"40/30 ليفينغستون" خرافة كتالونية ممتعة على الخشبة

يستقبل مسرح المشتل بباريس هذه الأيام مسرحية طريفة عنوانها "40/30 ليفينغستون" لشابين من كتالونيا الأسبانية هما سرخي لوبيث وخورخي بيكو، اللذان قاما بالتأليف والتمثيل والإخراج، وكانت قد قوبلت باستحسان الجمهور والنقاد عند عرضها العام الماضي في مهرجان أفنيون، وهي من بين عروض خمسة لقيت الدعم من المعهد الكتالوني رامون يول في نطاق الدورة الثالثة "أفينيون على الطريقة الكتالونية".
الاثنين 2016/01/04
الإنسان حيوان متقلب الأطوار

قدم مسرح المشتل بباريس مؤخرا مسرحية كتالونية عنوانها “40/30 ليفينغستون” للشابين الأسبانيين سرخي لوبيث وخورخي بيكو، اللذين قاما بالتأليف والتمثيل والإخراج في هذا العمل الطريف.

وسرخي لوبيث هو وجه معروف في المشهد الفرنسي، فهو أول أجنبيّ يحصل على جائزة سيزار الفرنسية لأفضل ممثل عن دوره في شريط “هاري، صديق يريد لكم الخير” من إخراج دومنيك مول.

قبلها كان قد احتضنه المخرج مانويل بوارييه وفتح له أبواب السينما في مطلع التسعينات بأن أسند إليه أبرز الأدوار في شريط “خليلة أنطونيو”، ولكن إذا كان الفن السابع هو الذي قدمه للجمهور الفرنسي، فإن بداياته كانت على الخشبة، حيث استهل مسيرته المسرحية في أواسط الثمانينات بمسقط رأسه برشلونة، قبل أن يجيء إلى باريس ويلتحق بالمعهد العالمي للمسرح الذي يديره جاك لوكوك، حيث تعرف على خورخي بيكو.

عيش راقص

تعامل لوبيث في البداية مع فرقة فيليب جنتي، ثم ألف مسرحية أقرب إلى المونولوج سماها “نون سولوم” (لسنا وحدنا)، تجلت من خلالها رغبته في كسر الحواجز التقليدية وصياغة فن مسرحي مستحدث يواكب العصر. ثمّ كانت رحلاته عبر عدة بلدان، وعدة ألوان فنية مختلفة.

ورغم انجذابه إلى السينما بعد النجاح الذي لقيه، ظل وفيا للخشبة، وانتهى أخيرا إلى التعاون مع رفيق الدراسة خورخي بيكو لإعداد هذا العمل الطريف، تأليفا وتمثيلا وإخراجا.

أما خورخي بيكو المولود في بلنثية عام 1968، (أي أصغر من صديقه لوبيث بثلاثة أعوام)، فهو مخرج ومؤلف مسرحي، درس الفن الدرامي وفقه اللغة الإنكليزية قبل أن يحل بباريس عام 1990، حيث تدعمت مسيرته المسرحية انطلاقا من “مسافر ثابت” التي أخرجها ضمن فرقة فيليب جنتي، ثم “مهرّج على بساط الصالون” و“لحم فراشة” و”مولود وصوت”.

وفي أسبانيا أخرج “المناضلة” التي فازت بأفضل عرض في بلنثية عام 2001، وكذلك “إس” التي عرضت أول مرة في مكسيكو، قبل أن تقدم في مسرح جيرار لينش بنيو يورك.

في هذه المسرحية، تتضافر جهود الصديقين، اللذين تخرجا من مدرسة جاك لوكوك الشهيرة كما أسلفنا، لسرد حكاية صيد أيّل سوريالية، أحدهما (سرخي لوبيث) وهو البطل السارد، يعرب منذ البداية عن استعجاله ترك الحياة التي يحياها، في نوع من التحمس والرهبة، يجعله يمرّ بكل الأطوار.

نستخلص أن المتحضر ليس من نظن، فالحوار بين البطلين يتم عبر الجسد على نفس القدر الذي يتم به عبر اللسان

لقد قرّ منه العزم على ترك الشغل، وهجر بيت أهله، لأنه سئم رؤية أبيه مشدودا، كالمنوّم يجذبه مغناطيس، إلى مباريات التنس في التلفزيون، جالسا على أريكة الصالون تحت رأس أيّل محشوّ بالقشّ، لا يسمع أحدا ولا يكلم أحدا، ليجدّ في البحث. البحث عن ماذا؟ لا يدري.

لم يكن يحدوه غير رغبة في تغيير عيشته لكي يرقص ويغني، ويغيّر حتى جلده إن لزم الأمر كي يحيا حياة أخرى قد يحقق فيها ذاته. هذا البحث المضطرب عن وجود مغاير سيقوده إلى الركض خلف أنا مثالية اتخذت شكل حيوان ثديي أقرن لا يدري ما هو، ولكنه يحسّ أنه مدفوع إلى القبض عنه كلّفه ذلك ما كلّفه.

حكاية عجيبة

والثاني (خورخي بيكو) لا ينطق بحرف، من البداية إلى النهاية، لأنه هو الذي يتقمص الحيوان الغريب، حيث يظهر في هيئة إنسان ببدلة بيضاء، ولكن برأس حيوان ذي قرنين عظيمين يشبه الأيّل، ويمارس رياضة التنس، ويعبّر عن مواقفه عن طريق حركات جسده، فيبدو أحيانا خائفا غامضا، وأحيانا أخرى ممازحا ومسرورا.

تندرج المسرحية ضمن الخرافة أو الحكاية العجيبة وتنقل المتفرج منذ اللحظات الأولى إلى عالم غريب تبلغ فيه المواقف ذروتها، ليتابع سعي البطل للعثور على حيوان خرافي “له روح” (والمقصود هنا أن يتحلى بروح معنوية وأحاسيس وانفعالات)، وفي هذا دلالة عن بحث الإنسان عن ذاته وهويته عند مواجهة الآخر المختلف. وهو ما تطلب من الممثلين جهودا جسمانية كبيرة لنقل ما يضطرم في نفسيهما، سواء بالكلمة المنطوقة أو بالإيماء والحركات.

وقد أبدع خورخي بيكو في دور الحيوان الخرافي، من خلال نظراته وحركاته، لنستخلص أن المتحضر ليس من نظن. فالحوار بينهما يتمّ عبر الجسد على نفس القدر الذي يتمّ به عبر اللسان. وتبقى لعبة التنس التي يستمد منها العرض عنوانه “30 – 40” فلا فائز هنا ولا مهزوم، فقط بلوغ هدف محدّد: مواصلة الحلم والتمتع بلحظة عبثية مكثفة.

ولو أن المتفرج يمكن أن يستشف منها أن الإنسان حيوان متقلب الأطوار، فمرة يكون غير راضٍ وواثقا من نفسه، ومرة يكون تواقا لحريته، ولكنه لا يستطيع التخلص من عاداته القديمة ومن التربية التي تلقاها، ومرة أخرى يقتل الأب رمزيا، ثم يتشبه به. ومن ثمّ لا يحتاج الأيّل إلى الكلام كي يثبت لمحدثه تناقضاته، التي هي في النهاية تناقضات كل إنسان.

16