11 عرضا مسرحيا في مهرجان "أيام مسرحية عراقية"

مسرحيات من العراق وتونس والمغرب تعرض في مسارح بغداد تناولت قضايا سياسية واجتماعية بمقاربات فنية مختلفة وهو ما يعكس جو التحرر الذي تعيشه الشعوب العربية.
الجمعة 2019/03/29
مسرح يقتحم ما كان مسكوتا عنه

مؤخرا باتت أغلب المسارح العربية تقدم أعمالا متماسة مع الواقع بأكثر حرية في التناول والطرح والمعالجة، وهذا ما أدى إلى ظهور العديد من الأعمال المسرحية التي تعالج مشاكل اجتماعية جريئة ومسكوتا عنها، أو أخرى تعالج قضايا سياسية كانت تعد من المحظورات، لذا يمكننا الإقرار بأن مسحة الحرية انعكست على المسرح، لكن نتساءل دائما هل كان وعي المسرحيين في مستوى حجم النفس التحرري لشعوبهم ومآسيها؟

ضمن احتفالات يوم المسرح العالمي، نظمت دائرة السينما والمسرح في وزارة الثقافة العراقية، مهرجان “أيام مسرحية عراقية” في عدد من مسارح بغداد، خلال الفترة من 23 إلى 27 مارس الجاري، قُدم خلالها 11 عرضا مسرحيا لفرق مسرحية محلية وأخرى من تونس والمغرب.

تمثلت العروض المحلية في “فلانة” تأليف هوشنك الوزيري وإخراج حاتم عودة، “سلة شكسبير” إعداد وإخراج حليم هاتف، “ساعة السودة” تأليف مثال غازي وإخراج سنان العزاوي، “نساء في جحيم” تأليف وإخراج هيوا سعاد يونس، “أمكنة إسماعيل” تأليف هوشنك الوزيري وإخراج إبراهيم حنون، “سكوريال” تأليف ميشيل دي جيلدرود وإخراج سجاد كاظم، “بلا…” تأليف واخراج حسين بلطو، و“الأقوى” تأليف أوغست ستريندبيرغ وإخراج مروة كريم.

ومن المغرب شارك في الأيام عرض “الخادمتان” تأليف جان جينيه وإخراج جواد الأسدي، و“صباح ومسا” تأليف غنام غنام وإخراج عبدالجبار خمران، ومن تونس “الأرامل” تأليف لايرل دورفمان وإخراج وفاء الطبوبي.

قضايا اجتماعية

تماهت في عرض “فلانة” -للفرقة الوطنية للتمثيل، وتمثيل بشرى إسماعيل، آلاء نجم، باسل شبيب، عمر ضياء الدين، ونريمان القيسي- حكايتان على نحو ملتبس، حكاية الأب والأم وحكاية البنت وزوجها، فيجد المشاهد نفسه كأنه أمام حكاية واحدة لا تتغير، في حركة زمنية دائرية، وذلك حين تعيد البنت حكاية أمها وأبيها تماما، وحين يروي الأب والأم مسبقا حكاية ابنتهما، فلا يكون للبنت سوى إعادة الحكاية، في أجواء يسودها الوجوم في بيت لا تتطور فيه الأحداث ولا تتصاعد إلا لتعود من جديد كما كانت في نفس الرتابة، وفي إيقاع متوازن بشكل لا يكسره أي حدث خارجي أو داخلي.

جميع شخصيات المسرحية من غير أسماء، ولا هويات محددة، فالأب لا ينادي ابنته وزوجته سوى بفلانة، وكذلك البنت لا توصّف نفسها سوى بأنها الثالثة على اليمين تماما، وكأنها تصف صورة ثابتة لا تتغير، في صيغة تأكيدية على الثبات الذي لا يولّد شيئا.

مشاركات عربية مميزة
مشاركات عربية مميزة

ورغم جريان العرض نحو “السايكودراما” في تصوير محنة “الأنثى”، المحاصرة بين القيود الاجتماعية والأعراف الضاغطة وامتهانها، كونها لا تلد ذكرا، ومحنة “الذكر” المتمثلة في عجزه الجنسي، وما تركه فيه من آثار نفسية وعدوانية جراء ما واجهه من حروب وضغوط يومية وفقر وعوامل بيولوجية أخرى، فإن ثمة هوامش تغذي وتتغذى على المعطيات الدلالية التي أفضى إليها العرض، وتشكلت في نسق يمكن استشعاره، حيث تبدو تمثلاته في الحياة اليومية من خلال ما يعانيه الإنسان في مجتمعاتنا اليوم من نكوص وغياب للأمل وانكسار وخذلان، في ظل تبادل الأدوار والعتمة التي تلفه.

يدور الفعل الدرامي في عرض “الخادمتان” حول خادمتين (أدت دوريهما رجاء خرماز وزينب الناجم) كارهتين لسيدتهما، تتسللان ليلا إلى حجرة سيدتهما وتقومان بسرقة ملابسها وزينتها وأحذيتها تمهيدا لقتلها تحت ضوء القمر بغية الحصول على حريتهما، حيث تتدرب كل واحدة منهما على القتل عبر حوارات متلاحقة وسريعة على صوت مرور القطار بالقرب من حجرتهما الواطئة.

ويركّز العرض على موضوع السيد والعبد من خلال تصعيد شعري للجمل الحوارية التي ينشئها الصراع مرة في تقمص دور السيدة وعنجهيتها، ومرة في اللعب على إنكار الذات الخادمة عبر الامتثال للأوامر بغية الوصول إلى تشريح نفسي غاية في الفرادة لكرامة الذات الإنسانية.

يتوالى ظهور الخادمتين كلير وسولانج بثياب السيدة، في لعبة تحدث كل يوم، تنتحل فيها كلير دور السيدة ربة المنزل، فيما تقوم سولانج بدور الخادمة، وتحاول الاثنتان بذلك الوصول إلى ذروة الغضب من أجل التحلّي بالقوة لقتل السيدة.

في اللعبة تصعيد متكرر لشعور الإهانة والقهر والغضب، تحاول الخادمتان الوصول من خلاله إلى أوج الألم (لكي يكون الدافع هذا الأخير). تبدآن بإعادة واقع يومي يتكرر تأمر فيه السيدة الخادمتين بتلبية حاجاتها ونزواتها.

ملامسة السياسة

مهرجان "أيام مسرحية عراقية" زار عددا من مسارح بغداد على مدى خمسة أيام قدم خلالها 11 عرضا عراقيا وعربيا
مهرجان "أيام مسرحية عراقية" زار عددا من مسارح بغداد على مدى خمسة أيام قدم خلالها 11 عرضا عراقيا وعربيا

في عرض “الأرامل”، الذي أدته نادرة ساسي، ونادرة التومي، وفاتن الشوايبي، تدور الأحداث حول ثلاث نساء، في قرية مزقتها الحرب، هي إحدى قرى دولة لم يتم تحديدها، يعتصمن على شاطئ البحر، لكل واحدة مأساتها الخاصة والحميمية جدا، تحمل كفن رجل في حياتها سيلفظ البحر وأمواجه جسده لتتلقفه وتدفنه، الأولى تنتظر جثة والدها المربي المناضل، والثانية تنتظر جثة زوجها الهارب من الوطن، والثالثة تنتظر جثة شقيقها الذي سجن خطأ نتيجة مشاركته في مظاهرة، ليقتل بعدها ويرمى في البحر.

لكن وجع الانتظار يوحدهن، كما أن مرارة الخسارة والفقدان تجمع بينهن في لحظات تتوحد مشاعرهن فيصبحن كتلة أحاسيس موحدة. وتنقل الحالة الوجدانية لديهن من البحث عن الجثث المفقودة إلى البحث عن وطن ضائع، فمع انتشار قصتهن في الإعلام تأخد الأحداث منعطفا مغايرا تماما، حين تتعرف المرأة البسيطة على أحد الضباط في الدولة، وتعتقد أنه يحبها، وأنه سيلبي طلباتها هي ومن معها بتسليمهم جثث أقربائهم، وذلك في خدعة منه حتى ينهي اعتصامهن، لكن النسوة يكتشفن خداعه فيعدن إلى الاعتصام مرة أخرى بشكل أقوى، ويصبح هدفهن ليس الحصول على الجثامين أو إطلاق سراح رجالهن، بل خروج هؤلاء المسؤولين عن مآسيهن من البلد، ليستردنه ويحظين بحريتهن.

ويتمحور عرض “أمكنة إسماعيل”-وهو من أداء رائد محسن، وباسل شبيب، وكاترين هاشم، وشوقي فريد، وعلي إبراهيم، وطه علي- حول الخيط الفاصل ما بين العقل والجنون، وما بين الحقيقة والوهم، من خلال شخصية البطل إسماعيل المعتقل سياسيا، الذي تعرض لكل أنواع التعذيب والعنف. ولكي يهرب من المعتقل يلجأ إلى حيلة ادعاء الجنون، فيعيدونه إلى مستشفى الأمراض النفسية الذي خرج منه، لأنه سليم عقلياً، وهناك يواصل تمثيله للجنون.

14