35 عاما من العداء تحول دون بناء علاقة ثقة بين واشنطن وطهران

الخميس 2013/09/26
قمة رئاسية إيرانية – أميركية.. الطريق مازال طويلا

نيويورك - شهدت أروقة مبنى الأمم المتّحدة، في نيويورك، حراكا دبلوماسيا دوليا مكثّفا حول إيران وملفّها النووي وأيضا حول دورها في الأحداث التي تجري في منطقة الشرق الأوسط، وبالخصوص موقفها الداعم لنظام الأسد في سوريا.

منذ توليه رئاسة إيران، خلفا لأحمدي نجاد، المعروف بعدائه للغرب وأميركا، بدت العلاقة بين حسن روحاني، «المعتدل»، والغرب، بكل المقاييس، جيّدة نوعا ما، مقارنة بالسنوات السابقة، على أمل أن تتوخّى طهران، في عهد الرئيس حسن روحاني، الذي يركّز أكثر على إصلاح الوضع الاقتصادي المتردي داخل إيران، مقاربة أكثر اعتدالا وبراغماتية تجاه الأزمة النووية المعلقة، والأكثر من ذلك التوق إلى جلوس إيران والولايات المتحدة أخيرا إلى مفاوضات ثنائية بناءة بهدف فض ثلاثة عقود من العداوة المتبادلة.

بعد سوريا.. الكونغرس قلق من تقارب أوباما مع إيران
باتريشيا زنجيرلي

بعد أن عارض خطة الرئيس الأميركي، باراك أوباما، لمهاجمة سوريا يموج الكونغرس أيضا بالمعارضة لهدف جديد في سياسته الخارجية ألا وهو تحسين العلاقات مع إيران.

وفرض الكونغرس الأميركي عقوبات شديدة على الاقتصاد الإيراني، ويقول مسؤولون أميركيون إنها السبب في اللهجة المعتدلة للزعماء الجدد في إيران التي تبدأ هذا الأسبوع محادثات حول برنامجها النووي. يملك المشرعون الأميركيون سلطة رفع العقوبات إذا رأوا أن إيران تقدم تنازلات وتقلص من طموحاتها النووية، لكن عددا كبيرا من أعضاء الكونغرس الجمهوريين وبعض الديمقراطيين من حزب أوباما يشكّكون في الحملة الدبلوماسية التي يشنها الرئيس الإيراني الجديد حسن روحاني.

وأصدر أعضاء مجلس الشيوخ الجمهوريون، جون مكين ولينزي غراهام وكيلي ايوت، بيانا قالوا فيه «يتعين التعامل مع المبادرة الدبلوماسية الراهنة بعيون مفتوحة ويجب ألا نسمح لإيران باستغلال المفاوضات كأداة للتسويف والخداع».

عدد كبير من أعضاء الكونغرس الأميركي يؤيدون إسرائيل ويشتبهون في أن إيران تحاول أن تمتلك قدرات لتصنيع أسلحة نووية، وهي من النقاط السياسية القليلة التي يلتقي عندها المشرعون الجمهوريون والديمقراطيون المختلفون عادة بشدة.

وقال آرون ديفيد ميلر، وهو مسؤول كبير سابق في الخارجية الأميركية ويعمل الآن في مركز وودرو ويلسون بواشنطن، «الكونغرس لا مصلحة له في تفسير الشك لصالح إيران. ولن يفعل ذلك إلى أن يرى شيئا ملموسا جدا من جانب الإيرانيين».

ومرّر مجلسا الشيوخ والنواب مرارا مجموعة من العقوبات المشددة على إيران. ويحق لأوباما من الناحية القانونية أن يسقط معظم تلك العقوبات لمدة 120 يوما ثم 120 يوما أخرى كخيار إذا سارت المفاوضات النووية التي تبدأ مع إيران اليوم الخميس بشكل جيد. وإذا اختار أوباما أن يسقط العقوبات المفروضة على إيران مؤقتا فقد يزيد هذا من سوء العلاقات مع الكونغرس الذي هاجم الإدارة الأميركية هذا الشهر وعبر عن تحفظات شديدة على خطة أميركية لمهاجمة سوريا بسبب استخدامها المزعوم للأسلحة الكيميائية. وانتهى الأمر بعدم تصويت الكونغرس على الخطة وربما يكون ذلك قد أنقذ أوباما من هزيمة محرجة.

وإذا فشل الرئيس الأميركي في احتواء المتشددين في الكونغرس المتمسكين بالعقوبات المفروضة على إيران فقد يعوق ذلك المحادثات الخاصة بالبرنامج النووي الإيراني الذي تقول طهران إنه سلمي تماما.

وقال جون الترمان، باحث بمركز الدراسات الإستراتيجية والدولية في واشنطن، «حتى يتفاوض الإيرانيون مع إدارة أوباما يجب أن يكونوا مقتنعين بأن إدارة أوباما يمكنها أن تجيء لهم بما يريدون من الكونغرس». ولمح روحاني إلى هذه المشكلة خلال كلمته أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة.

وطالب واشنطن بأن تتحدث بصوت واحد وعبر عن أمله في ألا يتأثر الرئيس الأميركي «بجماعات الضغط المروجة للحرب» في الولايات المتحدة في التعامل مع النزاع النووي مع إيران.

ومن المتوقع أن تبدأ قريبا اللجنة المصرفية في مجلس الشيوخ الأميركي مناقشة قرار المجلس بشأن مجموعة من العقوبات الجديدة على إيران والتي وافق عليها مجلس النواب بسهولة في يوليو- تموز. ويقلّل مشروع القرار الذي أقره مجلس النواب صادرات إيران من النفط الخام بمليون برميل يوميا في السنة إضافة إلى العقوبات الأميركية والأوروبية التي خفضت مبيعات طهران من النفط بمقدار النصف تقريبا منذ عام 2011.

ومن شأن أي خفض جديد لمبيعات النفط الإيرانية أن يزيد الضرر الذي يعاني منه اقتصاد طهران من جراء العقوبات الغربية. وخسرت إيران نحو 26 مليار دولار من عائداتها النفطية عام 2012 مما زاد من التضخم وخفض من قيمة عملتها الريال.

وكان 11 عضوا جمهوريا عارضوا خطة أوباما لضرب سوريا لاتخاذ موقف متشدد من إيران. وقالوا في رسالة، نشرت في الوقت الذي كان أوباما يلقي فيه كلمته أمام الجمعية العامة، «كلنا متفقون على أن إيران يجب ألا تستشعر أي ضعف من جراء خلافاتنا بشأن سوريا».

وانتظر العالم بأسره أن تكون هناك مصافحة تاريخية بين الرئيسين الأميركي باراك أوباما ونظيره الإيراني حسن روحاني، ضمن الدورة الثامنة والستين لأعمال الجمعية العامة للأمم المتّحدة، لكن ذلك لم يتحقق.

وبرّر عدد من الخبراء غياب المقابلة المنتظرة بين واشنطن وطهران بتدهور الأوضاع المستمر منذ 35 عاما، بين الولايات المتحدة وإيران، مما يمنع البلدين في الوقت الحاضر من بناء علاقة ثقة بينهما.

خلال شهر منذ شغله منصب رئيس البلاد، وروحاني يعطي إشارات قوية على تخليه عن نبرة سلفه محمود أحمدي نجاد وطريقته في التعامل مع أمور السياسة الخارجية. وبدت إدارته حريصة على التخلص من التصريحات الرنانة التي كان نجاد يطلقها لثمانية أعوام، كما تبادل روحاني أيضا مع الرئيس الأميركي باراك أوباما بعض الرسائل «الإيجابية». لكن يرى محللون أن تاريخ العلاقات يلقي بثقله كثيرا بين واشنطن وطهران ما لا يبعث على الأمل في حصول «توافق كبير» يؤدي إلى حل الخلافات حول الملف النووي والعقوبات والإرهاب وسوريا.

وفي محاولة لحل الخلافات حول الملف النووي التي وصلت إلى طريق مسدود منذ عشر سنوات، حدد الرئيس الأميركي المعادلة قائلا «يجب محاولة اعتماد النهج الدبلوماسي» رغم وجود «عراقيل قد يتبين أنه من الصعب تجاوزها». وتابع «لا أعتقد أنه سيكون بالإمكان تجاوز هذه المسألة الصعبة بين ليلة وضحاها، فالشكوك عميقة جدا. إلا أنني متأكد أننا في حال تمكنا من حل مسألة البرنامج النووي الإيراني، فإن ذلك يمكن أن يفتح الباب أمام علاقة مختلفة قائمة على المصالح والاحترام المتبادل».

تاريخ أسود

تحدث حسن روحاني، بعد ساعات من إلقاء الرئيس الأميركي كلمته في الاجتماع السنوي لزعماء العالم، قائلا إنه مستعد للدخول في محادثات نووية «محددة زمنيا وترتكز على النتائج» وإنه لا يسعى إلى زيادة التوترات مع الولايات المتحدة.

وأضاف الرئيس الإيراني، في أول كلمة يلقيها أمام الأمم المتحدة منذ توليه السلطة في آب- أغسطس الماضي، أن «إيران تسعى إلى تعامل بناء مع دول أخرى يستند إلى الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة وهي في الإطار نفسه لا تسعى إلى زيادة التوتر مع الولايات المتحدة».

ويقول حسين ابيش من مركز الدراسات الأميركي حول فلسطين «هناك ضغينة لدى النخبة الإيرانية حيال الولايات المتحدة» تحول في الوقت الراهن دون «تحسن العلاقات الثنائية».

الرأي ذاته يؤكّده انتوني كوردسمان، من مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية، مشيرا إلى أن أيا من الجانبين لا يمكنه نسيان تاريخه، سواء كان انقلاب 1953 في إيران أو احتجاز الرهائن لمدة 444 يوما في السفارة الأميركية (في طهران) أو الدعم الأميركي للعراق خلال الحرب ضد إيران.

وقد اعترفت وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (سي آي ايه) بأنها دبرت الانقلاب الذي أطاح برئيس الوزراء الإيراني محمد مصدق في 18 آب – أغسطس 1953 بعدما قام بتأميم النفط في بلاده مثيرا غضب لندن التي كان النفط الإيراني حيويا بالنسبة إليها للنهوض باقتصادها بعد الحرب العالمية الثانية. وفي العام 2000، وفي محاولة لتحسين العلاقات مع طهران، أعلنت وزيرة الخارجية الأميركية السابقة، مادلين أولبرايت، أن الولايات المتحدة «اضطلعت بدور كبير» في الإطاحة بمصدق، معتبرة أن هذا الانقلاب شكل «ضربة لتطور إيران السياسي».

وفي 4 نوفمبر- تشرين الثاني 1979 وبعد سبعة أشهر على إعلان الجمهورية الإسلامية الإيرانية قام طلاب متطرفون باحتجاز 52 دبلوماسيا وموظفا في السفارة الأميركية.

وقطعت إدارة جيمي كارتر علاقاتها مع طهران وفرضت أولى عقوباتها الاقتصادية عليها قبل انتهاء الأزمة في 20 يناير 1981.

ومنذ آخر لقاء عقد عام 1978 في البيت الأبيض بين شاه إيران والرئيس كارتر «فإن العلاقات الدبلوماسية بين الدولتين لم تكن فقط مقطوعة وإنما كانت سيئة».

مصلحة مشتركة

خلال ثلاثة عقود يقول كوردسمان، تواجه العدوان بشكل غير مباشر من خلال الحرب الإيرانية-العراقية وحول مسألة دعم إيران «للإرهاب» وحول التوازن العسكري في الخليج وحول إسرائيل وفي الآونة الأخيرة بخصوص البحرين وبالتأكيد سوريا. ويرى الخبير أن هذه الخلافات ويضاف إليها الملف النووي تحول دون «الحديث عن التقارب والثقة المتبادلة وحتى تهدئة التوتر بين الولايات المتحدة وإيران». لكن للبلدين «مصلحة مشتركة في تجنب مواجهة عسكرية».

ويقول كوردسمان: «رغم التوصل إلى اتفاق بالحد الأدنى فإن الإرث التاريخي المرير من أعمال عدائية وردود بين الدولتين خلّف انعدام ثقة سيلقي بثقله على العلاقات في السنوات المقبلة».

6