2014.. سنة الرهان على مصر

الأربعاء 2014/01/08

كيف يمكن تقييم السنة المنصرمة وما الذي يمكن المراهنة عليه في السنة 2014، أو على الأصح هل هناك ما يمكن المراهنة عليه؟ لم تكن السنة 2013 سنة السلبيات فقط. لم تكن كلّها سلبيات على الرغم من أن النظام السوري لم يسقط رسميا في حين أنه سقط عمليا. هل من مجنون يتصوّر أن بشّار الأسد يمكن أن يعود حاكما لسوريا.. باستثناء بشّار الأسد نفسه.. أو الذين يستخدمونه من أجل تفتيت الكيان السوري؟

أكّدت السنة 2013 أن هناك بين العرب من لا يزال يقاوم، حتى عندما تكون هناك سياسة أميركية لا تأخذ في الاعتبار سوى حماية الأمن الإسرائيلي.. أكان ذلك عبر التخلي عن الشعب السوري في ثورته الوطنية من أجل استعادة كرامته أو عندما يتعلّق الأمر بإيران ومشروعها الإقليمي الذي يهدّد المجتمعات العربية في العمق.

ما كشفته السنة 2013 أن هناك رغبة أميركية في إطالة الحرب الدائرة في سوريا، وهي حرب يشنّها نظام على شعبه بدعم إيراني وروسي، من أجل الانتهاء من سوريا التي عرفناها. لو لم يكن الأمر كذلك، كيف يمكن تفسير الصفقة الروسية- الأميركية التي حالت دون توجيه ضربة نهائية إلى النظام السوري بعد استخدامه السلاح الكيميائي ضد المدنيين في آب- أغسطس الماضي؟

لم يعد سرّا أن الكيان السوري صار هدفا. بات مطلوبا الانتهاء من هذا الكيان الذي خلق منذ نشوئه الأزمة تلو الأخرى على الصعيد الإقليمي. كانت هناك باستمرار أزمة نظام في سوريا. ولكن مع الوقت، تبيّن أن الأزمة هي أزمة كيان أكثر من أي شيء آخر. إنها أزمة نظام وكيان في الوقت ذاته.

جعلت أزمة الكيان النظام السوري، أي نظام سوري، في حال هرب مستمرّة إلى الأمام. هرب النظام السوري إلى الانقلابات العسكرية ابتداء من السنة 1949، ثم إلى الوحدة مع مصر في 1958، ثمّ إلى الانقلاب العسكري مجددا من أجل الانتهاء من الوحدة المصطنعة.

بعد ذلك كانت عودة إلى الانقلابات وإلى الاشتراكية العشوائية التي هجرّت خيرة السوريين من سوريا. كان الغطاء حزب البعث العربي الاشتراكي الذي استخدمه الضباط العلويون من أجل إقامة نظام طائفي في سوريا، وصولا إلى نظام العائلة ابتداء من السنة 2000 عندما ورث بشّار الأسد ما يمكن وصفه بلعبة اسمها سوريا. لم يتعاط بشّار مع سوريا إلا بصفة كونها لعبة في يد طفل. ظنّ ولا يزال يظنّ أنها لعبة بين يديه.

هرب هذا النظام إلى لبنان واستخدم من أجل ضرب الصيغة اللبنانية كلّ ما يستطيع بدءا بتغذية النعرات الطائفية وتسليح الميليشيات فضلا عن التنظيمات الفلسطينية المختلفة، طبعا. هرب إلى المتاجرة بالقضية الفلسطينية والفلسطينيين وهرب ابتداء من العام 1979، عند حصول التغيير في إيران، إلى حلف الأقليات الذي أوصله إلى ما وصل إليـــــه فـــي هذه الأيام من منطلق مذهبي بحت.

قرّر الشعب السوري انتزاع اللعبة من الطفل وجعل سوريا بلدا طبيعيا. ولكن وُجد من يصرّ على إبقاء اللعبة في يد بشّار الأسد. وجد عمليا من لا همّ له سوى العمل من أجل إطالة الحرب السورية التي ستدخل في آذار- مارس من السنة 2014 عامها الرابع ولكن دون أن يكون هناك ما يشير إلى أي مخرج من أي نوع كان في الأفق، باستثناء العمل على تفكيك الكيان ونشر الفوضى في المنطقة بغية إعادة رسم خرائط الدول. يأتي ذلك في ظل الخلل الذي طرأ على التوازن الإقليمي ابتداء من السنة 2003 تاريخ الغزو الأميركي للعراق. هذا الغزو الذي لم يخرج منه سوى منتصر واحد هو إيران.

كشفت الحرب السورية أن المنطقة كلّها في حالة غليان، وأن النظام الإقليمي الذي قام في العشرينات في مرحلة ما بعد انهيار الدولة العثمانية لم يعد قائما. انهار أحد أعمدة هذا النظام الإقليمي عندما غزت الولايات المتحدة العراق ومهّدت إلى إقامة نظام جديد من منطلق طائفي ومذهبي. زرعت بذور تقسيم العراق ووضعت البلد، العربي سابقا، الذي عانى طويلا من النظام العائلي- البعثي الذي أقامه صدّام حسين، تحت الهيمنة الإيرانية.

كانت السنة 2013 سنة مفصلية في مجال بدء تظهير الصورة التي يمكن أن يكون عليها الشرق الأوسط مستقبلا. هناك حروب من نوع جديد في المنطقة. في أساس هذه الحرب النزاعات ذات الطابع المذهبي. أخطر ما في الأمر أن القوّة العظمى الوحيدة في العالم، أي الولايات المتحدة الأميركية، تخلّت عن دورها. صارت هذه القوة تختزل الأزمة السورية بالسلاح الكيميائي الذي تخلّى عنه بشّار الأسد وبات في استطاعته قتل شعبه بكلّ الوسائل الأخرى. هناك قتل حلال وقتل حرام. حتّى، ذبح الإنسان السوري، صار في المفهوم الأميركي حلالا لمجرّد تخلي النظام السوري عن سلاحه الكيميائي.

كذلك، اختزلت أميركا أزمتها مع إيران في الملف النووي. لم تعد هناك من مشكلة في السياسية التوسعية لطهران القائمة على إثارة الغرائز المذهبية. المهمّ أن تكون إسرائيل مطمئنة. هذه السياسة الأميركية تفسّر إلى حدّ كبير الموقف العربي المتحفّظ عموما من الاتفاق الذي توصلت إليه طهران مع مجموعة 5+1 في جنيف. وهو اتفاق لا يضمن بأي شكل عودة إيران دولة طبيعية تعيش بأمان وسلام مع جيرانها بدل الاستثمار في تجييش الغرائز المذهبية في دول الخليج، على رأسها البحرين وفي لبنان والعراق وسوريا واليمن.

كانت السنة 2013 سنة سيئة عربيا. هناك دول عدة مهددة بالتحول إلى دول فاشلة. من بين هذه الدول ليبيا وتونس واليمن. ليبيا باتت في الواقع مقسّمة إلى كيانات عدة. مسألة إعلان ذلك رسميا، مسألة وقت ليس إلا. أما تونس فهي مقبلة على الإفلاس في ظلّ الغياب التام للقيادة القادرة على إعادة إطلاق العجلة الاقتصادية، بدل التركيز على كيفية تغيير طبيعة المجتمع التونسي المنفتح.. نحو الأسوأ طبعا.

أما اليمن فهو في وضع لا يحسد عليه بعدما تعطّلت لغة الكلام وتعمّقت الخلافات داخل الشمال نفسه بفضل التدخل الإيراني وبين الشمال والجنوب وبين الجنوبيين أنفسهم. يحصل كلّ ذلك في بلد فقير يعاني سكانه من الجوع والبطالة والتخلف.. ومن أزمة مياه، وصعود للمتطرفين الذين باتوا يجدون فيه ملجأ آمنا.

ما كشفته السنة 2013 أيضا أن بلدا مثل السودان لم يجد حلا لمشاكله المستعصية على الرغم من أنه صار دولتين مستقلتين. أظهرت تجربة السودان أن تقسيم بلد كبير إلى دولتين ليس كافيا. ثمة حاجة إلى ما هو أكثر من ذلك في غياب من يستطيع إعادة ترميم السلطة السياسية وما بقي من المؤسسات التي خلفها الاستعمار البريطاني.

في الإمكان الاسترسال طويلا في السلبيات العربية لو لم تكن هناك بعض الإيجابيات التي توفّر بصيص أمل. في مقدّمة هذه الإيجابيات ما شهدته مصر التي ثار شعبها يوم الثلاثين من حزيران- يونيو وانتزع البلد من براثن الإخوان المسلمين الذين لم يكن لديهم أي مشروع سياسي أو اقتصادي أو اجتماعي. كانت لديهم فقط تجربة قطاع غزّة البائسة بكلّ المقاييس والتي أرادوا نقلها إلى مصر. ما حدث في مصر ليس مجرّد حدث مصري. ما حدث في مصر يمكن أن يساهم في إعادة بعض التوازن على الصعيد الإقليمي. من هذا المنطلق، كان الرهان العربي على مصر في محلّه.

تكمن أهمّية الحدث المصري في أن مجموعة من العرب تتقدمها دولة الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية والكويت قرّرت مساعدة الشعب المصري، الذي انتصرت له المؤسسة العسكرية، بغض النظر عمّا تفكّر فيه الإدارة الأميركية. كان دعم مصر الذي شاركت فيه المملكة الأردنية الهاشمية خطوة في غاية الشجاعة، وأوّل دليل على أن في استطاعة العرب أن يفكروا في مصلحتهم بمعزل عما تفكّر فيه إدارة أميركية يبدو همها محصورا في كيفية مساعدة الإخوان المسلمين في تدمير مؤسسات الدولة المصرية الواحدة تلو الأخرى.

تبدو السنة 2014 أقرب ما تكون إلى سنة الرهان على مصر التي تحتاج إلى مساعدات كبيرة، لكنها تحتاج أوّل ما تحتاج إلى شخصية قويّة، تمتلك فكرا مستنيرا، تعرف ماذا تريد، وتعرف، خصوصا، أنّ ما على المحكّ ليس مصير مصر وحدها بل مصير المنطقة كلّها أيضا. ستظهر السنة 2014 هل الرهان على مصر في محلّه؟، لا لشيء سوى لأن الوضع في المنطقة لا يمكن أن يستقيم في حال استمرّ الغياب المصري.


إعلامي لبناني

8