1913 عام الإبداعات الأدبية الكبرى في أوروبا

الجمعة 2013/08/30
من ابرز الأعمال الأدبية التي طبعت سنة 1913

منذ مطلع هذا العام2013، صدرت في البلدان الأوروبيّة العديد من الكتب التي انصرف اهتمام أصحابها من مؤرخين ومفكّرين وكتّاب للكشف عن أهمّ الأحداث السياسية والثقافية التي تميّزت بها سنة 1913، وهي السنة التي سبقت اندلاع الحرب العالميّة الأولى.

في ملحقها الشهري الصادر في شهر يوليو/ تموز الماضي، وصفت جريدة "لوموند" الفرنسيّة السنة المذكورة التي شكّلت بالنسبة إليها البداية الحقيقية للقرن العشرين، بـ"السنة الثورية " على المستوى الثقافي والإبداعي والفنيّ. فخلالها صدرت العديد من اللأعمال التي مهّدت للحركات الحداثيّة الكبيرة التي وسمت القرن العشرين.

فعلى مستوى الشّعر، أصدر أبولينير ديوانه "كحول " الذي أثار ضجّة عالية في الأوساط الأدبيّة، ودفع المتعلقين بالنماذج الكلاسيكية لمهاجمته نازعين عن قصائده الخالية من النقاط، والفواصل صفة الشعر. وردّ هو عليهم بسخرية لاذعة قائلا بإنه يكتب قصائده وهو يمشي يدندن بلحنين أو بثلاث تأتي عفو الخاطر". وفي إحدى قصائد ديوان "كحول" نقرأ:

"في النهاية أنت/ تعبت من هذا العالم القديم/ راع أنت يا برج إيفل قطيع/ الجسور يثغو هذا الصباح/ لم تعد تتحمّل العيش/ في العصور القديمة الإغريقيّة والرومانيّة/ هنا حتى السيّارات تبدو وكأنها قديمة/ وحده الدّين ظلّ جديدا الدّين/ ظلّ بسيطا مثل مرأب الطائرات/ وحدك في أوروبا لست قديمة أيتها المسيحية/ والأوروبي الأكثر حداثة هو البابا/ وأنت الذي تراقبك النوافذ/ الحياء يمنعك/ من الدخول الى الكنيسة/ لتقرّ بذنوبك هذا/ الصباح".

كما تميّزت سنة 1913 بصدور قصيدة "بليز ساندرارس "(1887-1961) بعنوان "نثر القطار العابر لسيبيريا وجان الفرنسية الصغيرة"، ومن هذه القصيدة التي سيكون لها تأثير هائل على الشعراء الطلائعييّن الذين برزوا بين الحربين، نقرأ:

في ذلك الوقت كنت في زمن مراهقتي/ وكنت للتوّ قد تعدّيت سنّ السادسة عشر ولم أكن أتذكّر طفولتي/ كنت بعيدا عن مسقط رأسي بـ 16000 ميلا/ كنت في موسكو ،مدينة ألألف وثلاثة أجراس أبراج ومحطات القطار السبع/ ولم أكن قد مللت أبدا ألألف وثلاثة أبراج ومحطات القطار السّبع/ ذلك ان مراهقتي كانت مجنونة وحارّة كالجمرة/ وكان قلبي يلتهب مرّة مثل معبد أفيزوس/ ومرّة مثل "الساحة الحمراء" في موسكو عند غروب الشمس/ وكانت عيناي تضيئان طرقا قديمة/ وكنت في ذلك الوقت شاعرا سيّئا حتى أنني لم أكن قادرا على المضيّ حتى النهاية".

أما على مستوى الرواية، فقد صدرت في فرنسا واحدة من أجمل الروايات التي طبعت القرن العشرين أعني بذلك رواية "مولن الكبير "، وهي الرواية اليتيمة لألان فورنييه المولود عام 1886، والذي قتل خلال الأشهر الأولى التي أعقبت اندلاع الحرب الكونية الأولى.

والعنصر الأساسي الذي تميّزت به الرواية المذكورة التي تدور أحداثها في بلاد مجهولة هو أنّ مؤلّفها أحدث قطيعة مع واقعيّة كلّ من بلزاك وإميل زولا، ومال إلى أسلوب رومانسي شاعريّ ليرسم لنا مغامرات شابّ تخفي ملامحه القاسيّة حساسيّة مرهفة وعواطف جيّاشة.

ويلتقي هذا الشابّ الذي يدعى مولن بشاب آخر يدعى فرانتز دو غاليه يعيش عذابا عاطفيّا بسبب الاختفاء الغريب لحبيبته وشقيقته إيفون. ولكي يتخلّص من رتابة واقع مرير، ينطلق مولن للبحث عن السّعادة المستحيلة ، وعن سلام روحيّ عسير التحقق. ورغم ما لاقاه من إخفاقات، فإن مولن يظلّ ممعنا في المغامرات حتى النهاية.

وفي عام 1913، صدر الجزء الأول من رواية مارسيل بروست "البحث عن الزّمن المفقود" من دون أن يلفت انتباه النقاد والقراء. وكان بروست قد أرسل هذا الجزء إلى دار "المجلّة الفرنسيّة الجديدة" التي ستصبح في ما بعد دار "غاليمار" غير أن لجنة القراءة المتكوّنة من بارونات ألأدب الفرنسي في ذلك الوقت من أمثال أندريه جيد أعادته إلى صاحبه. وكذا فعلت لجان القراءة التابعة لدور نشر أخرى.

وحدها دار "غراسيّه" غامرت بنشره. وفي ما بعد سوف يعترف جيد بالخطأ الذي ارتكبه بحقّ بروست معتبرا إيّاه من أفظع الأخطاء التي ارتكبها في مسيرته الأدبيّة. ومفسّرا الأغراض الفنيّة لروايته ، كتب مارسيل بروست يقول:"أصدر جزءا واحدا من رواية طويلة تحمل عنوان"البحث عن الزّمن المفقود". وكنت أرغب في أن اصدر جميع الأجزاء في نفس الوقت. غير أنه من الصعب تحقيق ذلك. أنا مثل الذي يملك سجّادا أكبر بكثير من مساحة الشقق الحالية. لذا يجد نفسه مجبرا على تقسيمه إلى أجزاء.

ويضيف بروست قائلا:" كتّاب شبّان تربطني بهم علاقة وديّة يعتقدون عكسي أنا تماما بأنه تكفي حبكة قصيرة ، وشخصيّات قليلة. غير أن هذا يتناقض مع مفهومي للرواية . كيف أفسّر ذلك؟.أنتم تعلمون أن هناك هندسة فراغيّة، وهندسة سطوح. وبالنسبة إليّ ، الرواية ليست فقط سيكولوجيا في الزمن.

تلك المادّة اللاّمرئية للزمن ، أردتّ أن أعزلها لكن لتحقيق مثل هذا الهدف لا بدّ أن تستمرّ التجربة .أتمنى أن يشير هذا الحدث البسيط ، العديم الأهميّة ، أو ذاك الزواج بين امرأة ورجل ينتسبان في الجزء الأول من روايتي الى عالمين مختلفين. إن الزمن مرّ ليكون لمثل هذه الأحداث جمال المعادن المطليّة في قصر "فارساي"، والتي غلّفها الزّمن بغمد من الزّمرّد(...) وتلك الشخصيّات ستظهر في ما بعد مختلفة عن التصور الذي نحمله عنها، وهو ما يحدث في الحياة كما هو معلوم".

وليست الشخصيّات ذاتها هي وحدها التي تبرز من جديد في هذا العمل بمظاهر مختلفة مثلما هو الحال في بعض روايات بلزاك، ولكن في شخصيّة لوحدها تتجلّى أيضا بعض الانطباعات العميقة والتي تكاد تكون لاواعية.

من وجهة النظر هذه يمكنني أن أقول إنني أكتب "روايات اللاّوعي" عليها يهيمن الفرق بين الذّاكرة الإراديّة ، والذّاكرة غير الإراديّة (...). بالنسبة إلي ، الذّاكرة الإراديّة والتي هي ذاكرة الذكاء والنظر بالخصوص لا تمحنا من الماضي غير جوانب غير حقيقيّة.

لكن رائحة، أو مذاقا نعثر عليهما في ظروف مختلفة يوقظان في نفوسنا، ورغما عنّا الماضي ،ونحن نحسّ كم هو مختلف هذا الماضي عن ذاك الذي نحن نعتقد أننا نتذكّره، والتي تلوّنه ذاكرتنا بألوان غير حقيقيّة مثلما يفعل الرسامون السيّئون.

14