100 عام على ولادة إحسان عبدالقدوس و50 عاما على عرض "أبي فوق الشجرة"

الرواية في أوج عطائها السينمائي وتحررها من قيدها الأيديولوجي.
السبت 2019/11/30
حكاية شديدة الإتقان والحبكة والتشويق

يمر هذا العام قرن كامل على ولادة الكاتب المصري إحسان عبدالقدوس (1919 ـ 2019)، الذي فتنت رواياته جيلي السبعينات والثمانينات، على وجه الخصوص. إذ لا تكاد تخلو رفوف مكتبة -خاصة أو عامة- من كتبه ذات الأغلفة الشبيهة جدا بأفيشات الأفلام التي اقتبست من رواياته: وجوه لشخصيات أبطاله بألوان صارخة، وملامح حادة الإحساس والتعبير، فكأنما أنت إزاء لقطة إعلانية (برومو) لشريط لا يمكن تفويت فرصة مشاهدته.

وفي هذا العام، تحلّ الذكرى الخمسون لعرض فيلم “أبي فوق الشجرة” (1969) المأخوذ عن قصة تحمل نفس العنوان، من مجموعة “دمي ودموعي وابتسامتي” لإحسان عبدالقدوس، مع بعض التعديلات البسيطة التي تطلبتها طبيعة الإخراج السينمائي وظروف التصوير.

قاعة “ديانا” التي عرض فيها الفيلم آنذاك، أثناء موسم العيد، وسط القاهرة، صارت تُعرف بـ”قاعة أبي فوق الشجرة”، ذلك أن هذا الشريط الحدث، قد حظي بنسبة إقبال قياسية. واستمر الفيلم في دور العرض السينمائي لأكثر من 58 أسبوعا محققا إيرادات تجاوزت 900 ألف جنيه، في الوقت الذي كانت فيه تذكرة السينما تعادل 3 جنيهات، تقريبا.

نفس حالة هذه القاعة التي لم يعد الناس يعرفونها باسمها القديم (ديانا)، و”أُصيبت آلة عرضها بفقدان الذاكرة”، فنسيت كل الأشرطة التي مرت عليها قبل “أبي فوق الشجرة”، حصلت مع كل من يحاول الكتابة بأسلوب إحسان عبدالقدوس، من معجبين ومريدين وأتباع على امتداد العالم العربي، ذلك أن هذا الكاتب يتميز بأسلوب وطريقة تناول، وملامح شخصيات وعوالم لا تشبه إلا صاحبها الذي تحولت رواياته إلى أكثر من 60 فيلما رومانسيا وسياسيا واجتماعيا، كان أشهرها “في بيتنا رجل”، “الرصاصة لا تزال في جيبي”، “لا أنام”، “الوسادة الخالية”. وكذلك ما يقرب من 16 مسلسلا تلفزيونيا، من أشهرها “لن أعيش في جلباب أبي”، “لا تطفئ الشمس”.

إحسان عبدالقدوس، أسس لما يمكن تسميته بالأدب السينمائي، أما قارئه الأفضل في الفن السابع فكان المخرج حسين كمال، بلا منازع، الذي أرسى دعائم السينما الاستعراضية، وأضاف إلى حواراتها الأدبية، لوحات ورقصات وأغاني خالدة
إحسان عبدالقدوس، أسس لما يمكن تسميته بالأدب السينمائي، أما قارئه الأفضل في الفن السابع فكان المخرج حسين كمال، بلا منازع، الذي أرسى دعائم السينما الاستعراضية، وأضاف إلى حواراتها الأدبية، لوحات ورقصات وأغاني خالدة

كل الأفلام والأعمال التلفزيونية، وحتى المسرحية، التي تناولت أعمال عبدالقدوس، ظلت وفيّة لمناخات صاحبها ومزاجه الذي يرخي بظلاله في كل فقرة وسطر، ولم يستطع معدوها ومخرجوها، وحتى الماثلون فيها من الممثلين، أن يقدموا رؤية مغايرة لما خطه صاحب القلم المخملي الذي ظل وهو في السبعين، منتصرا للمرأة وقضايا الشباب المتمرد، دون استعلاء طبقي أو فئوي، وهو ابن البيئة الميسورة المنفتحة، لكنها لم تتنكر أبدا لأمراض المجتمع ومعاناته.

إن كانت تروق لبعض النقاد المقارنة بين إحسان عبدالقدوس ونجيب محفوظ، على اعتبار أن الاثنين هما من أشهر وأكثر روائيي مصر من الذين تناولت أعمالهم السينما، فإن الأول يكتب بمزاج سينمائي يقترب من تقنية السيناريو وتقطيعاته المشهدية الموغلة في التفاصيل، ومراعاة المحور الزمني والتصعيد الدرامي، بينما يجنح الثاني نحو التحليل النفسي والفلسفي محافظا على نسق لغته الأدبية تاركا الفرصة لمن يأتي بعده من معدي السينما، بأن يفسحوا المجال للكاميرا بأن تشطب أو تضيف. لذلك كان عبدالقدوس كثير الحوار الذي يصل حد الخلاف والتحفظ مع مخرجي رواياته، كما حصل فعلا، في فيلم “أبي فوق الشجرة”.

إنه يكتب بالكاميرا

غريب ومحير أمر هذا الفيلم الذي ملأ الدنيا وشغل الناس، طيلة ما يزيد عن عام من العروض المستمرة، وتمكّن من خلالها “مخرج طباخ” أن “يضحك على الذقون الممشوطة والمجعدة” في نظر نقاد الفن والمدافعين عن رسالته الثقافية من ناحية، وأن يبهر رواد السينما ويأسرهم، من ناحية أخرى، وذلك عبر “تتبيلة” سينمائية استخدمت فيها كل البهارات بمقادير متوازنة، ومتوفرة على قارعة الشارع السينمائي المصري، ولكن المنتبهين إليها كانوا قليلين.

لنبدأ من مكونات هذه الطبخة الآسرة في فيلم “أبي فوق الشجرة” بحسب النسبية في الأولوية والأهمية، وشهية المتفرج آنذاك:

بداية، يمكن القول إن العنوان شديد الغرابة والتساؤل، فأين هذا الوالد الذي يقف فوق الشجرة؟ وما الغاية من كل هذا الالتباس؟ لا وجود لشجرة ولا أحد يختبئ فوقها في الفيلم، ولا الرواية، فهل الأمر حالة سوريالية فانتازية أملتها متطلبات تلك المرحلة، أم أنّ في الأمر التباسا محيّرا يأخذ -القارئ المشاهد- إلى حدود التأويل المحيّر؟

عبدالحليم حافظ، بدوره، (معبود الجماهير) غنى خمس أغان في شريط يمتد لساعة و42 دقيقة، أي ما لا يمكن لأوفر عشاقه حظا، أن يحضره في حفلات على المسرح، وهي على التوالي: “قاضي البلاج” و”الهوى هوايا”، و”يا خلي القلب”، و”جانا الهوى جانا”، و”مشيت على الأشواك”.

كل ذلك كان وسط أجواء تعبق خفة وانشراحا، و”شقاوة” تنبعث من أجمل الوجوه والقامات النسائية على الشواطئ الخلابة.. فهل الشريط كان مجرد احتفاء بـ”العندليب” عند أوجه عطائه -وبالرغم من غيابه لمدة خمسة أعوام في تلك الفترة- أم أن في الأمر سرا لا يعلمه إلا صناع الفيلم وواضعو خلطته السرية؟

الممثلون والممثلات، المجتمعون والمجتمعات حول عبدالحليم، في “أبي فوق الشجرة”، صنعوا الحدث، فتوهمنا -جميعنا- بأنهم الأبطال الحقيقيون، في حين أنّ خلافات نشبت بين هؤلاء. اقترحت أسماء وألغيت أخرى إلى أن وصلت حد صياغتها النهائية، فاستبعدت نجلاء فتحي من دور الحبيبة، وهند رستم، من دور الراقصة في أخطر مغامرة درامية تبحث لها عن نجاح وسط حقول ملغومة من النجاحات والإخفاقات، حسب منطق السوق ولغة العرض والطلب.

الحدوتة التي تأسس عليها الشريط، استندت إلى اسم إحسان عبدالقدوس، قبل متن قصته، وجعلت منه “أصلا تجاريا” قابلا للتسويق في مرحلته الذهبية، عبر حكاية تبدو عادية ومستهلكة، لكنها شديدة الإتقان والحنكة والتشويق، إذ تدور أحداث القصة حول الطالب عادل (عبدالحليم حافظ) الذي يتشاجر مع حبيبته آمال (ميرفت أمين)، ليسافر إلى الإسكندرية لقضاء الإجازة الصيفية (دائما هناك ذريعة للرقص والغناء والاستعراض).

وهناك يتعرف على الراقصة فردوس (نادية لطفي) ويقع في شراك حبها ويقيم معها في نفس الشقة. وبعد انقطاع أخباره يذهب والده إلى الإسكندرية بحثا عن ابنه، وفي طريق بحثه عنه يتعرف على راقصة أخرى كانت فردوس قد طلبت منها ذلك بهدف منع والد عادل من العودة أي الإيقاع بالوالد والولد، في إشارة إلى ضعف الذكورة وضمورها أمام السطوة الخفية للأنوثة كآليتي دفاع وانتقام.

نادية لطفي شقراء الشاشة العربية، تعمل في الفيلم راقصة في ملهى ليلي، تعجب بعادل، فتوقعه في شباكها وتجعله يعيش معها في منزلها وتصرف عليه، تسعى إلى منع والده من استعادته.. ربما عقابا له على هيمنته الذكورية في ذهن المؤلف.

ميرفت أمين (آمال) حبيبة عادل، التي نشاهدها في كليب الفيلم الشهير تحلق مع حبيبها فوق السحاب في أول كليب سينمائي يستخدم تقنية “الدوغما” في المونتاج السينمائي عبر تلك اللقطات المحلقة فوق السحاب، هي صاحبة ذلك الحب الرومانسي المشتهى، والذي يمسي فيما بعد “دقة قديمة”.

عماد حمدي، (عبدالحميد والد البطل)، يقع في شباك مومس أخرى، كانت قد دبرتها له عشيقة ابنه، في إشارة إلى محو الفارق العمري والثقافي بين جيلين يغوصان في نفس المستنقع الذكوري في رحلة بحث عن الذات.

سمير صبري، (أشرف) أحد أصدقاء السوء لشخصية عادل، والتي لا بد منها في أي ميلودراما سينمائية تبحث عن ركائز وتبريرات. هذا بالإضافة إلى شخصية الممثلة نبيلة السيد، في دور “محاسن” كمومس لعوب توهم الأب بالسعي إلى ملاقاة ابنه في نفس الملهى الليلي.

تبدو الحكاية مستهلكة، متكررة، ومتوقعة بالنسبة لمن دأب على متابعة السينما المصرية، لكن المتابع لأدب إحسان عبدالقدوس (ابن السيدة الأرستقراطية روز اليوسف)، يجد فيها عمقا دراميا يختفي وراء سهولتها التي قد تبدو اليوم ضربا من الاستسهال الدرامي، لكن حقيقتها تتجلى في انسيابيتها وبعدها عن التعقيد الذي يدعيه ما يعرف بـ”سينما المؤلف”، ذلك أنها تلقّن المتلقي العادي أمورا يصعب فهمها في السينما الحديثة.

خلطة سحرية وبسيطة

فيلم يحمل عبق الستينات والسبعينات الجميل
 نقطة تحول خطيرة في مسيرة حسين كمال السينمائية

وجبة دسمة أرادها المخرج في فيلم “أبي فوق الشجرة” للتعبير عن السهل الممتنع، والقول لمعارضيه ومنتقديه بأن “بإمكاننا صنع فيلم ينضح “فرفشة” ولا يفتقر إلى الحكمة وإحكام البصيرة.

نعم، إنها المعادلة شبه المستحيلة، وإلغاء المسافة بين العامي والنخبوي عبر شريط يحسن صانعه الاختيار والموافقة والتقريب، بين مشاهد يتسلى وهو يفكر، وآخر يفكر وهو يتسلى..

إنها التسلية كأرقى أشكال التفكير في أحدث ما توصلت إليه المعرفة منذ خمسين عاما.

وفوق ذلك كله، أسس الفيلم لتقنيات الفيديو كليب، المعروفة والمعروضة في عصرنا الحاضر عبر مشاهد تتفوق -رغم فرقها الزمني- على ما نشاهده في عصرنا الحاضر، ذلك أنها تتميز بحرفية عالية في التصوير والمونتاج، وإيصال الهدف عبر لغة درامية لا تشوبها ثرثرات بصرية، ولا تشوهها محسنات بصرية مجانية وزائفة.

“أبي فوق الشجرة” فيلم يمكن له الآن، أن يجمع الآباء والأبناء والأحفاد، ليقول لهم إن ستينات وسبعينات القرن الماضي، تحمل عبقا جماليا وقيما فكرية لا يمكن أن تنسى بل توغل في الذهاب بفكرة حوار الأجيال، نحو أقصاها، على اعتبار أن الأب الذي “يحاول الكثير قتله”، هذه الأيام، يوجد فوق الشجرة، حارسا وأمينا، ومتورطا في لعبة الحب.

ردود فعل غاضبة صدرت عن النقاد المصريين والعرب إزاء فيلم “أبي فوق الشجرة” إلى درجة اعتباره سقطة مهينة ومدوية لصاحبه الذي كانوا يعتبرونه صاحب مشروع ثقافي طموح، وسرعان ما استحال إلى “مقاول” يفعل ما يريده الشباك، ويسوق بما يقتضيه السوق.

لكن المخرج حسين كمال، يعتبر الفيلم بمثابة نقطة تحول خطيرة في مسيرته السينمائية. ويقول إن “هناك سؤالا مهما.. هل تريد عمل أفلام مسفة من أجل المكسب، أم تريد رسالة ثقافية من خلال الفيلم.. إنه لا يمكن الجمع بين الثقافة والهلس”.. إلا أنه تراجع عن فكرته هذه، آخذا بالنقيض، أي سينما الهلس، على حد تعبيره، وهي “السينما التي تضع شباك التذاكر كمقياس للنجاحات الفكرية والسياسية على حد سواء”.

ويكفي المخرج حسين كمال، صاحب “إمبراطورية ميم” لإحسان عبدالقدوس أيضا، فخرا، أنه صاحب آخر الأفلام في مسيرة الفنان عبدالحليم حافظ، وصاحب المركز 88 في قائمة أفضل مئة فيلم مصري.

التماهي بين عبدالقدوس وكمال، وصل حد إخراج الأخير لمعظم أعماله، وذلك في انسجام تام، لما يمتلكه هذا المخرج من قدرة على استنطاق الورق وترجمته بصريا لصالح أغلب ما كتبه إحسان، المسكون باستنطاق الأزمنة والأمكنة والديار التي تسللت إليها مخيلته الطافحة بمخيلة رؤوس المتعبين فوق “وساداتهم الخالية”.

"أبي فوق الشجرة" فيلم يمكن له الآن، أن يجمع الآباء والأبناء والأحفاد، ليقول لهم إن ستينات وسبعينات القرن الماضي، تحمل عبقا جماليا وقيما فكرية لا يمكن أن تنسى بل توغل في الذهاب بفكرة حوار الأجيال، نحو أقصاها
"أبي فوق الشجرة" فيلم يمكن له الآن، أن يجمع الآباء والأبناء والأحفاد، ليقول لهم إن ستينات وسبعينات القرن الماضي، تحمل عبقا جماليا وقيما فكرية لا يمكن أن تنسى بل توغل في الذهاب بفكرة حوار الأجيال، نحو أقصاها

المقولات التي طالت مخرج فيلم “أبي فوق الشجرة” واتهامه بالإسفاف بعد سلسلة أفلام صنفها محبوها في خانة الأفلام الطليعية، شملت الأديب الراحل إحسان عبدالقدوس، ونعتته بالبرجوازية الآسنة، ضمن موجة تحامل ظالمة، رد عليها صاحب “الرصاصة لم تزل في جيبي” بقوله في حوار له مع مجلة “الكواكب” عام 1958 بأنه ليس كاتبا يثير الغرائز ولا يستهدف المراهقين، وأن تلك الاتهامات سبق وأن اتهم بها توفيق الحكيم وفيكتور هوغو، وبلزاك، وأن نجاح القصة غير عائد لإثارة الغرائز، منوهًا أنّ هناك لقاء جمعه مع عدد كبير من عمالقة الأدب المصري من بينهم طه حسين وتوفيق الحكيم ويوسف السباعي الذين رأوا -جميعا- أنّ الرواية من الأدب الرفيع.

يمكن القول إن إحسان عبدالقدوس، أسس لما يمكن تسميته بالأدب السينمائي، أما قارئه الأفضل في الفن السابع فكان المخرج حسين كمال، بلا منازع، الذي أرسى دعائم السينما الاستعراضية، وأضاف إلى حواراتها الأدبية، لوحات ورقصات وأغاني خالدة.. وعبدالحليم حافظ، كقيمة مضافة وبامتياز.

الناقد الفني محمود عبدالشكور، يدعم هذا القول بحديثه إن عبدالقدوس واكب في كتاباته مرحلة تغير اجتماعي كبير جدا في دور الفتاة المصرية، و”قدم نماذج مختلفة للمرأة المصرية على الشاشة، خاصة بعد ثورة 23 يوليو 1952، فقد انفتح الباب لتقديم أشكال مختلفة من النماذج النسائية، بل ظهرت نجمات بالسينما تمثل هذه النماذج مثل لبنى عبدالعزيز، حيث كانت أقرب الفنانات شبها ببطلاته، كونها مثقفة تخرجت من الجامعة الأميركية، وهي في الواقع تشبه الشخصيات التي قدمتها في هذه الأعمال”.

“أبي فوق الشجرة” عنوان نافر لرجل بارع في اختيار العناوين، لا يضاهيه إلا نزار قباني في الشعر.. ما أكثر التقولات والاتهامات الموجهة لهذين الاسمين، وما أشبه الحبر الذي يغمس فيه هذان “المخمليان” ريشتيهما، رغم التباعد بين النثر والشعر، ومصر والشام.

قال عنه عبدالرحمن بدوي: هو صانع الحب وبائعه.. جعلني “لا أنام” وصرت أتساءل معه “أين عمري” فعشت حياتي بين “دمي دموعي وابتسامتي” والآن وأنا في “خريف العمر” كم صادفتني “العذراء والشعر الأبيض”، باختصار.. كل منا كان بطلًا من أبطال رواياته.. إنه فارس الرومانسية.

16