المجر وإيطاليا، والثانية هي حلف الوفاق الذي جمع فرنسا وبريطانيا وروسيا..

كانت ألمانيا وفرنسا وبريطانيا تمثل لوحدها ثلث الإنتاج الصناعي في العالم، ولو أن الولايات المتحدة أصبحت منذ نهاية القرن التاسع عشر أكبر اقتصاد في العالم.

وفي الجهة الأخرى، كانت روسيا وإمبراطورية النمسا المجر في تنافس شديد لتوسيع منطقة نفوذهما في البلقان على حساب الإمبراطورية العثمانية التي كانت تنهار بسرعة. وفي البلقان بالتحديد رسم مستقبل أوروبا، إذ ألهبت هذه المنطقة حربان في خريف 1912 وربيع 1913. وتمكنت صربيا التي التفت حولها بلغاريا واليونان والجبل الأسود من انتزاع آخر معاقل العثمانيين في أوروبا قبل أن تتقاتل هذه الدول فيما بينها على تقاسم تركة السلطنة.

وباستثناء روسيا التي وقفت إلى جانب صربيا تحت عنوان الدفاع عن السلافيين، فإن باقي القوى الكبرى ظلت بعيدة تراقب بحذر الانفجار البلقاني وتمكنت من تجنب الأسوأ، إلا أن الخطر على السلام في أوروبا أخذ يتجذر أكثر فأكثر بعد تلك الفترة.


شرارة الحرب

يلخص المؤرخ الألماني غيرد كروميش الوضع في تلك الحقبة بقوله “كان ذلك زمن الخطاب القومي، وهو خطاب مشوب بقدر كبير من القلق والخوف من انقضاض الآخر بشكل مباغت”. فالتيارات السلمية كانت قوية في تلك الفترة، وكانت أوروبا بعيدة عن أفكار “الاتحاد المقدس" التي انتشرت في ما بعد في فرنسا وألمانيا وبريطانيا وروسيا لاستقطاب الدعم للحرب في صفوف القادة السياسيين ولدى الرأي العام، حتى أن العام 1914، وهو عام اندلاع الحرب، انطلق في جو من التهدئة.

إلا أن نظام الحلفاء الذي تم نسجه على مدى سنوات كان ما يزال قائما، وكان هذا النظام يهدد بإشعال القارة بسبب أصغر حادثة، إذ أنه كان يتعين على الحلفاء نصرة بعضهم البعض في حال تعرض أي منهم للاعتداء. وفي هذه الأجواء، لم يكن ينقص إلا الشرارة.

وفي 28 يونيو، قام الطالب الصربي غافريلو برينسيب بإطلاق النار في ساراييفو على ولي عهد النمسا المجر فرنسوا فردينان وقتله، فكانت الطلقة التي غيرت مصير أوروبا وأشعلت القارة.

لقد كان القادة الأوروبيون يأملون في إمكانية تجنيب القارة نزاعا كبيرا تماما كما تجنبوا النزاع في 1912 و1913، حيث كانوا يعتقدون بأنه ما زال بإمكانهم عدم الدخول في نزاع يباغت الشعوب الأوروبية في وقت كان الإعلام لا يصل إلا إلى شريحة محدودة من السكان.

إلا أن الأخطاء المتتالية في تحليل الوضع حسب المراقبين قد سرعت الأحداث: فتدخلت النمسا بدعم من ألمانيا ضد صربيا ظنا منها أنها ستقوم في هذه الحالة باستعادة نفوذها في المنطقة، وتحركت روسيا التي كانت تريد حماية صربيا من خلال ترهيب النمساويين، إلا أنها بتدخلها تسببت في تحرك حليفها الفرنسي، وفي نفس الوقت، ألمانيا التي كانت تعيش في هاجس النزاع المحتم القادم بين الدول الكبرى في أوروبا. وعندها لم يعد بإمكان أي شيء وقف الحرب التي انفجرت.


أوهام حرب قصيرة

“ستكون الحرب قصيرة جدا لشهر أو ستة أسابيع، فأجبت لا ستكون طويلة وستستمر ثلاثة أشهر على الأقل” هكذا روى اللفتنانت في قوات المشاة الفرنسية “شارل دلفرت” ما جاء في حوار مع زميل له مطلع أغسطس 1914 في مذكراته.

يلخص هذا الحوار القصير الوهم العام لدى جميع القادة العسكريين والسياسيين الأوروبيين بأن هذه الحرب العالمية الأولى ستكون حربا خاطفة وقصيرة في نظرهم.

ويقول المراقبون إن الجنود لم يكونوا يتوقعون حربا عالمية، لم يخطر لهم أنهم ذاهبون إلى الموت في الظروف التي كانوا سيواجهونها، فقد كان كثيرون يعتقدون بأنهم سيعودون إلى ديارهم بعد أسابيع أو أشهر قليلة. وسرعان ما ستتبدد هذه الأوهام، وسينشأ عالم مختلف تماما من أنقاض النزاع العالمي الأول.

فعند اندلاع النزاع اعتقدت رئاستا الأركان الفرنسية والألمانية اللتان وضعتا منذ سنوات استراتيجيات عسكرية هجومية، أن الحرب ستكون بالضرورة قصيرة لأنها ستكون عنيفة جدا وأكثر كلفة في الأفراد والعتاد من أن تتحملها الأطراف المتحاربة، وعلى هذا الأساس وضع الجانبان خططا هجومية مصممة لحرب مواقع لا تزيد عن بضعة أسابيع. من جانبهم اعتمد الألمان على “خطة شليفن” التي تقوم على ضرورة تحقيق انتصار سريع على الجيش الفرنسي في الغرب قبل وصول تعزيزات بريطانية، وخصوصا قبل أن يتسنى لروسيا، حليفة فرنسا، حشد قواتها والهجوم على ألمانيا من الشرق.

الأسماء الرئيسية التي أغرقت أوروبا في الحرب
* غافريلو برينسيب (1894-1918)

الطالب الصربي من البوسنة والهرسك التي كانت تحت سيطرة الإمبراطورية النمساوية المجرية، الذي أطلق النار في 28 يونيو 1914 في ساراييفو وقتل ولي عهد النمسا الارشيدوق فرنسوا فرديناند وزوجته صوفيا. وأدى هذا الاغتيال إلى أزمة دبلوماسية-عسكرية أفضت إلى الحرب العالمية الأولى.

* فرنسوا فرديناند (1863-1914)

ولي عهد الإمبراطورية النمساوية المجرية وريث الإمبراطور فرنسوا جوزيف، كان يؤيد الفدرالية لتحل مكان الإمبراطورية النمساوية المجرية. اغتيل مع زوجته صوفيا في ساراييفو في 28 يونيو 1914 على يد غافريلو برينسيب الطالب القومي الصربي من البوسنة والهرسك.

* فرنسوا جوزيف (1830-1916)

إمبراطور النمسا وملك المجر وأرمل الإمبراطورة سيسي. اعتلى عرش النمسا بعد الثورة في 1848 وكان حكمه مطلقا إلى أن أرغم على انتهاج سياسة أكثر ليبرالية. تسبب في الأزمة العسكرية التي أفضت إلى النزاع العالمي بإعلانه الحرب على صربيا في 28 يوليو 1914 بعد شهر على اغتيال ولي عهد الإمبراطورية فرنسوا فرديناند في ساراييفو. وتوفي خلال الحرب في نوفمبر 1916.

* غيوم الثاني (1859-1941)

آخر ملوك بروسيا وأمبراطور ألمانيا حفيد الملكة فيكتوريا من جهة والدته، اعتلى العرش في 1888 وطرد المستشار بسمارك. استند إلى المعسكر المحافظ وانتهج سياسة توسعية واستعمارية. ورغم أنه كان نسيبا لنيقولا الثاني إمبراطور روسيا فقد كسر التحالف التقليدي مع روسيا للتقارب من النمسا وإيطاليا. وبعد أن شجع التعنت النمساوي، وتحت ضغط رئاسة الأركان حول الأزمة النمساوية-الصربية إلى نزاع عالمي بإعلان الحرب على روسيا في الأول من أغسطس ثم على فرنسا في الثالث منه وغزا بلجيكا في اليوم نفسه.

* نيقولا الثاني (1868-1918)

آخر قياصرة روسيا. خلف إسكندر الثالث، اعتلى العرش في 1894 ورسخ التحالف الفرنسي-الروسي. وزج بلاده في 1904-1905 في الحرب الروسية-اليابانية التي أدت إلى أول ثورة روسية. وقراره إعلان التعبئة العامة ضد النمسا في 30 يوليو دفع ألمانيا إلى دخول الحرب. أرغم على التنازل عن العرش خلال “ثورة فبراير” في 1917 وقتله البلشفيون مع زوجته وأولاده في 17 يوليو 1918.

* ريمون بوانكاريه (1860-1934)

رئيس الوزراء الفرنسي في 1912 و1913 ثم رئيس الجمهورية حتى 1920. دعا إلى سياسة أكثر حزما حيال ألمانيا. ورغم أنه أخذ مسافة من أحداث أزمة صيف 1914 فإن خصومه أطلقوا عليه لقب “بوانكاريه الحرب”. كان متمسكا بالعلمانية (قيم اليسار) والوطنية (قيم اليمين) ودعا في أغسطس 1914 إلى “الوحدة المقدسة” لكافة الفرنسيين، الشعار الذي لاقى شعبية كبيرة.

* هربرت اسكويث (1852-1928)

رئيس الوزراء البريطاني بين عامي 1908 و1916 حاول هذا الليبرالي ذو القناعات السلمية القيام بوساطة لم تنجح عندما بلغت الأزمة أوجها في نهاية يوليو، ما حث برلين على اعتبار بقاء لندن في منأى عن النزاع. لكنه اقتنع أنه يجب منع ألمانيا من الهيمنة على أوروبا. وغزو ألمانيا لبلجيكا البلد الحيادي، ساهم في دفع بريطانيا إلى الوقوف إلى جانب حلفائها بإعلان الحرب على ألمانيا في الرابع من أغسطس.

* بطرس الأول ملك صربيا (1844 - 1921)

تلميذ سابق في مدرسة سان سير. انخرط هذا الصربي الناطق بالفرنسية في صفوف الجيش الفرنسي في 1870 تحت اسم بيار كارا. واعتلى عرش صربيا في 1903. وفي يونيو 1914 بسبب إصابته بالمرض عين نجله اسكندر وصيا على العرش وكلفه بقيادة العمليات العسكرية خلال الحرب.

* أنور باشا (1881-1922)

أحد قادة ثورة الأتراك الشباب، أصبح عضوا في العائلة الإمبراطورية وضم الإمبراطورية العثمانية إلى معسكر القوى المركزية. وكان رئيسا للأركان وأعطى في أبريل 1915 الضوء الأخضر لعملية ترحيل الأرمن التي أوقعت مليون قتيل. وبعد انتصار الحلفاء استقال وفر إلى ألمانيا. وحكم عليه بالإعدام غيابيا.

وهي استراتيجية كانت تعتمد على سحق فرنسا في غضون ستة أسابيع من خلال هجوم كبير من جهة الشمال منتهكة بذلك الحياد البلجيكي دون أخذ الرأي العام الدولي في الاعتبار، وبالاستناد إلى قوة المدفعية.

أما في الجانب الفرنسي فقد وضع الجنرال جوفر رئيس أركان الجيش بالاتفاق مع رئيس مجلس الوزراء ريمون بوانكاريه “الخطة السابعة عشرة”. وتقوم هذه الخطة على مفهوم “الهجوم الكبير” وتعتمد على حماسة جنود المشاة لإحداث تقسيم للجيش الألماني إلى جزئين في هجوم مركز على الحدود في منطقة اللورين.


فشل الألمان

في البداية تبين أن خطة شليفن ناجحة لأن القوات الألمانية اخترقت الخطوط الفرنسية، في حين أن الخطة السابعة عشرة منيت بفشل ذريع، وانسحب الجيش الفرنسي من جميع المواقع بعد أيام من المعارك ليتجمع في منطقة المارن. وفي هذا الموقع تمكن الجيش الفرنسي من وقف تقدم الألمان على بعد أقل من 50 كلم من باريس قبل طردهم إلى الشمال.

وبعد هذا الانتصار الفرنسي الكبير الأول الذي كلف غاليا، لم ينجح أي جانب في التفوق على الآخر. وفي نوفمبر استقرت الجبهة الغربية، التي تمركز فيها الجيشان للاحتماء من القصف المدفعي، من بحر الشمال إلى الحدود السويسرية.

وهكذا بدأت حرب مواقع دامية لم يتوقعها أي من رئاستي الأركان استمرت لأكثر من ثلاث سنوات حتى بدء الهجمات الألمانية الكبرى في ربيع 1918.

وفي هذا الإطار اعتقدت ألمانيا، رغم تطويقها، أن بإمكانها الانتصار إذا كانت الحرب قصيرة بشكل كاف حتى تتجنب الاضطرار إلى القتال على جبهتين في الوقت نفسه والاختناق اقتصاديا. وهذا كان رهان “خطة شليفن” التي كانت تنص على وضع كل ثقل القوات الألمانية ضد فرنسا أولا من أجل سحقها في خلال أسابيع قبل مهاجمة روسيا حيث ظنت برلين- وتبين لاحقا أنها على خطأ- أن التعبئة ستستغرق شهرا على الأقل.

لقد أتاح فشل الخطة الألمانية الذي رسخه انتصار فرنسا في معركة مارن في مطلع سبتمبر، للحلفاء الذين تلقوا دعم الولايات المتحدة اعتبارا من 1917، أن يجنوا فوائد تفوقهم الاقتصادي والديموغرافي وأن يغيروا مسار الحرب عبر هزم خصومهم، والتي انتهت بهزيمة الحلفاء.

وأسفرت الحرب العالمية الأولى عن تغيير جوهري في طبيعة السياسة الدولية على كافة مستوياتها. ونجد أن النتائج المباشرة للحرب العالمية الأولى هي معاهدات الصلح التي وقعت، وظهور دول جديدة بعد انهيار الأنظمة الدكتاتورية في أوروبا مثل النظام الإمبراطوري في كل من ألمانيا والنمسا، والنظام القيصري في روسيا، ونظام السلطان في الدولة العثمانية.

وقد كان من الصعب جدا تقدير أرقام الضحايا المدنيين الذين سقطوا بصورة مباشرة أو غير مباشرة في النزاع، حسب المؤرخين، وقد تكون الحرب التي امتدت شرقا وحركات النزوح والمجاعة ثم الحرب الأهلية في روسيا والنزاعات الإقليمية بعد الحرب، خلفت ما بين 5 و10 ملايين قتيل في صفوف السكان تبعا للتقديرات، وفي نهاية الحرب، انتشر وباء عالمي عرف بالانفلونزا “الأسبانية” وحصد بدوره ما لا يقل عن 20 مليون ضحية في أوروبا، هذا إضافة إلى الخسائر العسكرية والعديد من الضحايا المدنيين الذين سقطوا في أحداث مرتبطة مباشرة بالنزاع، خصوصا إبادة أكثر من مليون أرمني في الإمبراطورية العثمانية سابقا.

6