"200" متر.. حياة متشظية على جانبي الجدار

دراما الطريق والمسحة الواقعية الوثائقية تتكامل في الفيلم مع حالة القلق التي ينجح المخرج في تسريبها للمشاهد.
الأحد 2021/04/18
فيلم يصور معاناة مؤلمة

تبدو المشاهد الأولى من فيلم “200 متر” للمخرج الفلسطيني أمين نايفة عادية تماما وروتينية ولا تتعدى مشاهد الحوارات العائلية اليومية لأسرة فلسطينية، حتى يمتد بك الوقت وتشعر أن الفيلم سوف ينشغل بتلك اليوميات الروتينية العادية التي تتسم بالبساطة التامة والعفوية، فالشخصيات تتكلم على سجيّتها والشخصية الرئيسية مصطفى (الممثل علي سليمان) لا تبدو في الظاهر مختلفة عن أي ممثل نمطي آخر.

لكن يبدو أن للقصة خباياها، فعلى الرغم من أن المخرج وهو نفسه كاتب السيناريو قد أهمل قاعدة الإمساك بتلابيب المشاهد منذ البداية وجذبه إلى الأحداث وتأجيج فضوله وحدسه وتوقّعاته الخاصة، إلا أنه واقعيا يكون قد بدأ فصول فيلمه الحقيقية مع بدء اجتياز مصطفى لنقاط التفتيش الإسرائيلية وهو في طريقه إلى العمل في داخل إسرائيل بتصريح عمل.

تحرص كاميرا نايفة على تتبع تلك اليوميات الشاقة حيث يصطف الفلسطينيون في طوابير طويلة من أجل السماح لهم بالمرور، فيما يكون هنالك آخرون يتسلّقون من فوق الأسلاك الشائكة.

خبايا تتكشف تدريجيا
خبايا تتكشف تدريجيا

 تلك الواقعية اليومية سوف تتكرر ونشعر أننا في وسط تلك الدوامة اليومية التي يعيشها الفلسطينيون لاسيما وأن مصطفى لا يحمل بطاقة هوية إسرائيلية، بينما زوجته وأولاده يحملونها كونهم ممن يعرفون بعرب 48.

مجرد عدم امتلاك مصطفى هوية إسرائيلية هي معضلة سوف تتضخّم أكثر عندما يتم إرجاعه من نقطة العبور بسبب نفاد صلاحية هويته الفلسطينية، والحوار هنا أكثر واقعية ويجسد حيرة مصطفى ومحاولة البحث عن مخرج دون جدوى ليعود أدراجه إلى بيته وليتلقى خبرا صاعقا من زوجته عبر الهاتف، لن نعلم مباشرة ما هو، لكن سنعلم لاحقا أن ابنه الصغير قد دخل المستشفى بسبب حادث سيارة، وأن عليه العبور إلى الجانب الإسرائيلي بشكل عاجل.

وما سبيل اختراق ذلك الجبروت الاستبدادي إلا بورقة تصريح أو بعملية تهريب، وليس بينه وبين بيت زوجته سوى 200 متر تفصل بينها أطواق أمنية وأجهزة شرطة وحاجز طويل وممتد عميقا في عمق الجرح الفلسطيني الغائر.

من تلك النقطة نبدأ دراما فيلم الطريق بجميع أبعادها، من قرار مصطفى دفع مبلغ من المال لسائق سيارة أجرة يقوم بتهريب من ليست لديهم بطاقات دخول صالحة إلى إسرائيل.

هناك سوف تلتقي الشخصيات المتعددة التي حتى في أشد لحظاتها إحباطا ويأسا إلا أنها تكمّل بعضها في مشاركة المحنة المتعلقة بالسفر اليومي عبر المعاناة.

دراما الطريق والمسحة الواقعية – الوثائقية تتكامل هنا مع حالة القلق التي ينجح المخرج في تسريبها للمشاهد وجعله متفاعلا مع الشخصيات الخائفة من جنود الاحتلال ومن بوابات الاحتلال ومن بوليس الاحتلال، ولسوف ينسج كل ذلك بعفوية مع لقاء مصطفى مع آني (الممثلة الألمانية أونتيربيرغر) وصديقها ومعهما بضعة أشخاص لا تعلم كيف سوف يعبرون الحواجز الإسرائيلية عن طريق التهريب.

ما يلبث أن يتحقق ذلك ونحن نشاهد المجموعة وهي محشورة في صندوق السيارة وفيما المهرّب يفاجأ بأن الطريق ليست سالكة وأنه قد يعاد من حيث جاء ومن ثم ليشتبك مع آني مشهرا المسدس عليها ويخوض عراكا معها بينما الآخرون محشورون في ذلك الصندوق بالكاد يلتقطون أنفاسهم، بل يكادون يموتون حتى تفيق الفتاة من الضربة لتقوم بإخراج الجميع من الصندوق وهم في وضع صعب.

لا شك أن إيجاد شخصية آني في وسط هذه الدراما هي نقطة إيجابية لصالح الفيلم، فقد وفّر وجودها الكثير من المعطيات الإيجابية ابتداء من تزييف هويتها في كونها ألمانية من أصول فلسطينية وهي كذبة يروجها صديقها لكي يقبلها الفلسطينيون العابرون ولا يشكون في شخصيتها.

ولنلاحظ انغماس آني في تصوير واقع الحال دون أن نعلم تحديدا هل هي صحافية أو هي كما اتهمها الفلسطينيون باحتمال كونها من الموساد، لكنها سوف تكمل المهمة في رحلة الطريق تلك بأن تقود السيارة التي تحمل مصطفى وصديقها والفتى رامي وليجتازوا نقطة التفتيش الإسرائيلية في مشاهد فيها الكثير من الترقب وحبس الأنفاس.

التحوّل الدرامي ما يلبث أن يتصاعد مع اكتشاف صديقها أنها تجيد اللغة العبرية بينما تدعي أنها ألمانية وهي نقطة كان مصطفى قد اكتشفها وهو يخبر آني بأنها مجرد مواطنة إسرائيلية في لحظة اعتراف أكمل فيها اعترافه للشاب رامي بأنه سوف يجد له عملا بينما هو لا يملك أن يوفر له مثل ذلك العمل.

هاهي النهاية السعيدة تتحقق ويزور مصطفى ابنه الراقد في المستشفى، فماذا بعد؟ ولماذا النهاية السعيدة تلك وهل هي كافية لكي نخرج نحن من الكابوس الذي وجدنا أنفسنا فيه ونحن نشارك الفلسطينيين محنة حياتهم المتشظية على جانبي الحاجز؟

يلفت النظر في هذا الفيلم من الناحية الإنتاجية أنه قد استغرق التحضير له وبمعنى أدق جمع ميزانيته أكثر من خمس سنوات، ولكنك وأنت تقرأ أسماء الجهات المانحة والراعية والقائمة الطويلة جدا التي يوجه لها المخرج الشكر والتقدير لمساهمتها في إنجاح الفيلم سوف تتساءل لاسيما وأن الفيلم محدود إنتاجيا بالإضافة إلى وجود جهة إنتاجية هي المنتجة مي عودة، لكن ربما يشير ذلك إلى معاناة المخرجين أصحاب المشاريع المستقلة في إيجاد ما يكفي من الميزانية لتنفيذ مشاريعهم، كما هي الحال في هذا الفيلم الذي هو دون شك بداية ناجحة وموفّقة للمخرج أمين نايفة.

15