"104 القاهرة" أدب البحث عن الذوات الضائعة

السبت 2016/10/15
طريق صعب للبحث عن الذات

القاهرة - يخوض أبطال “104 القاهرة” للكاتبة المصرية ضحى عاصي، طريقا صعبا للبحث عن ذواتهم واستقرارهم النفسي المفقود في المجتمع؛ مكانيا تنتمي الشخصيات إلى منطقة الدرب الأحمر والمغربلين والبساتين وبعضهم من النازحين، ونفسيا هي شخصيات مأزومة بسبب المجتمع المحيط بها، والذي يترك أثره الكبير على الجميع.

في الرواية الصادرة عن “بيت الياسمين” تسير عاصي في المنطقة المكانية التي سبقها إليها كبار كتاب الرواية في مصر أمثال نجيب محفوظ وخيري شلبي وإبراهيم أصلان، لكنها تقدم العالم من وجهة نظر جديدة ومختلفة.

في الرواية لا تقدم الكاتبة إجابات ولا تنحاز إلى وجهة نظر بعينها وإنما تغوص في العالم النفسي لشخوصها وتتحرك معهم من الواقع إلى الحلم ومن المرئي إلى اللامرئي، وخلال هذه الرحلة تتشابك الخيوط مع التغييرات السياسية والاقتصادية والفكرية التي تمر بها القاهرة من بداية الخمسينات حتى نهاية العقد الأول من القرن الحالي، فنجد كيف يؤثر العام على الخاص والعكس.

ورواية “104 القاهرة” مغامرة جديدة في اكتشاف الإنسان من خلال شخصيات عادية وبسيطة كما يراها المجتمع لكنها في الواقع مركبة ولها أكثر من بعد وعمق، شأنها شأن طبيعة الإنسان، وربما كان هذا هو التحدي، لأنك ستجد في العادي ما يثير الدهشة، وقد حاولت عاصي في هذا العمل أن تعيد رؤية البشر من خلال إمكانياتهم الإنسانية وقدراتهم النفسية بعيدا عن التصورات النمطية وفقا للتقييم الطبقي والاجتماعي، فتكون انشراح عويضة مثلا الفقيرة غير المتعلمة، هي الأكثر تماسكا ووضوحا مع عالمها وذاتها، بل الأكثر قدرة على دعم ومساندة الكثيرين.

وبالرغم من القوة النفسية الفطرية التي تتميز بها انشراح، لكن لكونها جزءا من مجتمع متخبط أيديولوجيا وسياسيا فإنها لم تصبح بمنأى عن أثار هذا التخبط، لذا تظهر صراعاتها النفسية بين الواقع الذي لا يمنحها أي قوة بل بالعكس يكون ضاغطا عليها، وبين أحلامها التي تسعى إلى تحقيق أي جزء منها.

والرواية تعتبر عملا إبداعيا يتميز بحيوية السرد، فهي تجذب القارئ منذ صفحاتها الأولى ببساطة مدهشة، وتجعله يستغرق في عالم مترابط من الشخصيات النابضة القريبة.

في المجمل تقدم عاصي لوحة اجتماعية شديدة التشابك والكثافة، حيث تكشف الحياة الاجتماعية المصرية وتحركها، وتصهر ثقافات الأولياء والمتصوفة مع عالم الحكمة والفلسفة اليونانية، وتجمع الغناء والحكي مع حضارات التبت ووصفات السحر الشعبي، تلك العوالم التي من خلال تفاصيلها تقودك إلى فلسفة الطبيعة الإنسانية الممزوجة حتما بما يحويه عالم الروحانيات وما تزخر به أرض الواقع، وتراوح بين المتمنى والمتاح.

16