11 نحاتا في إبحار ثلاثي الأبعاد بالقاهرة

معرض عصر النحت الجماعي بغاليري الكحيلة يعدّ إطلالة واسعة على رؤى متعددة لأحدث تجليات فن النحت في المشهد المصري.
الأحد 2018/04/01
غاليري الكحيلة يستعيد عصر النحت بمعرض جماعي

فرضت مجموعة من المجسّمات سيطرتها الناعمة على المكان، والزمان أيضًا، في معرض جماعي بالقاهرة، وتمكن الفنانون المشاركون من تحرير الخامة الصعبة من تماسكها، متحررين معها من القوالب الجامدة.

لفن النحت في مصر حضور خاص منذ الفراعنة الذين حولوا المعابد والساحات والفضاءات إلى متاحف مفتوحة تعج بالحياة، وتشكل الآثار الحجرية المصرية بتماثيلها العملاقة ومسلاتها وقطعها الفريدة إلى يومنا هذا مصدر إلهام للنحاتين حول العالم، ومنهم من يحضر إلى الأقصر وأسوان في جنوب مصر ليتفاعل مع الغرانيت العنيد مستفيدًا من عبق الموروث الحضاري من حوله.

وشهدت مصر في بدايات القرن الماضي عودة الروح لفن النحت، من خلال إشراقات الرائد محمود مختار صاحب تمثال نهضة مصر، ورفقائه من فناني عصر النهضة.

وبين حين وآخر تشهد القاهرة محاولات لاستعادة قيمة فن النحت من خلال بينالي أو سمبوزيوم أو معرض، وفي هذا الإطار ينعقد حاليًا معرض جماعي للنحت في غاليري “الكحيلة” بحي المهندسين في محافظة الجيزة المجاورة للقاهرة، ويستمر حتى 29 مارس.

عصر النحت، عنوان دال للمعرض الذي انطلق في 19 مارس في غاليري الكحيلة بمشاركة 11 تشكيليًّا. ويتخطى الهدف من المعرض ذلك الإبحار ثلاثي الأبعاد في الفضاء من خلال المجسمات التي يتحرر الفنانون بها من القواعد والقوالب، ويحررونها من تماسك خاماتها الصلدة وفق أخيلة طيعة بريئة.

يستعيد المعرض عصر النحت الجميل كغاية أبعد شأوًا من مجرد الهيمنة الناعمة على الفراغ، فالمعمار الفني هنا يضع في اعتباره قنص الزمان أيضًا إلى جانب اصطياد المكان، وفي سبيل ذلك يتبارى الفنانون من أجيال وتيارات متباينة في التعاطي مع خامات متعددة، من الحجارة والحديد والبرونز والخردة، لصياغة وجه العصر وفق ذخيرتهم البصرية.

يتضمن المعرض أعمال 11 تشكيليًّا، هم أنس الألوسي، عمار شيحة، مصطفى بكر الفيومي، مجدي عبده، رواء الدجوي، محمد الفيومي، صلاح شعبان، أحمد فراج، سامح عمر، وائل كارم، تامر رجب.

آمال وآلام

أنس الألوسي: شخص يتحرك
أنس الألوسي: شخص يتحرك

المتجول في غاليري الكحيلة متعدد القاعات، يجد ذاته منفتحًا على آمال وآلام ومشاعر إنسانية متعددة، بتعدد واختلاف ما يطالعه من رؤى وأطروحات المثّالين، التي تجسدت في أعمال ذات أشكال وأحجام وخامات تكاد تلخص المشهد الفني الراهن.

من العراق، يشارك الفنان أنس الألوسي (47 عامًا)، وهو حاصل على بكالوريوس الفنون الجميلة من جامعة بغداد، وعضو نقابة الفنانين العراقيين، ومتفرغ حاليًا للعمل الفني في مسبكه بالقاهرة، وله رصيد من المشاركات من المعارض العربية والعالمية.

يقترح الألوسي في مجسماته التي صاغ أغلبيتها من البرونز، الخامة الطيّعة النبيلة، إمكانية تطويع العالم كي يغدو أكثر إشراقًا وأملًا، في ظل محطات لا تنتهي من التعب، وسلسلة من الويلات والحروب والتشظيات لا تنقضي، ومع ذلك يصارع الإنسان من أجل الصمود والبقاء واستشراف حياة أفضل.

أصابع الألوسي هي عيونه، وربما عيون العراقيين والبشر في كل مكان، كائناته تنمو إلى أعلى، شفيفة رفيعة، ضد القوى الجاذبة المحبطة التي تحاول سلبها إرادتها، وجرها إلى أسفل. طاقته الروحية تنسحب على الخامة، فتصير نباتات أو طيورًا، وتتحول ذرات الكتلة إلى خلايا حية.

تحرُّر الفنان، وليونة خامته، وراء تلك التدفقات الشعرية في التعامل الفني المرهف، والانسيابية الموسيقية التي تضفي المزيد من الحركية على النسق، ليقدم النحت لغة خاصة تتعدد دلالاتها ولا تنفد إمكانات أكوادها السرية بقراءة تلو أخرى.

ويواصل الفنان المصري عمار شيحة (46 عامًا) أعماله التجريبية مع “الخردة”، وهو عضو نقابة التشكيليين في مصر، وأحد المشاركين اللافتين في المعارض الخاصة والعامة بمصر وخارجها، وحاصد العديد من الجوائز المحلية والدولية. مفردات الريف وكائناته الأليفة، أبرز عناصر اشتغال الفنان الذي يطلق العنان لاستخدام الخامات المهملة وقطع الحديد والخردة لصياغة تشكيلات تتمثل الأجواء القروية والشعبية، وتتجلى فيها الطيور والخيول وزراعة الحقول فضلًا عن ركوب الدراجات وارتياد الأسواق المزدحمة.

عمار شيحة: صبي يلهو بدراجة
عمار شيحة: صبي يلهو بدراجة

صخب الحياة هو صوت الأعمال النحتية التي يطلقها عمار شيحة متحديًا بها قوانين السكون والصمت الحديدية، فالخامة تتحدث وتتنفس مثلما أنها تتحرك وتحلق وتطير. وهكذا، يصير بإمكان الأسلاك أن تصير أعصابًا، والأسياخ أن تحل محل الأذرع والسيقان الآدمية في المنظومة الفنية الدينامية.

أنوثة التعبير

من الصخب الحي، إلى خصوبة الحضور الهامس في تشكيلات رواء الدجوي، وهي فنانة تتلمس أنوثة التعبير لارتياد فن ذكوري صعب يتطلب قوة وجسارة، لكنها ترى النحت من منظور آخر، وترتاده بملكات مدهشة قادرة على تخليق اللغة الخاصة من أعماق الأنوثة ومن وهج خصوبتها الكامنة.

تتفاعل رواء الدجوي، مدرّسة النحت بكلية الفنون الجميلة بالمنصورة في دلتا مصر شمال القاهرة، مع فن النحت كحالة إشعاعية وتجربة لها سيولتها، ويعني النحت خلقًا متكاملًا وليس إضافة تعديلات على كائن صلب، وهذا يمنحها الحرية في تجاوز الحسابات والأبعاد، وتطوير رؤية الكائن البشري وتصويره من خلال ما يجيش في أعماقه لا من خلال معطياته الفيزيائية والسطحية.

وتتراقص المرأة في أعمال النحات مصطفى الفيومي كما لو أنها تعيد التوازن للأرض في حركتها الدائرية، وهو فنان حاصل على جائزة صالون الشباب في النحت، وله مشاركات كثيرة في معارض خاصة وجماعية خلال السنوات
 الأخيرة.

الحركة هي السمة البارزة في منحوتات الفيومي النسوية، بوصف المرأة انفجارًا داخليًّا وخارجيًّا في آن واحد، أما الانطلاق والتمرد فهما جناحا التحليق في مواجهة عالم لم يبق فيه شيء على الأرض، فإما الصعود إلى أعلى وارتياد آفاق أرحب وأخصب، وإما الاستسلام الذي لا يركن إليه الفنان أبدًا بخياله الوثاب.

ويبقى معرض عصر النحت الجماعي بغاليري الكحيلة إطلالة واسعة على رؤى متعددة لأحدث تجليات فن النحت في المشهد المصري، ومن سماته اللافتة تلك التناغمية التي تسود أجواءه، على الرغم من تعدد التيمات الفنية والتعبيرية للتشكيليين المشاركين.

Thumbnail
14