"1984" عرض مسرحي لندني يعيد الحياة إلى كابوس "الأخ الأكبر"

الجمعة 2014/10/10
المسرحية قراءة مخيفة لمستقبل لم يعد مجهولا

لندن - ما زالت رواية الكاتب البريطاني جورج أورويل المرعبة “1984”، التي قدمها لقارئ مثخن بجراح نفسية خلفتها محرقة الحرب العالمية الثانية، تدق أجراس الخوف في دواخلنا.

كان أورويل من خلال وصفه لمعركة رجل أعزل ضد نظام دولـة قمعية الهوية، يطمح إلى تقديم قراءة لمستقبل مجهول من خلال محاولة تسلسل غير محمودة العـواقب، إلى داخل نسيج صلد لدولة بوليسيـــة تتطلع إلى السلـــطة باعتبارها غاية وليست وسيلة.

الرواية التي كتبها أورويل عام 1949، صنفت ضمن مفهوم “ديستوبيا” مجتمع فاسد ومخيف قائم على القمع والاستبداد، حيث يتنبأ الكاتب بمصير العالم في ظل الحكومات الشمولية، التي تحوّل الشعوب إلى مجرّد أرقام هامشية في الحياة بلا مشاعر ولا عواطف منزهين عن الطموحات أو الأحلام.

استفزت “1984” برؤيتها القاتمة، السينمائيين والمسرحيين منذ صدورها وحتى الآن، حيث ترجمت في عروض سينمائية ومسرحية مرارا، وغير بعيد عن ذلك، عرضت مؤخرا في موسم قصير على خشبة مسرح “بلاي هاوس” في ويست إند العاصمة البريطانية لندن، ضمن نسيج درامي مثير عزز من استقراء المؤلف لمستقبل خاله لن يأتي أبدا.

العرض الذي امتدت فيه الأحداث على مدى 90 دقيقة، لم يكن يسمح للمتلقي بالتقاط أنفاسه خارج حدود المشاهد المثيرة والمنفرة أغلب الأحيان؛ حيث الصراع على أشدّه بين قراءات أورويل المدهشة، والدوار الذي يسببه الجلوس غير الآمن في المستويات العليا والانحناءات الحلزونية للمسرح الذي يقع في قلب العاصمة البريطانية، الذي يمتدّ في عمق التاريخ إلى حقبة تصل إلى عام 1882.

أعادت الرواية-المسرحية بمؤثراتها التقنية الغريبة والمخيفة، نبض الحياة إلى بقايا الكابوس الذي صنعه أورويل قبل عقود طويلة، وقدمت بعدا جديدا لأحداثها وكان هذا البعد يتمثل في أحيان كثيرة، في ردود أفعال متخيلة على الأحداث، أو إجابات متحفزة على أسئلة لم تكن مطروحة.

ومن خلال جمعه بين النقائض وإقحام عناصر غير تقليدية، كمشاهد فيديو لعبت دور “فلاش باك”، في محاولة لتصوير ما كان يحدث خلف الكواليس، أو لالتقاط بعض المشاهد المفقودة في الرواية بواسطة الجمع بين الأمكنة التي تنتمي إلى توقيتات مختلفة، لقد أضاف العرض إلى الرواية واقتطع منها في ذات الوقت.

الرواية التي كتبها أورويل عام 1949، صنفت ضمن مفهوم 'ديستوبيا' مجتمع فاسد ومخيف قائم على القمع

لكنه في كل الأحوال كان مخلصا في تصويره لمشاهد الرعب، ولعل أبرزها مشهد استجواب وتعذيب ونستون سميث بطل القصة، الذي خالف التعليمات والذي أدّى شخصيته ببراعة مارك آرندس، وهو يواجه جلاده الأنيق المحقق أوبراين الذي تقمص شخصيته الممثل المبدع تيم دوتون.

على خلفية مؤثثة بقطع مبتكرة من أدوات وأجهزة تعذيب يتولى العمل عليها أشخاص من دون ملامح، يرتدون أزياء غريبة مطابقة لهيئات رواد الفضاء، وكذلك أرضية المنصة التي سرعان ما تمتلئ بدماء قانية شبه حقيقية استخدمت كفواصل بصرية بين أنسجة الحوار العقيم.

كانت أحداث الرواية الأصلية تدور في المستقبل بمدينة لندن عام 1984، حيث ذهب خيال المؤلف عميقا في البحث عن أكثر السيناريوهات دموية ليجعلها نافذة، ينظر من خلالها إلى مكونات مجتمع يستشري فيه الخوف المستديم من قبل المواطنين لخطر محتمل الوقوع.

وفي هذا المجتمع، الذي يقوده “الأخ الأكبر”، تصادر الحقوق وتُنتهك الحريّات وتكبت أيّة محاولة للتفكير الحر، حيث تستخدم وسائل غير مشروعة -من وجهة نظر رجل الشارع- لانتهاك خصوصيات الناس.

فشاشات الرصد في كل مكان؛ وهذه الشاشات مهمتها مراقبة الشعب، لتعقب كل همسة وكل حركة غير عادية، إضافة إلى نشر الأخبار الملفقة وإصدار الأوامر الصارمة للأفراد، الأوامر غير القابلة للنقاش. وفي مجتمع من هذا النوع -بالتأكيد- “لا يمكن الاحتفاظ بالسلطة إلى الأبد، إلا عبر التوفيق بين المتناقضات”.

وفي هذا المجتمع الذي يقوده "الأخ الأكبر" تصادر الحقوق وتُنتهك الحريّات وتكبت أيّة محاولة للتفكير الحر

ووفق هذا المنطق، كان المحقق أوبراين ينتقي كلماته بروية وخبث ليصبها كماء بارد فوق أعصاب المواطن الأسير ونستون سميث، كلمات تستمدّ قسوتها من الوضوح والمباشرة. فكان يقول له: “إننا لا نحطم الضّال الذي خرج علينا عندما يقاومنا، بل إننا لا نقدم أبدا على تدميره طالما أنه يقاومنا، وإنما نسعى إلى أن نغيره ونقبض على عقله الباطن فنصوغه في قالب جديد”. وهذا هو منبع الرعب الذي أقضّ مضجع أورويل في حينها.

في عالم اليوم الذي يتجاوز بمراحل زمنية رهيبة زمن إعداد الرواية -على نار هادئة- في مطبخ أورويل، لم يعد هنالك مكان للرعب ولم يعد متسع من وقت للجلوس والتأمل وانتظار الموت أو اللاموت، حيث يكتفي جلاد عصر الإنترنت بفصل رأس ضحيته عن جسدها ليرتاح ويريح.

وحيث يصبح الانفلات من صميم الأحداث، والخروج من عتمة المسرح لمواجهة صخب الشارع الحديث أكثر رعبا؛ الشارع الذي يستضيف -على مضض- مظاهرة سلمية عن الأحداث في مسرح الشرق الأوسط، هناك، حيث تستمر عروض 2014 المجانية وتتكرر مواسم القتل، مع إمكانية إضافة سيناريوهات جديدة كل يوم، في عروض من تأليف رجل الشارع العادي. الخوف، كل الخوف من أن نكون الضحية المقبلة، فنهاية العرض لا يعني نهاية الأحداث.

17