13 رسالة.. ورسالة قصيرة

السبت 2016/11/12

منذ أيام، فاجأني الروائي والتشكيلي العراقي حمدي مخلف الحديثي، إذ وصلني منه كتيّب صغير، بعنوان “رسائل إلى شاعر” يضمّ ثلاث عشرة رسالة، موجهة إليّ، وبغلاف اتسم بالبساطة والأناقة، ورسمه الحديثي.

كتب في الصفحة الأولى كلمات، من قبيل الإهداء، هي “سأضعك دائما.. حيث العين التي من خلالها يرى القارئ قمم الشعر.. سأضعك.. دائما هكذا.. يا أخي…”.

ويبدأ كتيّب رسائله هذا مستشهدا بمقاطع وردت في كتاب “رسائل حب مفترضة” للكاتبة ليلى البلوشي، ومما جاء فيها “لا أجد ما يخفف وحشتي وحزني غير الكتابة، متذكرا بورخيس، الذي كان يفرغ عتمته، في الكتابة، كي يخترع ضوءه الخاص ويهزم وحش رتابته القاتلة، التي نغصت حياته في ظلمة كابية، كما أتذكر هيرتا موللر التي عانت كثيرا، وكانت مرغمة على الكتابة، عن تلك الأشياء التي لن تتركها بسلام أبدا، فخدّرت أشباحها بلغة البوح”. وينقل عن كتابي “الكتابة ومآلاتها” ما يلي “إن الكتّاب في جميع العصور، وفي جميع الثقافات، يجدون أنفسهم في لحظة بوح، فيتحدثون عن الدافع الذي يقف وراء اندفاعهم إلى ممارسة الكتابة الإبداعية”.

ثم يقول “الكتابة صديقتي، بعد أن غاب الأصدقاء بين الموت ومدن الغربة، ومن بقي منهم هنا في الوطن الجريح، مضى مع الموج ولا يعرف كيف يصل إلى الشاطئ. ومع غياب الأصدقاء، سقطت أقنعة كانت تغطي وجوه أناس قريبين منّي، لكنني وجدت أخا وصديقا، نقي الروح، طيب القلب، طالما تألق في إنسانيته التي رافقت قصيدته في طريق الإبداع.

ثم تتوالى رسائله التي يحاول أن يتجاوز بها إحساسه بالحصار والغربة في الوطن، في محاولة لمغادرة صمته ووحدته، وكأنه يقول في هذه الرسائل ما لم يستطع قوله في ما يعيش من وحدة وعزلة.

في الرسالة الثانية يستعيد قصيدتي “الحلة” ويتحدث عن علاقتي بمدينتي، التي لم تكن مجرد مكان حضاري تاريخي، يمتد من بابل القديمة إلى الحلة المزيدية، التي كانت مركز الثقافة العربية، بعد أن دمر المغول بغداد، وهي حاضنة ذلك الإرث الحضاري الجميل الذي يكتشفه المرء في إنسانها البسيط، وعيا وسلوكا.

وفي الرسالة الثالثة، يستذكر لقاءنا عام 2012 في رابطة الكتاب الأردنيين بعمّان، ويقول “كان الشعر يتدفق من حنجرتك مثل ماء يتدفق من نبع في صحراء، يرتوي منه ظمآن فتعود الحياة إلى شرايينه وأوردته، ويعود الوعي إلى عقله”.

وفي رسالة أخرى، يتحدث عن كتابي “قال لي عبدالله” ويقول “أخذني الكتاب في رحلة معرفية ملأت عقلي بأطروحات فكرية، كانت بعيدة عنّي، لذا أعلن، أنني مدين لك ولعبدالله”. وتتواصل رسائله، فيذهب في واحدة منها، إلى البوح بتجربة حب عاشها، إذ كان يحلم بالزواج ممن أحب، لكن سنين أسره في إيران، خلال الحرب العراقية الإيرانية، جعلت ذلك الحلم مستحيلا.

وفي رسالة أخرى، يتحدث عن تجربته التشكيلية، رساما وناقدا، ويتوقف عند حوار جرى بيننا، حول الفن التشكيلي، مع العلم أن حمدي مخلف الحديثي، كتب كتابا صدر في تونس بعنوان “القصيدة التشكيلية في شعر حميد سعيد” وفي رسائله الأخرى، يتناول موضوعات متنوعة، عن الجيل الستيني الذي يصفه بالقول “هو قلادة الأدب العراقي المعاصر، سواء في الشعر أو السرد، وفي النقد أيضا” وعن معاناته في نشر مجموعة قصصية، لأنه تناول فيها تجربة أسره في المعتقلات الإيرانية، لأن هذا الأمر بات من المحرمات.

وحين يتوقف عند قصيدتي “العصفور الأبيض” حيث استحضرت طفولتي، يتذكر هو الآخر، طفولته في مدينة حديثة وبيت جده الطيني وحقله، ويتحدث عن العصافير بأنواعها وألوانها، التي كان يرسمها، وكانت أول تجاربه في الرسم، وقبل أن ينتهي من كتابة رسائله التي كتبها من 20-7-2015 إلى 17-8-2015.

يقول لي “أخي.. أنت من سيكتب الرسالة الأخيرة”، وها أنذا أكتب إليه.

«أيها الصديق النبيل.. والمبدع المجتهد لقد أسعدتني برسائلك، التي تفصح عن كل ما فيك من طيبة ونقاء.. ومذ عرفتك.. احترمت فيك الصدق والشجاعة والمثابرة والقدرة على مواجهة الصعاب.. أحبك أخا.. وأحترمك مبدعا.. وأقدرك إنسانا».

كاتب من العراق

16