25 يناير كانت فقط البداية

الاثنين 2016/01/25
منذ متى الثورات تأتي بتغيير عاجل؟

قبل خمسة أعوام لم يكن أحد يتوقع أن العالم العربي مقبل على مواجهة الحقيقة التي ظلت مخبأة لعقود. الحقيقة هي أن دول المنطقة كانت تبدو ظاهريا مستقرة، لكنها في الواقع كانت قدورا متراصة أوشكت على الغليان.

بدأ هذا الغليان عمليا في مصر. في ميدان التحرير، كان من السهل على أي مراقب مشاهدة وجوه عازمة على تخطي مرحلة الجمود التي كانوا يعيشونها منذ تولي الرئيس حسني مبارك السلطة عام 1981، والوصول إلى تغيير ما. وبين جموع المصريين الذين على غير العادة اختاروا الصدام مع الشرطة في “جمعة الغضب”، شعرت أجهزة الأمن التي لم يكن ليجرؤ أحد في السابق على الوقوف أمامها، بأنها تواجه هذه المرة طبقة من المجتمع مختلفة عن تلك التي اعتادت التنكيل بها طوال عقود.

في السابق كان التعذيب في السجون المصرية يمارس على الفقراء وأعضاء تنظيم الإخوان المسلمين ومتشددين إسلاميين آخرين. كانت وسائل الإعلام التي تتحكم بها السلطة لا تعير اهتماما كبيرا لهذه الانتهاكات، وكانت التغطيات تروج عادة إلى أن من يتعرض إلى هذا التعذيب الوحشي أو يقتل في السجون ربما ارتكب شيئا ما.

لكن منذ نجاح حسني مبارك عام 2005 في أول انتخابات رئاسية تُجرى في مصر، اتسع نطاق النهج العنيف للشرطة ليصل إلى الطبقة الوسطى التي صمتت في السابق عن تلك الممارسات عندما كانت ترتكب بحق طبقات أخرى في المجتمع.

نظر حسني مبارك إلى نجاحه في هذه الانتخابات على أنه انتصار نوعي على أجندة الرئيس الأميركي جورج بوش الإبن لترويج الديمقراطية في المنطقة العربية. اعتقد بوش أن إحداث تغيير ديمقراطي في القاهرة التي وصفها بـ”بالمركز السياسي والثقافي للشرق الأوسط” من شأنه أن يكون البداية لإعادة صياغة المعادلة السياسية وعلاقة الحكام بشعوبهم في المنطقة. كتب بوش لاحقا أنه كان يأمل “أن تكون مصر قائدة الحرية والإصلاح في العالم العربي”.

كانت القاهرة هي المدينة التي اختار أن يرسل وزيرة خارجيته كوندليزا رايس إليها عام 2005 من أجل طرح أجندته “الديمقراطية” على النخب العربية. تقول رايس في مذكراتها إن “مصر الديمقراطية من شأنها أن تغير المنطقة بشكل أكثر فاعلية من أي شيء آخر. كان ذلك دافعي للذهاب إلى الجامعة الأميركية في القاهرة كي ألقي خطابا عن الديمقراطية في الشرق الأوسط”.

بعد عودتها من زيارة خاطفة لمبارك في منتجع شرم الشيخ، قالت رايس في خطاب الجامعة الأميركية “على مدار ستين عاما كانت الولايات المتحدة مستعدة لقبول استقرار العالم العربي مقابل غض الطرف عن الديمقراطية، لكننا لم نحصل لا على استقرار ولا ديمقراطية، لذلك قررنا أن نغير سياساتنا الآن، وسنقف مع التطلعات الديمقراطية للشعوب، وأعتقد أن الرئيس مبارك فتح بالفعل الباب أمام التغيير عندما سمح لأول مرة بإجراء انتخابات رئاسية”.

هذا بالضبط ما كان يخشاه مبارك الذي كان يحلم بيوم رحيل بوش عن البيت الأبيض. لم يعرف الرجل الذي كان قد تخطى الثمانين عاما أن الإطاحة بنظامه ستأتي في عهد رئيس آخر لم يبد أن الديمقراطية في الشرق الأوسط إحدى أولوياته.

في النهاية لم يفقد مبارك السلطة على يد الأميركيين الذين لم يستحوذوا على ثقته يوما. لكنه انتهى إلى هذا المصير عندما لم يعد قادرا على فهم التحولات التي طرأت على المجتمع المصري، وعجّل التوسع في سلطات أجهزة الأمن من الإطاحة به وبنظامه.

جاء إقرار حسني مبارك عام 2009 يوم 25 يناير من كل عام يوم عطلة للإحتفال بتضحيات الشرطة في مواجهة قوات الإحتلال الإنكليزي في الإسماعيلية عام 1952 إنعكاسا لمدى تجاهل مبارك ونظامه للكراهية المتصاعدة في المجتمع تجاه الشرطة. كان هذا هو السبب الرئيس لحدوث الإنفجار في اليوم الذي تحتفل فيه الشرطة بعيدها.

بعد مرور خمسة أعوام على اندلاع الثورة، بات مؤكدا أن العالم لن يتذكر في هذا اليوم من كل عام شجاعة الشرطة المصرية في مواجهة الاحتلال الإنكليزي، لكنه سيتذكر شجاعة هؤلاء المصريين الذين ثاروا في وجهها.

كانت هذه الشجاعة مقترنة باتساع نطاق ثورة مواقع التواصل الإجتماعي التي لجأ إليها الشباب في تونس قبل اندلاع الثورة في مصر بأيام لإزاحة نظام زين العابدين بن علي من السلطة.

تصادف حدوث الثورة التونسية في وقت يشهد فيه المجتمع المصري تحولا تاريخيا، إذ بدأ الخوف يتراجع في نفوس المصريين منذ إضراب عمال الغزل والنسيج في المحلة عام 2008، وشاعت علانية سخرية صريحة من مبارك وحزبه ووجدت طريقها حتى إلى وسائل إعلام معارضة.

جاءت الثورة التونسية عمليا في وقتها. بعدما اضطر بن علي لركوب طائرة خاصة والفرار إلى السعودية، كانت قد مرت أسابيع على إعلان نتيجة الانتخابات البرلمانية المصرية التي أجريت أواخر عام 2010، وحصل فيها الحزب الوطني الديمقراطي الحاكم على 95 بالمئة من المقاعد في أكبر عملية تزوير تشهدها انتخابات مصرية طوال فترة حكم مبارك.

في هذه الانتخابات أثبت الحزب الوطني الديمقراطي أن بإمكانه فعل أي شيء للحفاظ على السلطة بإستثناء أن يكون ديمقراطيا. دفعت فجاجة النظام وغباء رجاله المصريين إلى اللجوء إلى وسائل غير تقليدية وأدركوا منذ إضرابات المحلة أنها سلاح فعال لمواجهة السلطة. لم تكن هذه الوسائل سوى الإنترنت.

مهد دخول الإنترنت على خريطة الاحتجاجات الجماهيرية في مصر انضمام فئة جديدة من الشباب الذين حظوا بتعليم أفضل ولم يمارسوا عملا سياسيا من قبل. ساعد انضمام هؤلاء في تعاظم الثقة عند ملايين المصريين الذين فهموا أن المظاهرات هذه المرة لا تحمل مطالب سياسية خارج أجندتهم، بل تحمل بين طياتها طموحا لا سقف له.. فقرروا الانضمام إليها.

بعد الإطاحة بمبارك وانتشار صور الألعاب النارية التي غطت سماء ميدان التحرير يوم 11 فبراير 2011، انفجر الشرق الأوسط. كانت لحظة الإحتفالات في الميدان هي نقطة التحول في مصر والمنطقة بأثرها لأن الناس في عدة دول عربية أدركوا أن الفرصة في التغيير باتت سانحة في بلدانهم أيضا.

كانت الثورة التي حدثت في تونس، البلد الصغير البعيد نسبيا عن المشرق العربي، ملهمة، لكن إسقاط النظام في أضخم بلد عربي يعني أن ذلك أصبح ممكنا في أي مكان آخر.

بعد مرور خمسة أعوام على اندلاع الربيع العربي أثبتت الوقائع أن شيئا لم يتغير في مصر. لكن منذ متى والثورات تأتي بتغيير عاجل؟

6