20 عاما على اتفاق أوسلو

السبت 2013/09/28

20 عاما مضت على اتفاق أوسلو، ومضت تحت الجسر مياه كثيرة كما يقول المثل الإنكليزي.

أعود بالذاكرة إلى أقل من سنة من اتفاق أوسلو، التقيت لدى زيارتي صديقة نرويجية الدكتور أوجين مخلوف الذي كان ممثلا لمنظمة التحرير في السويد (ولم يكن المكتب قد تحول بعد إلى بعثة دبلوماسية حينها) وكان معه السيد بسام أبو شريف مستشار الشهيد ياسر عرفات. كنت أعرف الدكتور مخلوف من قبل حيث تقابلنا في مناسبات عدة. والدكتور مخلوف ذو مظهر أرستقراطي ودبلوماسي بارع ومتحدث لبق.

عرفني الدكتور مخلوف على أبو شريف، الذي كان يبدو عليه التفاؤل الذي لم أكن أفهم أسبابه. غادر الرجلان للقاء صحافي وعدت إلى بيتي وأناأفكر بالأحاديث التي دارت. وبعد فترة جاء للنرويج شيمون بيريس، وهو ثعلب صهيوني بلا منازع. لكنه أيضا تحدث للصحافة بلغة من الصعب لي الآن وصفها، لكنها لغة فيها الكثير من الليونة إن جاز لي الوصف. فيما بعد أي بعد إعلان اتفاق أوسلو أدركت أن زيارات هؤلاء لا بد أنها كانت بخصوص هذا الموضوع. بعد إعلان الاتفاق بيوم أو يومين، اتصل بي «ال ن ر ك» وهو التلفزيون الرسمي، وأخبرني أنهم يريدون إجراء مقابلة معي حول الاتفاق. في ذلك الحين وحتى وقت قريب كان النرويجيون يستخدمون تعبير قناة أوسلو وليس اتفاق أوسلو.

من عادة النرويجين في التلفزيون أنهم قبل إجراء المقابلة يتحدثون مع الشخص المزمع مقابلته لمعرفة بعض أفكاره حول الموضوع. قلت لمعد البرنامج النرويجي- بصراحة- إنني من خلال ما قرأته، أظن أن لا حظ للاتفاق بالنجاح. أبدى انزعاجا مما قلت، وكان ذلك واضحا من صوته. حاول أن يقول إن الاتفاق ليس مثاليا لكنه بداية، وتشبثت برأيي بأن الاتفاق لن ينجح. قال لي إنه سيتصل بي لاحقا، وأدركت أن معنى ذلك أنهم لن يجروا مقابلة معي. لكن في اليوم التالي أجرت معي صحيفة «اللافتن بوسطن» وصحيفة «الكلاسيي كامبن» مقابلات، قلت فيهما إن لدي آمالا قليلة في نجاح الاتفاق.

سبب حماس النرويجيين للاتفاق له علاقة بوضعهم بالدرجة الأولى. فالنرويج كانت إلى جانب إيرلندا من أفقر دول أوروبا، ولم يكن لها أي تأثير في السياسة الدولية. وكان الاتفاق الذي عقد بين طرفين لم تستطع كل القوى الدولية الكبيرة حله يعطيهم ثقة كبيرة بالنفس، وهو أمر كنت أعرفه جيدا.

وللحقيقة والتاريخ كان أولف بالما رئيس وزراء السويد- الذي اغتيل لاحقا من قبل أطراف لم تزل مجهولة- أول من استقبل المرحوم ياسر عرفات في أوروبا الغربية بعد النمسا، التي كان مستشارها كرايسكي يهوديا معتدلا.

المرارة التي شعرت بها كانت مزعجة جدا، عندما قرأت نص الاتفاق الذي لا يقوم بتعريف واضح أن الأرض محتلة، كما لا يشير إلى التوقف عن بناء المستوطنات التي كان فيها 160 ألفا فأصبحوا الآن 650 ألفا.

وبكل صراحة لم أفهم حتى الآن، لماذا غابت هذه المسائل البديهية عن ذهن المفاوضين الفلسطينيين.

كما لم أستطع أن أفهم؛ لماذا أقدمت منظمة التحرير أصلا على الاتفاق وهي التي كانت في وضع سيء للغاية بعد مقاطعة دول الخليج لها بعد وقوفها إلى جانب الرئيس صدام حسين بعد غزو الكويت؟

ولم أستطع أن أفهم كيف تقوم منظمة التحرير بحوارات سرية، في الوقت الذي كان لنا ممثلون يتفاوضون مع إسرائيل في أميركا، حيث كان المفاوضون الإسرائيليون يعرفون ماذا يجري في أوسلو، أما وفدنا فلم يكن يعرف.

كان اتفاق أوسلو يشير إلى مرحلة انتقالية تنتهي في العام 1998، ونحن الآن على أبواب العام 2014 وأرضنا تُقضم والقدس والأغوار تهوّدان ونكتفي فقط بهذين.

الواقع العربي يتغير سواء للأحسن أو للأسوأ حسبما يراه كل شخص، أما نحن فمازلنا نراوح في مكاننا، بل ازدادت الانقسامات واتسعت، وصار الهم الأكبر هو كيف ننهي الانقسام في الوقت الذي تنهب فيه أرضنا.

بعد عشرين عاما من تجربة مرة، لا بد لنا نحن الفلسطينيين من أن نراجع أنفسنا ونراجع المرحلة كلها، وأن نعرف إلى أين نحن ذاهبون؟


مفكر وباحث فلسطيني

9