50 عاما على فيلم "قل لهم ويللي بوي هنا"

نفس ملحمي في يتميز به الفيلم بإيقاعه البطيء، ولقطاته البعيدة العامة التي توحي بأجواء أسطورية ومناظره البديعة في الصحراء والجبال وموسيقاه التي تشعر أنها قادمة من أعماق المكان.
الأحد 2019/08/04
ويللي بوي بعد عودته مع لولا

لا أحد من عشاق السينما في العالم اليوم يعرف الكثير عن المخرج والكاتب الأميركي أبراهام بولونسكي الذي توفي عام 1999 عن عمر يناهز 89 عاما، رغم أنه يعتبر أشهر المخرجين الذين دفعوا ثمن موقفهم الصلب في وجه الحملة المكارثية في الولايات المتحدة أواخر الأربعينات.

يعتبر بولونسكي Polonsky أحد مؤسسي الاتجاه السينمائي الذي أطلق عليه نقاد فرنسا “الفيلم- نوار”، وسار على هديه عدد من المخرجين الفرنسيين المرموقين مثل جان بيير ميلفيل وبيير غارنييه- ديفير وهنري جورج كلوزو وجوليان دوففيه ومارسيل كارنيه.

درس بولونسكي القانون، وكان أحد أكثر السينمائيين الأميركيين ثقافة واطلاعا وتميزا في مستواهم الاجتماعي، لكنه اتجه إلى الاشتراكية واعتنق الفلسفة الماركسية كما انضم إلى الحزب الشيوعي الأميركي رغم أنه خدم في صفوف الجيش الأميركي في أوروبا أثناء الحرب العالمية الثانية حيث عمل في قسم المعلومات الذي كان النواة الأساسية للمخابرات المركزية الأميركية.

في خضم الحملة المكارثية المسعورة ضد اليساريين في هوليوود استُدعي بولونسكي للمثول أمام لجنة التحقيق في ما أطلق عليه “النشاط المعادي” أو “غير الأميركي”، لكنه رفض التعاون مع اللجنة أو تزويدها بأسماء اليساريين داخل هوليوود، بل أدان اللجنة وشجبها ودافع عن الحق الذي يكفله الدستور للفرد في اختيار الفكر الذي يراه مناسبا، وكان أن وضع في “القائمة السوداء” الشهيرة ومنع من العمل في هوليوود منذ عام 1948 أي بعد أن أخرج فيلمه الأول الشهير “قوة الشر” Force of Evil الذي يعتبر أحد كلاسيكيات السينما الأميركية ونموذجا مثاليا لـ”الفيلم- نوار” وإن كان يدور في سياق اجتماعي واضح.

على العكس من رفيقه في الحزب إيليا كازان، الذي وشى بزملائه وأعطى لجنة مكارثي الكثير من الأسماء، ظل بولونسكي وفيا لمبادئه حتى اللحظة الأخيرة في حياته
على العكس من رفيقه في الحزب إيليا كازان، الذي وشى بزملائه وأعطى لجنة مكارثي الكثير من الأسماء، ظل بولونسكي وفيا لمبادئه حتى اللحظة الأخيرة في حياته

ظل بولونسكي ممنوعا من العمل لكنه كان يكتب السيناريوهات لعدد من الأفلام لحساب غيره من الكتاب الذين كانوا يضعون أسماءهم عليها بالاتفاق معه، وذلك من أجل الحصول على مبالغ مالية تكفل له الاستمرار في الحياة. ومن أشهر هذه الأفلام “ماديغان” الذي أخرجه دون سيغل عام 1968، لكن بولونسكي رفض فيما بعد، رغم إلحاح الصحافيين عليه، أن يعترف بأسماء هذه الأفلام وهي كثيرة، حتى لا يسيء إلى الكتاب الذين وافقوا على وضع أسمائهم عليها، وهو موقف نبيل في دعمه وقت الشدة.

 وعلى العكس من رفيقه في الحزب إيليا كازان، الذي وشى بزملائه وأعطى لجنة مكارثي الكثير من الأسماء، ظل بولونسكي وفيا لمبادئه حتى اللحظة الأخيرة في حياته. وعندما التقى مصادفة داخل مصعد في مبنى معهد كان ذاهبا لإلقاء محاضرة فيه، برفيقه القديم المخرج إدوارد ديمتريك عام 1988، اشتبك معه بالأيدي، فقد كان ديمتريك أحد من ضمتهم قائمة “العشرة الكبار” في هوليوود الذين نالوا أحكاما بالسجن بسبب اتهامهم بتخريب السينما الأميركية عن طريق ما قيل عن “حشوها بالدعاية الشيوعية”، لكنه قضى عاما في السجن ثم خرج ليغادر إلى بريطانيا وأخرج هناك ثلاثة أفلام قبل أن يعود إلى الولايات المتحدة عام 1951 ويتطوع بالشهادة ضد زملائه والوشاية بنشاطاتهم النقابية خلال الموجة الثانية من الحملة المكارثية، مقابل أن يُسمح له بالعودة للعمل في هوليوود.

ظل بولونسكي وفيا لأفكاره ومعتقداته حتى وفاته في نفس عام وفاة ديمتريك 1999، وعندما حصل إيليا كازان على جائزة الأوسكار الشرفية عن مجمل أعماله احتج بولونسكي على ذلك لدى الأكاديمية الأميركية لعلوم وفنون السينما، وصرح على سبيل المبالغة بأن كازان لا يستحق التكريم بل يجب إطلاق الرصاص عليه وإنه ربما يفعل ذلك!

مضت 12 سنة منذ منع بولونسكي من الإخراج. وعندما عاد إلى السينما عام 1969 كان من أوائل من قدموا صورة إنسانية معتدلة للسكان الأصليين لقارة أميركا الشمالية الذين أطلق عليهم “الهنود الحمر”، وذلك في فيلمه “قل لهم ويللي بوي هنا” الذي دخل تاريخ السينما باعتباره الفيلم الأول والأخير الذي يكتبه ويخرجه بولونسكي بعد سنوات العقاب، وأصيب بعده بنوبة قلبية مما دفع الأطباء لنصحه بالكف عن العمل إنقاذا لحياته. وقد التزم هو بهذه النصيحة (على العكس من أوليفر هاردي الذي لم يمتثل) واعتزل العمل إلى أن توفي.

مطاردة صحراوية

نظرات الحزن والبندقية خالية
نظرات الحزن والبندقية خالية

“قل لهم ويللي بوي هنا” Go Tell Them Willie Boy is Here كتب له بولونسكي السيناريو عن كتاب “ويللي بوي.. مطاردة صحراوية” تأليف لاري لوتون عن واقعة حقيقية. ويمكن اعتباره فيلما من نوع “الويسترن” المعدل أي الذي لا يقوم على البطولة والمبارزات والبحث عن الذهب والثراء والصراع بين المغامرين الأفراد في الغرب الأميركي، فعالم الويسترن يتمثل في التضاريس والشكل الخارجي والصيغة العامة للأحداث، لكن هذه مجرد صيغة للتحايل لتمرير الرسالة السياسية فالفيلم سياسي بامتياز، يعبر فيه بولونسكي عن أفكاره الليبرالية تجاه “الهنود الحمر” الذين تعرضوا للإقصاء والتصفية على أيدي الأميركيين البيض.

ورغم ذلك لا يخلو الفيلم من مطاردة بين نائب الشريف “كوبر” (روبرت ريدفورد) والهندي الأحمر الخارج على القانون “ويللي بوي” (روبرت بليك)، إلا أن الفيلم أكبر من مجرد فيلم مطاردات، فهو يصطبغ بالمجاز الذي يدور حول فكرة “التصفية” أو المجازر التي ارتكبها المستعمر الأبيض، الغريب، القادم من الخارج، من خارج البيئة الأميركية والمناخ والأرض، غازيا، لكي يستولي على أرض السكان الأصليين، ويبيد كل من يتمكن من إبادتهم ثم يعزل من تبقى منهم بعد أن أصبحوا لا يشكلون أي خطر عليه.

نحن في بلدة شبه صحراوية من ولاية كاليفورنيا عام 1909.. الهنود الحمر موجودون داخل “محمية” تشرف على إدارتها طبيبة بيضاء أرستقراطية هي “اليزابيث” (سوزان كلارك). وعندما يعود الشاب الهندي الأحمر اليافع القوي ويللي بوي إلى “المحمية” لكي يتزوج من حبيبته “لولا” (كاثرين روس) تبدأ المتاعب. فعلى الرغم من أن لولا تنحدر من أم تنتمي إلى السكان الأصليين، إلا أن والدها الأبيض يرفض بشدة أي علاقة لويللي بابنته ويهدده بالويل، وعندما يجده مختليا بها ذات مرة يحاول قتله لكن ويللي يقتله خلال دفاعه عن نفسه، ثم يهرب مع لولا عبر الغابة نحو الجبال. فقد أصبحت لولا زوجة له طبقا للتقاليد الهندية.

ويللي كان في حالة دفاع عن النفس، لكنه هندي أحمر، لذلك فذريعته غير مقبولة بل لا بد أن يكون شريرا قاتلا يتعين القضاء عليه قبل أن يشجع سلوكه باقي الهنود داخل المحمية. الطبيبة المتسلطة تضغط على نائب المأمور “كوبر” لكي يطارد ويللي ويستعيد منه الفتاة ويقبض عليه أو يقتله. لكن كوبر غير متحمس للقيام بهذه المهمة فهو يشعر بالذنب كونه وريث التصفية العنيفة للسكان الأصليين في الغرب.. لذلك لا يمضي قدما في المهمة بل يعود لكي ينضم إلى حراس حماية الرئيس الأميركي الذي يزور المنطقة ويُخشى عليه من خطر الاغتيال.

استمرار المطاردة

معاناة الحبيبين أثناء الفرار المستحيل
معاناة الحبيبين أثناء الفرار المستحيل

ما تبقى من الرجال وعلى رأسهم “كالفيرت” (باري سوليفان) المتعصب تعصبا شديدا ضد السكان الأصليين، يواصلون مطاردة ويللي. يعثرون على جثة الفتاة لولا ويعتقدون أنها إما أن تكون قد انتحرت حسب التقاليد الهندية لكي لا تصبح عقبة في طريق زوجها تعوقه عن الفرار وبالتالي النجاة، أو يكون ويللي قد قتلها لكي يتحرر من قيدها ويفر. خلال الاشتباك، يطلق ويللي الرصاص على خيول مطارديه لكنه يصيب أحد الرجال ويقتله دون قصد، فيضطر كوبر إلى العودة للقبض على ويللي. ورغم معرفة ويللي بتعاطف كوبر معه إلا أنه يدافع عن نفسه مفضلا الموت على الاستسلام لأنه يعلم مغبة استسلامه. لكنه سيلقى مصيره قبل أن تتاح له فرصة الدفاع عن نفسه لأن بندقيته كانت قد فرغت من الرصاص.

هناك نفس ملحمي في هذا الفيلم بإيقاعه البطيء، ولقطاته البعيدة العامة التي توحي بأجواء أسطورية.. ومناظره البديعة في الصحراء والجبال (تصوير كونراد هول).. وموسيقاه التي تشعر أنها قادمة من أعماق المكان.

 هذا فيلم عن الشجاعة والتضحية والمصير والموت المحتوم. والبطل- اللابطل هنا مهزوم سلفا، بسبب أصله العرقي (الأدنى)، فالكراهية نابعة من العنصرية، والعنف مدفوع بالرفض والكراهية. في أحد المشاهد يدخل بيللي حانة البلدة لتناول الشراب لكن الرجال الموجودين يسخرون منه ويتحدث أحدهم عن استمتاعه بسلخ رؤوس الهنود. كما تحلق أجواء العنف المرتقب ضد الرئيس الأميركي على أجواء الفيلم دلالة على تفشي العنف.

على الرغم من الاستقطاب الواضح إلا أن بولونسكي لا يقسم فيلمه إلى أشرار وخيرين، فالبيض ليسوا جميعا أشرارا، بدليل أن كوبر (ريدفورد) يستولي على المساحة الرئيسية من الفيلم، فهو يستنكر التاريخ الأسود لأسلافه ضد السكان الأصليين، ويعترف بذلك صراحة، كما أنه في علاقته المركبة مع إليزابيث الطبيبة المتعالية، يثأر لكرامته ويلقنها درسا قاسيا.. وهي رغم أنها تعتبره فظا متدنيا لا يليق بها أن ترتبط به، إلا أنها في ذات الوقت تشتهيه وتستسلم له، وعندما يراها وقد أصبحت في صحبة رجال الرئيس، تلعب دور السيدة الأرستقراطية التي تليق بأن تكون في صحبة علية القوم كما تقول له، يقتحم كوبر غرفتها ويغويها ثم يتخلى عنها في اللحظة الأخيرة بطريقة مهينة. إنه يبدي احتقاره لطبقتها. هنا يسقط بولونسكي أفكاره السياسية على الفيلم وعلى الحوار الذي يبدو مثلا أكبر من مستوى وعي الشخصيات الهندية. لقد جعل من الفيلم تعبيرا عن الرغبة في الثورة على عقود من الاضطهاد والتفرقة والتصفية العرقية.

استعدادات لبدء المطاردة
استعدادات لبدء المطاردة

دمغ الفيلم

ومن الطريف أن الناقدة الأميركية الشهيرة “بولين كيل” وصفت الفيلم بأنه “يحاول أن يبث رسالته الكارثية بأننا يجب أن نذهب جميعا إلى الجحيم، لأننا نستحقه” وأنه يعبر عن “كراهية النفس الأميركية” وبالتالي يندرج ضمن موجة الأفلام التي ظهرت في الستينات والتي تقول “إن أميركا تنهار وإنه ليس من الممكن الحيلولة دون انهيارها، لذلك من الأفضل أن نعجل بانهيارها وتتحقق مخاوفنا وينتهي الأمر”.

وتضع بولين كيل هذا الفيلم جنبا إلى جنب مع أفلام تلك “الموجة” التي ترفضها تماما وتحتج عليها، مثل فيلم “راعي بقر منتصف الليل” لجون شليزنغر، و”إنهم يقتلون الجياد.. أليس كذلك” لسيدني لوميت، أي أنها تدين في الحقيقة الموجة النقدية الليبرالية أو اليسارية في هوليوود التي ظهرت في أواخر الستينات وأوائل السبعينات، مع بروز حركة الاحتجاج ضد حرب فيتنام وتنامي حركة المطالبة بالمساواة بين الأجناس في الولايات المتحدة (الحقوق المدنية للسود)، وأفلام النقد السياسي (“بيان الفراولة” كمثال). وليس غريبا أن يظهر بعد فيلم بولونسكي أحد أكثر الأفلام الأميركية تصويرا لبشاعة التصفية العرقية للسكان الأصليين، أي فيلم “العسكري الأزرق” (1970) للمخرج رالف نيسلون. وهو عمل إشكالي أثار الكثير من الجدل في زمانه، ولا شك أنه يستحق مقالا مستقلا.

15