"122" فيلم إثارة يخرج عن نمطية الأفلام المصرية

فيلم يثير قضية الاتجار بالأعضاء بخليط مثير للجدل من المغامرات والعنف والجريمة بخلفية واقعية.
الأحد 2020/06/28
فيلم الغموض والرعب والطابع البوليسي ضمن مساحة شاسعة من الخيال

قليلة هي الأفلام العربية التي تجمع بين الرعب والإثارة والأجواء البوليسية، حيث يستسهل الكثير من صناع السينما الأفلام المعتادة وخاصة الكوميدية، وربما يمنعهم من الخروج عن المألوف الخوف من التكاليف الإنتاجية ومن عدم إقبال الجمهور على نوعية سينمائية مختلفة عمّا اعتادت عليه الذائقة العربية. لكن بعض المخرجين والمنتجين يفندون ذلك من خلال أعمال مميزة، تحقق معادلة النجاح الجماهيري والجودة الفنية، وهو ما يبشر بأن هذا النمط الجديد من السينما سيشهد في الفترات اللاحقة إقبالا كبيرا.

يبحث جمهور السينما عن الاختلاف، وأن يجد في الفيلم غير ما اعتاد على مشاهدته في أفلام أخرى، وهذا لوحده يشكل تحديا حقيقيا لصانعي الأفلام في إيجاد قصة سينمائية قادرة وبنجاح على اجتذاب الجمهور.

بعد مدة من عرضه جماهيريا لا تبدو مراجعة فيلم “122” إلا تأكيدا على حضوره الملحوظ بين العديد من الأفلام السينمائية المصرية السائدة وهو حضور دلت عليه مؤشرات عدة من أبرزها أنه حقق نجاحا تجاريا كبيرا ومع ذلك النجاح والأموال الكبيرة التي جمعها كان الفيلم الأكثر جدلا وإثارة للنقاش في أوساط النقاد.

لعلّ ما يكمّل كل ذلك أن الفيلم أنتج بتقنيات عالية 4KX وهو سبب إضافي لاجتذاب المزيد من الجمهور العريض الذي يأتي لكي يكتشف طبيعة التصوير والعرض الفيلمي الرباعي، في فيلم أسس لهذا النوع من المشاهدة، ثم اكتملت الدائرة بطبيعة الدعاية الذكية والحملة الترويجية الضخمة التي اعتمدها منتجو هذا الفيلم.

الإثارة والتشويق

يضاف إلى ذلك أن الفيلم حرّك نوعا ما البركة الراكدة لنمط المشاهدة بالانتقال من أفلام الكوميديا والمفارقات والقفشات إلى نوع آخر مختلف تماما، وهو فيلم الغموض والرعب والطابع البوليسي ضمن مساحة شاسعة من الخيال، كل ذلك كان سببا كافيا لفهم ردود الأفعال السلبية أو الإيجابية على السواء.

ولنذهب إلى قصة الفيلم للمخرج العراقي ياسر الياسري، الذي يقدم تجربته السينمائية الأولى على صعيد السينما المصرية بعد تجارب إخراجية ناجحة في مجال الكليبات الغنائية وأعمال وثائقية أخرى، القصة تبدأ برسم علاقة حب تربط ما بين نصر (الممثل أحمد داود) وبين أمنية (الممثلة أمينة خليل)، وهما يسعيان للزواج بعد أن تم عقد قرانهما واستعداد أمنية لاستقبال مولودها الأول، ولأنهما يحتاجان المزيد من المال، يقنع نصر حبيبته لاستثمار ما وفّراه في تجارة يديرها شخص ما في مجال المخدرات، وبعد تمنّع تضطر أمنية إلى قبول العرض.

من وسائل الجذب وإثارة فضول المشاهد التي اتبعها المخرج هي افتتاح الفيلم بأحداث مرعبة داخل أحد المستشفيات

ينطلقان عبر طريق مقفر في سيارة صديق لنصر باتجاه ذلك التاجر، لكن فجأة يقع لهما حادث اصطدام لتفيق أمنية وهي في وضع بائس وهي عاجزة عن إيجاد نصر، ثم تنتقل إلى المستشفى وتعجز عن إيجاد زوجها وكأنه لم يكن.

بالطبع كان من وسائل الجذب وإثارة فضول المشاهد التي اتبعها المخرج هي افتتاح الفيلم بأحداث مرعبة في داخل ممرات أحد المستشفيات، حيث نصر في وضع بائس والجروح في وجهه وملابسه ممزقة، ثم لننتقل بعد نزول العناوين والأسماء إلى علاقة نصر بأمنية ونواصل الأحداث.

نكتشف بشكل مباشر أن المستشفى الذي أخلي إليه ضحايا التصادم ما هو إلا مكان مشبوه يتم فيه انتزاع الأعضاء من الموتى والمتاجرة بها، وتتم هذه المهمة تحت إشراف الدكتور نبيل (الممثل طارق لطفي) وهو الذي يقود أغلب هذه الدراما الفيلمية مع الممثل أحمد داود.

في المشرحة سوف يفيق نصر ليجد نفسه في المكان الذي يتم فيه انتزاع الأعضاء وأن الشخص الذي يقوم بالمهمة (الممثل أحمد الفيشاوي) يبدو أن في قلبه شيئا من الرأفة، ولهذا سوف يسهل لنصر الهرب بعدما اكتشف أنه حي، ولكنه سوف يدفع ثمن ذلك إذ يجهز عليه الدكتور نبيل وينهي حياته.

عند هذا التحوّل سوف تبدأ عملية الترقّب والمطاردة ما بين الدكتور نبيل ونصر وأمنية في مشاهد قطع أنفاس وملاحقة بعد افتضاح طبيعة المكان وقيام الدكتور نبيل بقتل أي كان لغرض إخفاء مهمته من جهة واصطياد ضحايا جدد من جهة أخرى.

أحداث متوترة

واقعيّا سوف تنحصر أحداث الفيلم في حدود هذه المساحة. الأشخاص الثلاثة بالإضافة إلى ممرضتين في دور ثانوي، يدورون بين غرف المستشفى وسلالمه وزواياه؛ نصر وأمنية للهرب والدكتور نبيل لقتلهما، وبهذا فإن خواص المكان المحدود والضيق صار أمرا واقعا في إطار الحل الإخراجي، ولهذا كان لا بد من توظيف الإضاءة وخاصة المستويات المنخفضة لإضفاء جو من الغموض.

وأما بالنسبة للشخصيات التي تدور في هذه الدائرة فتبرز أمنيه وهي تعاني من مصاعب في السمع وتستخدم السماعة الاصطناعية أو معينات السمع، كما أنها تميل عندما يصعب عليها إيصال ما تريده إلى لغة الإشارة التي تبرع فيها.

وهي من خلال ذلك تجد نفسها في دوامة لا نهاية لها من المواجهات التي تدفعها إلى التخلص من إحدى الممرضات بعدما حاولت أن تنتقم منها بأمر من الطبيب الذي هو في الواقع يقدم نمطا مختلفا من الشخصيات، فهو يستخدم الأدوات الطبية من مشارط وأدوات تخدير مضافا إلى ذلك استعداه لإطلاق الرصاص.

الشخصية الإجرامية التي مثلها الطبيب شكلت محورا أساسيا في الصراع حتى تحول المكان إلى وكر للقتل والجريمة وليس مجرد مستشفى في منطقة مهجورة، ويلاحظ خلال ذلك أن إثارة قضية الاتجار بالأعضاء التي كثر الحديث عنها، يتم تجسيمها هنا بتفاصيلها ولكن ببشاعة متناهية، ولاسيما عندما يشتعل الصراع بين الطبيب ومساعده وزميله ويقتلهما بدم بارد الواحد بعد الآخر.

الفيلم اتجه اتجاها خارجا عن المألوف
الفيلم اتجه اتجاها خارجا عن المألوف

وإذا عدنا إلى اسم الفيلم 122 فإنه رقم الشرطة، وتشاء الصدفة أن يأتي ضابط الشرطة في وقت كانت الدماء تسفك في المستشفى، ولا أحد يسمع صراخ نصر ولا أمنية، لكن حضور ذلك الضابط لم يضف إلا المزيد من التوتر إلى الأحداث، عندما نكتشف أنه جاء لغرض آخر وهو تعرض بعض أفراد الشرطة للتسمم وجاء لأخذ علاج لهم، لكنه عندما يسمع ما يشبه الصراخ يعود إلى المكان ليخبره الطبيب أنه مكان نوم الممرضات فينصرف.

في المقابل هنالك الشخصيتان الرئيسيتان وهما الطبيب ونصر واللذان يجب أن ينتصر أحدهما على الآخر، تكون الغلبة لنصر، فيكاد يهشم وجه ورأس الطبيب، ليهرب بعدها هو وأمنية على أساس حصول فكرة لديهما مفادها بأن الطبيب قد قضي عليه، لكن في فيلم من هذا النوع لا بد من الزج بحبكة ثانوية تدفع باتجاه تصعيد الأحداث على افتراض أن الطبيب ما زال حيا وأنه يحمل مسدسا يصيب به نصر وهو يحاول الهرب ونشاهده وهو يلفظ أنفاسه وتبكيه أمنيه ونعدّه في عداد الأموات، لكنه لا يلبث أن يعود من جديد في لعبة الكر والفر التي لا تنتهي.

ومن هنا فإن أحداثا تحمل طابع المفاجأة من الممكن أن تقع في قصة من هذا النوع لكنها هنا بدت مختلفة وكأن الهدف هو المضي بالزمن الفيلمي لاسيما وأننا لسنا نتعامل مع أفراد ذوي قدرات خارقة كما يحصل في العديد من الأفلام.

لكن في المقابل تحسب للمخرج ياسر الياسري والمنتج سيف عريبي جرأة المغامرة، وتقديم هذا الفيلم بمواصفات مختلفة يضاف إلى نجاحهم المشهود في خلق جو ترقب استبق الفيلم وجعل منه موضوعا متداولا لدى الجمهور العريض.

خارج عن المألوف

كسر القيود النمطية
كسر القيود النمطية

لا شك أن الغموض والترقب والإثارة التي بني عليها الفيلم هي التي لفتت أنظار الجمهور الذي شاهد وتفاعل مع الأحداث مع ردود أفعال مباشرة أحالت الفيلم إلى مقارنات فيها الكثير من المبالغات مع أفلام أميركية، وأن فيه تقليدا هوليووديا وما إلى ذلك. مقارنة كهذه لا تبدو ذات جدوى إلا في حالة التأكد من استنساخ مباشر لفيلم بعينه، وأما اقتفاء أثر أفلام عالمية فهو أمر شائع سينمائيا لجهة التأثر بنوع محدد من الأفلام السينمائية وهنا سوف يكون فيلم الإثارة هو النوع المباشر الذي ينتمي إليه هذا الفيلم وليس صحيحا إحالته إلى نوع أفلام الرعب كما أشيع من كتابات متناثرة هنا وهناك.

من جهة اخرى هنالك مشاهد البداية أو القسم الأول من الفيلم والذي بدأ بعلاقة واقعية رومانسية بين نصر وأمنية، حيث عاب بعض النقاد بأن هذا القسم ذو طابع واقعي رومانسي، فكيف يمتزج بما هو إثارة وجريمة؟ مع أن هذا التمهيد كان تبسيطيا تماما لكنه لم يرض البعض ممن يحبون ويفضلون الإيقاع السريع والدخول مباشرة في الدراما والتصعيد.

في المقابل هنالك عشرات الأفلام التي تبدأ في قسمها الأول بعرض يوميات معتادة قبيل وقوع الكارثة ويبدو أن الأمر نفسه هنا في هذا الفيلم الذي أراد عدم الإغراق في اللاواقع المرتبط بالإثارة والجريمة والعنف التي سوف تتصاعد في ما بعد بما يكفي وبما يحتل أغلب المساحة الفيلمية.

من جانب آخر لا يمكن الافتراض بأن كل فيلم يلبي كل اشتراطات الجمهور، لكن هذا الفيلم وكما ذكرنا اتجه اتجاها خارجا عن المألوف والمتوقع من الأفلام المصرية النمطية والمألوفة بوجوه ممثليها وموضوعاتها وربما يكون ذلك هو السبب الذي جعل محاولة حشر الفيلم في زاوية أفلام الإثارة الأميركية هي محاولة غير موفّقة وليس لها ما يبرّرها لأن النوع الفيلمي بخواصه المتكاملة في السينما الأميركية أكثر وضوحا مما هو في الكثير من تجارب السينما المصرية.

ومن جانب آخر لا شك أن ضرورات شباك التذاكر تفرض خلطة ألفناها في الكثير من الأفلام المصرية من مطاردات ومغامرات وقصة حب وما إلى ذلك وهي خلطة شائعة ومعروفة أما في هذا الفيلم فقد دخلنا مدخلا آخر مع أن المبالغة في الحديث عن الجانب التقني لا تتناسب مع الأماكن الحقيقية العديدة التي تم التصوير فيها وعدم وجود أماكن مفتوحة ولا مستويات تصوير مختلفة بمعنى أن استخدام الأدوات الفنية المعتادة سوف يكون كافيا.

15