(2+2=5) سبع دقائق سينمائية إيرانية أدهشت المتفرج

الجمعة 2014/02/21

لا وجود للمنطق في عرف الطغيان والاستبداد، فكل ما في عالم الطاغية المستبد خارج عن حدود العقل والمنطق. المستبدّ يعادي كل ما ومن حوله، يرى في كل شيء مشروع ثورة عليه، لذلك فهو لا ينفك يحاول قولبة رعيته وفق رغباته المرضية.

يشكل عالم الطفولة مجالا رحبا للمستبدّ كي يعمل على تنشئة أجيال تحرص على تقديسه وتهتف بتأبيده، ويستعين بالخبراء في هذا السياق ليحكم سيطرته على التفكير ويكبّل أيّ اجتهاد ويلغيه، بل ويعاديه وينسف صاحبه حين لا يوافق على ما يرتئيه وما يفرضه.

لا يكتفي الطاغية برسم دائرة التحرّك لمحكوميه فقط، بل يفرض عليهم الحركات أيضا، ويصل الأمر به إلى قلب قواعد الرياضيات كي يوهم بأهميته وتفوقه وما يمتاز به من خوارق، وذلك باعتماد القاعدة البائسة بالكذب المتواصل حتى تصديق الكذبة، وتزييف الحقيقة.

كمثال على هذا التصرف المشين بحق الطفولة والعلم والإنسانية، يمكن الاستشهاد بالفيلم الإيراني القصير (2 + 2 = 5) الذي لا يتجاوز سبع دقائق، والذي يظهر جانبا من تشويه الطفولة بغية تكريس حكم الطغيان والجنون.

يستهل الفيلم الذي أخرجه باباك أنفاري 2011 بدخول معلم يرتدي طقما رسميا دون ربطة عنق، في إشارة إلى حكم الملالي بإيران، يقف التلاميذ الصغار في الصفّ الذي يحوي الذكور فقط، ينظر المعلّم إلى ساعته في انتظار تعليمات المدير عبر الإذاعة المدرسية. يملي المدير تعليماته الجديدة الصارمة الكفيلة بمناقضة قواعد العلم والتربية. يكتب المعلم القاعدة الأولى لقتل البراءة والطفولة، يكتب معادلته البائسة بأن (2 + 2 = 5) ويطلب من التلاميذ أن يكرروا معه النتيجة بصوت عالٍ. ينهض تلميذ متوجس وبصوت مرتبك مرتعد مرتجف خائف يقول له: إن النتيجة أربعة، لكنه يتشكك ويكاد يتراجع أمام إصرار المعلم وصرامته وتجهمه.

ينهض تلميذ آخر أكثر جرأة من زميله، ودون أن يستأذن معلمه، يقول له إن النتيجة أربعة. وحين يصرّ على موقفه، يستدعي المعلم لجنة الانضباط من تلاميذ المدرسة الأكبر سنا، يؤلبهم على التلميذ المعارض المتشبث برأيه، ويطلب منه كتابة النتيجة «الصحيحة» التي يقصد بها «خمسة» كحاصل جمع لـ(2 + 2)، لكن التلميذ يكتب ما يؤمن به، يكتب العدد 4، وبحركة إيمائيّة يقوم أعضاء لجنة الانضباط الثلاثة برميه بالرصاص. يلطخ دمُ التلميذ المغتال الشهيد الرقم المكتوب على السبورة، في إشارة إلى اغتيال الحقيقة والمنطق والإيذاء بهما على أيدي أتباع مغسولي الدماغ، يتأللون بحكم القولبة والغفلة والانتفاع والغباء والجهل.

بعد قتل الطفل المتمسك برأيه وحقيقة المعادلة ونتيجتها المفروضة والواقعية، يمحو المعلم المعادلة ويعيد كتابتها من جديد وفق توجهه لا وفق العلم والمنطق، حيث حاصل جمع (2 + 2 = 5) وليس 4. وهنا يطلب من التلاميذ تكرار الرقم خمسة بصوت عال، والصراخ به كنتيجة حتمية. لكن أحد التلاميذ غير مرئي الوجه، يشطب على الرقم خمسة ويعيد كتابة الرقم الصحيح، وذلك في تأكيد من المخرج على أن عجلة الحقيقة والمنطق لن تتوقف عند قتل أحد القائلين بها، وأن هناك دوما من سيحرص على التشبث بالنتيجة الصحيحة، وأنّ قانون الحياة يغلب قانون الاستبداد، وإن طال به الزمن أو تأخر.

يرمز مخرج الفيلم إلى حقيقة أن ثورة العقل هي الأبقى، وأن ثورة تأتي بتعليمات وقيود تفرضها على العقل والمنطق والواقع وتسعى إلى قولبة الأفكار والمجتمعات لن تحقق أية نتيجة، لأن معاندة الحقيقة والواقع وتشويههما لن يستمرّا إلى ما لا نهاية، وإن تتحقق بعض المنافع الآنية للمستبدّ الذي يستحيل عليه أن يقهر الروح الإنسانية الساعية إلى الكشف عن الحقيقة والنطق بها.

المواجهة بين سموّ الروح وانحطاط الفعل. قاعدة الحياة التي تظل في تفاعل وتجدّد وتأثير واستمرار، ويقينا أن الغلبة تكون للحقيقة والمنطق مهما بلغ الأمر بالطاغية وأدواته من عتوّ وجنون وتزييف، لأن من الاستحالة قتل الأمل في الروح الحرة السامية.

16