"1980 وأنت طالع" تعيد المسرح السياسي إلى مصر

الجمعة 2015/02/27
"1980 وأنت طالع" مسرحية اعتمدت على الأسئلة الاستنكارية

القاهرة- "1980 وأنت طالع"، ليس مجرد اسم لعمل فني على مسرح الهوسابير بوسط القاهرة، بل صرخة مدفونة لشباب جيل يعتقد أنه مظلوم، وعودة للمسرح السياسي، بعد فترة طويلة من الغياب.

“1980 وأنت طالع” مسرحية مصرية تبدأ بلوحة يصطف فيها جميع ممثلي العرض، 13 ممثلا مسرحيا في العمل، يتقاسمون البطولة بصورة جماعية، كما أنهم متساوون في معاناة جيلهم، لا يعرفون أنفسهم بأسمائهم بل بسنوات عمرهم، فالعمل يتحدث عن جيل من شباب مصر، مواليد العام 1980 وما بعده.

نجح الكاتب الشاب محمود جمال، الذي يعرف نفسه على خشبة المسرح بأن عمره “35 سنة”، في توصيل رؤيته، وإلى جانب التأليف يشارك أيضا في التمثيل، والكشف بمهارة عن حال جيله المتردّي، ووضع الجمهور أمام كثير من الحقائق السياسية؛ أخطاء ثورتي 25 يناير 2011 وثورة 30 يونيو 2013، وأخطاء السلطة في مصر، مطيلا النقد لها، بداية من عهد الرئيس الأسبق حسني مبارك، ومرورا بحكم المجلس العسكري، الذي أدار المرحلة الانتقالية الأولى، عقب ثورة يناير، وحتى حكم الإخوان الذي أطيح به بعد 30 يونيو 2013، وصولا إلى فترة حكم الرئيس الحالي عبدالفتاح السيسي.

بالوصول إلى النقد اللاذع للحكم القائم ورأس السلطة، أطلق الشباب لحريتهم العنان، وأكدوا تمسكهم بثورتهم، مصرّين على تحقيق أهدافها، والتصدّي لكل من يعرقلها.

المسرحية كسرت الشكل النمطي فأتت بلا ديكور ولا نجوم شباك، ولا خبرات سابقة، مع ذلك حقق العمل نجاحا ساحقا

في سبيل تشخيص الوضع الراهن، استخدم النص تكنيك الاسكتشات المسرحية، والمشاهد التي يربطها خيط واحد، وهو الذي يعبّر عن القضايا الشبابية، بداية من سلطة الآباء في المنزل، وعدم القدرة على فهم طبيعة الجيل الجديد، مرورا بالبطالة وفشل قطاع كبير من الشباب في الحصول على سكن مناسب، وصولا إلى القضايا الثورية، وتعامل الشرطة مع التظاهر السلمي.

المسرح السياسي، الذي غاب لفترة طويلة في مصر، يعدّ أداة تغيير، تحفز المشاهد على التفكير في مشكلاته، وتحرضه على اتخاذ مواقف تعمل على تغيير سلبيات الواقع، ويعتقد المهتمون أن هذا النوع يلعب دورا مهما في تغيير كل ما هو موجود، فمن الممكن أن يلعب الفنان دور السياسي، ويعرض على الجمهور مشكلاته بشيء من التكثيف، ليصل به إلى لحظة التنوير ويستفزه من أجل تغيير واقعه.

المسرحية تبدو نوعا من تحدّي الشباب لكل شيء في الواقع، فالعرض من فصل واحد، ويتكون من عشرة مشاهد، تربط بينها وحدة الموضوع، وقضايا الشباب الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، موزعة في مشاهد تغوص داخل عمق التفاصيل، وهناك أربعة مشاهد يشارك فيها 13 ممثلا مسرحيا في وقت واحد.

العرض يبدأ وينتهي بالمشهد الجماعي، الذي يلتقط فيه الممثلون صورة جماعية ويعرفون أنفسهم بأعمارهم، في إسقاط سياسي، يحذر من مرور العمر دون الحصول على فرصة عمل لتكوين أسرة وتحقيق الذات.

المسرحية كسرت الشكل النمطي، دون إمكانيات كبيرة، وبلا ديكور ولا نجوم شباك، ولا خبرات سابقة، مع ذلك حقق العمل نجاحا ساحقا، الأمر الذي يعكس الاتساق، فالديكورات هدفها في لغة المسرح صنع منظر يحدد للمشاهد الزمان والمكان، بينما هؤلاء الشباب تحدثوا عن الزمان والمكان في الوقت الحاضر، بلا افتعال أو تكلف، والعرض كسر الشكل النمطي، والتصميم المسبق، والنص الثابت، للانطلاق من روح الشباب.

بقدر بساطة حياة الشباب والفقر والبطالة، الذي صوره العرض في مشهد الشاب الذي اضطر للعمل بائعا يجوب الشوارع، ولا يجد من يشتري منه بضاعته، لأن من يستهدفهم بلا عمل، ثم يعود في نهاية اليوم، ليجد محبوبته التي تنتظره منذ سنوات، في انتظار تحديد موعد لخطبتها رسميا من أسرتها، ويعكس العرض الصراع النفسي الذي يتعرض له شاب لا يجد عملا ويرغب في تكوين أسرة، والفتاة التي تنتظر، وتلاحقها الأسئلة المجتمعية عن سر تأخر زواجها.

كان فقر الإمكانات المستخدمة في العرض، والاكتفاء فقط بالإضاءة للتركيز على بؤرة المشهد ووجوه الممثلين، التي تصل بالتعبير إلى درجة بليغة، جعلت القاعة تتفاعل في حميمية، ويتعالى التصفيق كلما مس المشهد واقعا يعيشه المشاهدون، الذين لم تتجاوز أعمار أغلبهم عمر الشباب، الأمر الذي يعكس عودة المسرح بقوة إلى حلبة الاتصال الجماهيري، الممتع والمؤثر.

فريق عمل المسرحية، اعتمد على الجمهور في الترويج للعمل، ففي نهاية كل عرض، يلتقط أعداد من الجمهور صورا تذكارية مع فريق العمل، ويدعو المخرج الشباب المعجب بالعمل إلى الكتابة عنه على مواقع التواصل الاجتماعي، تويتر وفيسبوك، والحديث عنه في دوائر الأصدقاء.

اللغة حلت محل المناظر في كثير من المشاهد، حيث يصطف الشباب في لوحة، يطرحون خلالها الأسئلة الاستنكارية التي تحمل نقدا سياسيا واجتماعيا لاذعا

اللغة حلت محل المناظر في كثير من المشاهد، حيث يصطف الشباب في لوحة، يطرحون خلالها الأسئلة الاستنكارية التي تحمل نقدا سياسيا واجتماعيا لاذعا، أسئلة تتطابق مع ما يطرحه كثير من الشباب حاليا، وينتظرون إجابات لها، مثل لكي تصبح رئيسا لازم تدخل الكلية الحربية (في إشارة إلى الرئيس السيسي)؟ من يشاركون في مظاهرات دعما للسلطة السياسية، هل معهم تصريح بالتظاهر (في إشارة إلى تطبيق قانون التظاهر على المعارضين فقط)؟

في مشهد بليغ بالمسرحية، قدمته فرقة “استديو البروفة” بمركز الإبداع بدار الأوبرا، توقف شابان وسط الطريق، يتحدثان عن ضبابية المشهد السياسي، وصعوبة رؤيتهما للمستقبل، ويتناقشان هل نعود بعد قطع منتصف المسافة؟ ويتحدثان عن أخطار العودة المتساوية مع أخطاء السير نحو هدفهما، وعن زملائهما الذين تركوا في منتصف الطريق وعاودوا الجلوس على المقاهي.

وعندما يقرران العودة إلى الخلف، يفاجآن بأصدقائهما يلحقون بهما، ويقرر الجميع مواصلة الطريق للأمام نحو تحقيق أهداف الثورة، في رسالة بليغة مفادها أن الثورة مستمرة، حتى تحقق أهدافها في حرية كاملة وديمقراطية حقيقية ودولة مدنية.

17