120 ساعة من "الحب الصعب" بين أنقرة وواشنطن

هل الخمسة أيام من “الحب الصعب” ستكون كافية لصمود وقف إطلاق النار المتفق عليه بين بنس وأردوغان أم هي مقدمة تمهّد المسرح السياسي لمشهد مواز لسيناريو أضنة؟
السبت 2019/10/19
المهمة الصعبة في أنقرة

ليس مستغربا أن يطلق الرئيس الأميركي دونالد ترامب على المحادثات التي أجراها نائبه، مايك بنس، مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، بشأن التطورات المقلقة في الشمال السوري، والكارثة الإنسانية التي نجمت عنها، والتعقيدات الجيوسياسية التي ظهرت،  صفة “الحب الصعب”. والحب الصعب (تاف لوف) عبارة تستخدم في الثقافة الأميركية الشعبية للتعبير عن علاقة معقدة بين طرفين يفترض أنهما شريكان “متحابّان”، هما في هذه الحالة الولايات المتحدة من جهة، وتركيا من جهة أخرى، ومشتركاتهما العسكرية ضمن عقد الحلف الأطلسي.

إثر 80 دقيقة من حوار، بدا جافا ومتجهّما، بين الرئيس أردوغان وبنس ووفده عالي المستوى المرافق، خرج نائب الرئيس الأميركي ليعلن إلى العالم التوصل إلى اتفاق مبدئي قصير المدى، وقابل للتمديد، لوقف إطلاق النار في الشمال السوري التزمت به أنقرة.

وفي الوقت الذي رحّبت الأوساط الأميركية والتركية بالاتفاق، أسرع الجانب الكردي إلى إبداء توجّسه من هكذا اتفاق، ووافقته في الرأي تصريحات جاءت على لسان بثينة شعبان، مستشارة رئيس النظام السوري بشار الأسد، التي أطلقت على ما سمّته واشنطن “منطقة آمنة” تديرها تركيا في الشمال السوري الحدودي اسما مناقضا تماما وهو “المنطقة المحتلة”.

الواقع، أن أردوغان استطاع بهذا الاتفاق أن ينقذ اقتصاده المهتزّ من عقوبات أميركية كانت محتّمة لو تابع عملياته العسكرية ضد الأكراد وإدارتهم الذاتية، بالرغم من أن السيناتور ليندسي غراهام سارع بالتصريح مباشرة بعيد الإعلان عن الاتفاق التركي الأميركي بأنه اتفاق غير كاف لإلغاء العقوبات التي صوّت عليها الكونغرس الأميركي بالإجماع.

أدان الكونغرس الأميركي، بأغلبيته الجمهورية والديمقراطية، قرار الرئيس ترامب سحب القوات الأميركية من سوريا الذي أعطى الضوء الأخضر للاجتياح التركي وزعزع استقرار بلدات ومدن حلفاء واشنطن من القوات الكردية والعربية التي قاتلت إلى جانب الولايات المتحدة لدحر داعش ونجحت في تحييد هذا التنظيم الإرهابي في مناطقها بشكل شبه كامل.

ويعتقد المشرعون أن الانسحاب الأميركي ودخول تركيا وحلول الفوضى في أماكن يحتجز فيها الآلاف من الدواعش من قبل الأكراد بإمكانه أن يقوّض كل الجهود التي بذلتها الولايات المتحدة خلال وجودها على الأرض السورية من أجل مكافحة الإرهاب ودحر الميليشيات المتطرفة الحليفة لإيران، كما ويرسم صورة بشعة لأميركا في تخليها غير الأخلاقي عن حلفاء حملوا معها أعباء القضية عينها، ودفعوا دماءهم لمحاربة الجماعات الإرهابية شرق الفرات.

وإذا افترضنا أن الاتفاقية ستجد طريقها إلى النجاح بوقف العمليات الحربية، يليه التمديد لوقف إطلاق النار، فهل سيكون في هذه الحالة اتفاق أضنة الموقّع بين أنقرة ودمشق في العام 1998 بديلا مقبولا للأطراف كافة لتحقيق الاستقرار والأمن في المنطقة، وعلى الطريقة التركية؟

من المعروف أن اتفاق أضنة الذي نقل العلاقة بين تركيا وسوريا من قمة التوتر، إلى ضفاف التقارب الاستراتيجي، ثم إلى شهر عسل طويل نتجت عنه ولادة العشرات من الاتفاقيات وقّع عليها الطرفان، قد تم  تداوله في أكثر من مناسبة على لسان الرسميين والمحللين السياسيين خلال الحملة التركية الأخيرة على سوريا كبديل ممكن لتحقيق السلام عوضا عن الاقتتال بين الترك والأكراد.

ففي السياق التاريخي تقع اتفاقية أضنة بملاحقها السريّة الأربعة في قلب تداعيات الحرب العالمية الأولى التي أفرزت معاهدة بين تركيا وفرنسا- الدولة المنتدبة على سوريا؛ قضت المعاهدة بترسيم الحدود التركية السورية، ونتج عن ذاك الترسيم انتهاك لسيادة الدولة السورية على حدودها واستقطاع جزء من الأرض لضمها إلى تركيا. وبهذا دخلت العلاقات السورية التركية مرحلة من التوتر المتفاوت في سخونته تناسبا مع درجة المخاوف والشكوك المتبادلة بين الطرفين صعودا وهبوطا.

ورغم تغاير عوامل وأسباب الخلاف التركي السوري الذي استمر لعقود من الزمن حتى بداية التسعينات، من الخلاف على الحدود والمياه وصولا إلى العلاقات مع إسرائيل، فإن السبب الأعظم الذي رفع التوتر إلى أعلى درجاته هو الدعم والملجأ اللذان وفرتهما دمشق لحزب العمال الكردستاني، ولزعيمه عبدالله أوجلان، في خضم الصراع المسلح الذي نشأ بين الحزب وأنقرة في العام 1984.

استمر التوتر في التصاعد إلى أن نفد صبر أنقرة في شهر نوفمبر للعام 1998 وحشدت قواتها على حدودها الجنوبية استعدادا لاجتياح سوريا بسبب استمرار حافظ الأسد في دعمه للحزب الذي تعتبره إرهابيا، ولزعيمه أوجلان. إلا أن وساطة إقليمية أدارتها الجامعة العربية في ذلك الوقت ساهمت في وقف التصعيد العسكري والخلوص إلى اتفاق أمني بمدينة أضنة التركية في تاريخ 20 أكتوبر من العام 1998، وشكل ذلك الاتفاق “نقطة تحول” رئيسة في مسار العلاقات بين الدولتين.

في البند الأول “المعلن” من اتفاق أنقرة نقرأ “يشترط الاتفاق تعاون سوريا الكامل مع تركيا في مكافحة الإرهاب عبر الحدود”. قد يكون هذا البند من أبرز ما يثير الانتباه بين بنود الاتفاق نظرا لتقاطعه مع الواقع الميداني الذي استجد حاليا إثر التوغّل التركي واستدعاء الأكراد لجيش النظام السوري إلى المناطق الحدودية التي يسيطرون عليها لحمايتهم من الهجوم التركي بعد الانسحاب الأميركي المباغت.

ميدانيا، يعتبر المشهد اللوجستي الحدودي الحالي مشابها لحاله قبيل توقيع اتفاق أضنة بفرق وحيد هو أن تركيا تطالب اليوم بتشريع رسمي لمنطقة آمنة تحت سيطرتها على امتداد الحدود بين البلدين وبعمق يصل إلى 30 كيلومترا، ما يعني استقطاع “إسكندرون” جديد لكن على امتداد الحدود الطويلة هذه المرة!

فهل الخمسة أيام من “الحب الصعب” ستكون كافية لصمود وقف إطلاق النار المتفق عليه بين بنس وأردوغان أم هي مقدمة تمهّد المسرح السياسي لمشهد مواز لسيناريو أضنة؟ وهل غدا السلام بين الأكراد والأتراك ضربا من المستحيل بعد أن تداول العالم صور القتل الوحشي العمد للشابة الكردية السياسية، ورئيسة حزب سوريا المستقبل، هيفين خلف، وقد تمزّق بمقتلها عهد السلام وذهب مع الريح كما تمزّق جسدها بفعل وابل الرصاص الذي أطلقته على عمرها الغضّ يد غير آدمية البتة؟ أتساءل!

9