11 سبتمبر: إنصاف بوش وهيغل

الأحد 2015/09/13

في ذكراها الأولى، عام 2002، نشرت صحيفة المدينة السعودية ملحقا مثيرا عن الحدث تميز بعنوان ناري “العالم من دون السعودية” ومشاركة نخب متميزة كالأساتذة محمد سعيد طيب وجمال خاشقجي ومشاري الذايدي. والحقيقة أن عنوان الملحق عبّر عن لحظة فارقة احتك من خلالها الشأن المحلي بعنف مع اللحظة الدولية، وأصبحت المملكة تحت أسئلة وجودية لا تنتهي تمس نظامها السياسي ومذهبها الديني وتنشئتها التعليمية والفكرية.

إن ما جرى يوم 11 سبتمبر 2001، بلا شك، من أبشع جرائم الإنسانية، وليس هذا محل النقاش، لأنه من الجدير رصد ما جرى بعدها بمنظار شامل بعد مرور هذه السنوات، لم تكن أحداث سبتمبر حجرا ألقي في بحيرة راكدة وحرك ماءها فحسب، بل لعلها نيزك مشتعل أصاب بحرا ميتا وبخر ماءه كله وغيّر تضاريسه المحيطة للأبد.

إن قراءة أحداث سبتمبر وتداعياتها ربما لا تصح من دون الاستعادة بنظرية هيغل “مكر التاريخ”، أي تلك الوسائل التي من خلالها يستطيع المطلق، الروح أو العقل، التجسد في التاريخ لتحقيق إرادته من دون أن تدري تلك الوسائل تحقيقها لأهداف المطلق، فمن “خبث العقل الكلي المسيطر على التاريخ أنه يستعين بالشخصيات التاريخية العظيمة، في سبيل تحقيق أهدافه وخططه ومقاصده، دون أن يكون هؤلاء على علم بذلك، وإنما الذي يجعل هؤلاء أقوياء هو أن أهدافهم الجزئية ومصالحهم الخاصة تحتوي على المحتوى الجوهري الذي هو إرادة الروح الكلية”. ومن أمثلة ذلك قيام نابليون بحملته الفرنسية على مصر بهدف توسّعي أناني إضافة إلى استهداف المصالح البريطانية، لكن تلك الحملة قدمت للعرب منجزات الحداثة الأوروبية والحضارة الغربية المعاصرة بعد سنين من الموات، وحتى حين غزا نابليون بروسيا، كانت تسير مع قوافل جيشه، بلا قصد، شعارات الثورة الفرنسية لتغير جوهر ألمانيا ومسارها لاحقا.

يعتقد د. تركي الحمد، وهو محق، أن تداعيات أحداث سبتمبر، وتحديدا دخول القوات الأميركية للعراق، قدمت العولمة للعرب، فحديث الإدارة الأميركية حينها ممثلة في الرئيس الأميركي جورج دبليو بوش ووزير خارجيته كولن باول عن الديمقراطية وحقوق الإنسان، ربما غطت في شكلها مصالح أميركية أنانية، لكنها وفق مكر التاريخ، بذرت في التربة العربية القاحلة زهور التغيير، ولا ننسى أن جمال الورد هو الآخر مغلف بالأشواك.

قامت إدارة بوش الابن بإزاحة نظام طالبان في أفغانستان كرمز للاستبداد الديني، ثم أزاحت نظام البعث العراقي كرمز للاستبداد الزمني، فسعت الأنظمة العربية حينها إلى التحرر من أوجه التشابه مع النظامين البائدين، فمع انطلاق العملية الأميركية ضد طالبان أعلن نائب وزير الداخلية السعودي الأمير أحمد بن عبدالعزيز عن إتاحة حق إصدار بطاقة الهوية للمرأة السعودية لأول مرة منذ تأسيس الدولة في ظل اهتمام الإعلام بحال المرأة الأفغانية البائس. ومع انطلاق الغارات الأميركية ضد صدام حسين أعلن وزير الدفاع الأمير سلطان بن عبدالعزيز عن تفعيل الانتخابات البلدية لأول مرة منذ تعطيلها زمن الملك فيصل. وفي مصر نالت الصحافة سقفا تعبيريا غير مسبوق مس الرئيس مبارك وأسرته، وفيما بعد أصدر الرئيس مبارك، لأول مرة منذ توحيد مينا للقطرين، قرارا يحول اختيار رئيس الجمهورية من الاستفتاء الأحادي إلى الانتخابات التعددية، بل إن الرئيس بشار الأسد صرح لصحيفة فرنسية “لست صدام حسين، أريد أن أتعاون”.

في المملكة تحديدا، أراد مكر التاريخ أن يضع بصمته بتمعن، لذلك لم يكن وجود وليّ العهد الإصلاحي، الملك فيما بعد، عبدالله بن عبدالعزيز، مجرد صدفة، فطرحت الصحافة والنخب أسئلة الإصلاح بشفافية، من الحديث عن الدستور المفترض وتوسيع المشاركة الشعبية وتمكين المرأة وإرساء ثقافة حقوق الإنسان إلى تجديد الخطاب الديني وتحريره من الحديّة الوهابية التي أدت إلى وجود 15 سعوديا ضمن 19 منفذا لجريمة سبتمبر، في ظل سيادة ثقافة دينية وسياسية ترى المعاصرة، وربما الحياة نفسها، ضربا من الإثم المحرّم. لذلك، يدرك أيّ راصد لتاريخ الصحافة السعودية، أن ربيعها الذهبي منذ صحافة الأفراد تجلى خلال أعوام 2002-2004، وما أنجزه الملك عبدالله من خطوات اجتماعية وفكرية وإدارية، سواء باسمه أو باسم الملك فهد، يجعل عهده فجرا سياسيا لا نظير له في ماضي المملكة وربما في مستقبلها.

كما فشلت الحملة الفرنسية في تحقيق أهدافها الأنانية داخل مصر، لم ينكتب لتجربة الدخول الأميركي في العراق النجاح المأمول. وسمعنا على لسان كونداليزا رايس نظرية “الفوضى الخلاقة”، أي حالة سياسية تنجم بعد غربلة فوضى متعمدة، في إطار مشروع يسمى بـ”الشرق الأوسط الجديد”، لم يكن المشروع مجرد تقسيم سياسي وإداري جديد للمنطقة وفق المصالح الأميركية، بل تعداه إلى محاولة إرساء احتياجات المنطقة الحقيقية، كالاهتمام بالتنمية والتعليم، ونشر ثقافة الحريات والحقوق وتمكين المرأة وإشاعة المواطنة والديمقراطية وسيادة القانون، يومها تلقفت أغلب النخب العربية هذه الأحاديث بالاستهتار والسخرية. لكن مكر التاريخ لا يرحم ولا يتوقف، فبعد عقد كامل من لمسات جورج دبليو بوش على المنطقة اشتعل ما يسمى بالربيع العربي ناطقا باللسان الذي تحدث به بوش قبل أعوام، الديمقراطية وحقوق الإنسان، وما نراه في المنطقة اليوم ليس إلا الفوضى الخلاقة التي تحدّثت عنها كونداليزا رايس، وفي إطار هذه الفوضى قام الربيع وسقط الربيع، ليظهر مكر التاريخ في أروع تجلياته حين قرر أن يصدم العرب والمسلمين بتاريخهم وبأنفسهم عبر ميليشيات الإرهاب والدول المارقة كداعش وحزب الله وإيران وسوريا البعث، وكانت صدمة بالغة للعرب وللمسلمين، أن تكشف زيارتهم الأولى للمرآة مقدار بشاعتهم وقبحهم.

رغم كفري بنظرية المؤامرة، إلا أن تأمّل ما جرى منذ 11 سبتمبر 2001 إلى تاريخه يدعو للدهشة، إنها درجة متقنة من كمال السببية والتفاعلية في اتجاه وجه جديد لم ندر بعد إن كان أفضل أو أسوأ، فالأوضاع القائمة اهترأت وتعفنت ولا مكان لها إلا في القبور، وما جنته أيدينا جعلنا في موضع المتأثر لا المؤثر، ومكر التاريخ لا يعرف إلا الانتصار واختيار الشخصيات العظيمة كجورج دبليو بوش.

صحفي سعودي

5