50 عاما مرت على أشهر أفلام "الويسترن اسباغيتي"

"اكتشاف التل الحزين" يستعيد مشهدا خالدا لسيرجيو ليوني، وهو موقع المبارزة النهائية في "الطيب والشرس والقبيح".
الثلاثاء 2018/12/11
شواهد أعيد إنشاؤها من أجل فيلم "اكتشاف التل الحزين"

يعتبر الفيلم الإسباني التسجيلي الطويل “اكتشاف التل الحزين” Sad Hill Unearthed اكتشافا حقيقيا من اكتشافات مهرجان القاهرة السينمائي الأخير، وقد عرض الفيلم الذي أخرجه المخرج الإسباني غيليرمو دي أوليفيرا ضمن تظاهرة “سينما الغد”.

لا يوجد من بين عشاق السينما في العالم من لم يقع في غرام فيلم “الطيب والشرس والقبيح” The Good, The Bad and the Ugly (1966) للمخرج الإيطالي الراحل سيرجيو ليوني (1921-1989)، وهو الفيلم الثالث والأكثر نجاحا من ثلاثيته الشهيرة التي بدأها بفيلم “حفنة دولارات” (1964)، ثم “من أجل المزيد من الدولارات” (1965)، وتنتمي إلى تيار “الويسترن اسباغيتي” كما أطلق عليه النقاد منذ أن بدأ الإيطاليون ينتجون مثل هذه الأفلام في أستوديوهات مدينة السينما في روما في أوائل الستينات.

روح الأوبرا

لا أحد ينسى، أو يمكنه أن ينسى، المشهد الأخير من الفيلم الذي يدور في مقبرة “التل الحزين” في منطقة قريبة من بيرغوس عاصمة مقاطعة كاسيل وليون في شمال إسبانيا.

المقبرة التي ظهرت في الفيلم كانت تحتوي على 5 آلاف مدفن على كل منها صليب، تتوسطها حلبة مستديرة، أرضيتها من الحجر، هذه المقبرة اشترك عدة آلاف من جنود الجيش الإسباني في إنشائها استجابة لرغبة المخرج سيرجيو ليوني من أجل تصوير هذا المشهد الشهير في الفيلم، عندما كانت إسبانيا تحت حكم الجنرال فرانكو.

سيرجيو ليوني لديه أسلوبه الخاص وعالمه الفريد المليئ بالدلالات الاجتماعية والسياسية
سيرجيو ليوني لديه أسلوبه الخاص وعالمه الفريد المليئ بالدلالات الاجتماعية والسياسية

عشاق السينما من بلدان عدة مثل فرنسا وإسبانيا وتركيا والولايات المتحدة وبريطانيا وإيطاليا وألمانيا كونوا جمعية خاصة لإعادة اكتشاف هذا المكان وإحيائه قبيل حلول ذكرى مرور 50 عاما على ظهور الفيلم، وهي مناسبة أرادوا الاحتفال بها بشكل عملي غير مسبوق.

وقد أخذ الجميع يخصصون يوما من عطلة نهاية الأسبوع، لمشاركة زملائهم -تطوعا- في الحفر وإزالة الحشائش والأتربة التي تكونت على مدار السنين والكشف عن الساحة المستديرة بأرضيتها الحجرية المميزة المدفونة هناك، بعد أن تراكم فوقها عبء السنين منذ أن صُممت خصيصا لذلك المشهد الخالد.

وكان المتطوعون يستخدمون المعاول والجرافات اليدوية الصغيرة في جهد شاق، كما قاموا بحفر المدافن الـ500 في المقبرة التاريخية الخالية من الجثث وتركيب الشواهد والصلبان فوقها، وجاء تمويل المشروع الذي يعكس حب هؤلاء الشباب لأفلام سيرجيو ليوني، وهذا الفيلم بوجه خاص، من حصيلة بيع نقش اسم كل من يتبرع بـ15 دولارا، على أحد الصلبان، وأصبحت “مقبرة التل الحزين” هي المقبرة الأولى في العالم -كما يقال- “التي يمكنك أن ترى فيها مكانا مخصصا لك محفورا عليه اسمك”.

في بطولة الفيلم كان كلينت إيستوود (يقوم بدور الطيب) ولي فان كليف (الشرس) وإيلي والاش (القبيح)، يتواجه الثلاثة في ذلك المكان المقفر المحاط بالمدافن المحفورة في مرتفعات خضراء، ويهبطون للنزال بالمسدسات في الحلبة المستديرة ذات الأرضية الحجرية.

يتمكن إيستوود أولا من التخلص من فان كليف وإقصائه عن المشهد، ثم يطلق رصاصة فتطيح بالمسدس من يد القبيح، وبدلا من قتله يقول له عبارته التي صارت أيقونة محفورة في ذاكرة الملايين “في هذا العالم نوعان من البشر يا صديقي، من لديهم مسدسات محشوة، ومن يحفرون، وأنت عليك أن تحفر”.

يهرب والاش ويجري ويظل يجري فزعا بين المقابر وهو مذعور، يحاول البحث عن مخرج، ولكن بلا طائل ففي نهاية المطاف يجد نفسه وقد اصطدم بشاهد حجري لمقبرة منقوش عليها اسمه، ويتعين عليه أن يحفر قبره بيده قبل أن يلقى مصيره.

هذا المشهد يستغرق عشر دقائق على الشاشة، خلافا لما كان سائدا في أفلام الويسترن الأميركية حيث لم تكن المبارزة تتجاوز نصف دقيقة، أما عند سيرجيو ليوني فقد أصبح المشهد أقرب إلى روح الأوبرا، فالكاميرا تدور في حركة دائرية حول الحلبة، وترتفع الموسيقى معها بحيث تمنح الإحساس بالفضاء وبالحركة الدائرية، وكأننا أمام رقصة، وكما لو كان القدر متمثلا في “البطل” ينزل العقاب النهائي بالقبيح والشرير.

ثورة سينمائية

فيلم أحدث ثورة في الويسترن وتقاليده
فيلم أحدث ثورة في الويسترن وتقاليده

ينقسم فيلم “اكتشاف التل الحزين” إلى عدة مفاصل ينتقل في ما بينها في سلاسة وتدفق، ومن خلال إيقاع يشبه إيقاع أفلام ليوني نفسها: أولا مغامرة عشاق الفيلم والمشهد الشهير الذين يعتمدون على سواعدهم وإمكانياتهم البسيطة في إعادة إحياء الأسطورة، وقد ظلوا لعامين يعملون إلى أن تمكنوا في يوليو 2016 من استكمال بناء المقبرة ووضع الصلبان فوق مدافنها، وصولا إلى تمثيل المشهد أمام حشد من عشاق الفيلم من جانب ثلاثة من الممثلين الإسبان، ثم عرض الفيلم نفسه على شاشة في نفس المكان في اليوم الموافق لمرور خمسين عاما على تصويره.

ويدور المفصل الثاني حول الفيلم نفسه، كيف صُور وكيف ساهم الجيش الإسباني في تجهيز المكان لحساب ليوني وفريقه، وهنا يتضمن الفيلم الكثير من اللقطات (بالأبيض والأسود) التقطت خلال تصوير الفيلم، سواء لقطات فوتوغرافية أو سينمائية، والمفصل الثالث يشمل المتحدثين الذين ينتمون للفيلم والذين عاصروا التصوير والإنتاج وهم يظهرون في مقاطع عديدة لإلقاء الأضواء على تلك التجربة السينمائية البديعة، مع استخدام لقطات تدعم ما يتحدثون عنه، ومن أشهر هؤلاء دون شك، مؤلف الموسيقى إنيو موريكوني الذي ارتبط بأفلام سيرجيو ليوني ومنحها مذاقها الخاص.

يظهر أيضا الكاتب والمؤرخ البريطاني كريستوفر فريلينغ مؤلف الكتاب الفريد عن سينما سيرجيو ليوني (في 550 صفحة)، وهو يقول إن الكثير من أصدقائه كانوا يستغربون عندما بدأ العمل في هذا الكتاب، فقد كانوا ينظرون إلى ليوني باعتباره أحد مخرجي أفلام التسلية وليس مثل مؤلفي الأفلام في السينما الإيطالية: أنطونيوني وفيلليني وفيسكونتي وبازوليني وغيرهم.

ويضيف أنه قضى نصف عمره لكي يثبت لهم أن ليوني فنان سينمائي لا يصنع أفلاما للتسلية فقط، بل لديه أسلوبه الخاص وعالمه الفريد الذي يتضمن دلالات اجتماعية وسياسية، ويشرح كيف أحدث ليوني ثورة في الويسترن وتقاليده، فجعل كل شيء فيها يبدو أوروبيا وليس أميركيا، الملابس والموسيقى والأحذية والمعاطف الطويلة وشكل المسدسات واللقطات القريبة جدا للوجوه والعينين، واللقطات البعيدة، والإيقاع المتمهل، وغموض البطل وخلفيته ومن أين جاء وماذا يريد واهتمامه الأساسي بنفسه فهو عادة متمرد على السلطة لا يثق في “الشريف” أو “المأمور”، وغير ذلك.

فوضى التصوير

لقطة من الفيلم الأصلي "الطيب والشرس والقبيح"
لقطة من الفيلم الأصلي "الطيب والشرس والقبيح"

يتحدث في الفيلم أحد الجنود الإسبان الذين اشتركوا في بناء المقبرة، وأحد السكان الذي أنشأ في ما بعد حانة أطلق عليها اسم سيرجيو ليوني تيمنا بالفيلم، ويروي المصور سيرجيو سلفاتي أن ليوني قال له ذات يوم إنه سيعتمد عليه في تصوير مشهد تفجير الجسر من مسافة قريبة، ويضيف أنه أخذ موقعه بالقرب من موقع التفجير الوشيك بينما اختفى الجميع وأولهم ليوني الذي تحصن في مكان بعيد وأدار ظهره لكي لا يرى المشهد، وفجأة وقع الانفجار دون أن تسبقه إشارة من المخرج ببدء التصوير، فأدار الكاميرا لكي يقتنص المشهد لكنه كان قد تأخر.

ويكمل كلينت إيستوود القصة فيقول إنه وباقي الممثلين ذهبوا إلى بلدة قريبة، حيث قضوا أسبوعين هناك إلى أن انتهى فريق الإنتاج من إعادة بناء الجسر ثم عادوا للاشتراك في تفجير الجسر مجددا!

ويقول سيرجيو سلفاتي إن فريق الفيلم كان يتكون من خليط من الإيطاليين والإسبان والأميركيين والبريطانيين، وأنهم لم يكونوا يفهون بعضهم البعض لذلك كانت هناك فوضى كاملة في موقع التصوير!

ويتحدث في الفيلم المخرج الأميركي جو دانتي مخرج فيلم “الكائنات الغريبة” Gremlins وهو من المعجبين منذ شبابهم بأفلام سيرجيو ليوني، ويظهر أيضا جيمس هاتفيلد نجم فرقة موسيقى الروك الأميركية “ميتاليكا” يتحدث عن ولعه بالفيلم، ونراه في بداية الفيلم على المسرح أمام آلاف عدة من الشباب على مسرح أقيم في الهواء الطلق في السويد، ثم نعود إليه مجددا في منتصف الفيلم لنرى كيف تفتتح الفرقة حفلها الكبير بموسيقى “الطيب والشرس والقبيح” وتحديدا موسيقى مشهد المبارزة النهائية، بينما يصرخ الشباب في نشوة.

المفاجأة التي يدخرها الفيلم تتمثل في ظهور كلينت إيستوود يخاطب الحشد المتجمع قبل عرض الفيلم في عين المكان، من خلال شريط فيديو مسجل تمكن المخرج من الحصول عليه من إيستوود بعد محاولات استغرقت تسعة أشهر، وهو يخاطب أربعة آلاف شاب من عشاق الفيلم الذين تجمعوا احتفالا باستعادة المقبرة، يشكرهم ويثني على جهودهم لبعث الموقع والمشهد مجددا، ويرصد المخرج لحظات السعادة الهائلة التي شعر بها الشباب وانخراط البعض منهم في البكاء من شدة التأثر، وهم يشاهدون بطلهم الأسطوري الذي لم يتمكن من الحضور بنفسه، وهو يتحدث إليهم مباشرة.

“اكتشاف التل الحزين” ليس مجرد فيلم، بل مغامرة حقيقية في اكتشاف ما وراء ذلك الخيال الذي رسخ في الذاكرة عن فيلم أصبح الآن من كلاسيكيات السينما المعاصرة.

"اكتشاف التل الحزين" مغامرة حقيقية في تتبع ما رسخ في الذاكرة عن فيلم "الطيب والشرس والقبيح"
"اكتشاف التل الحزين" مغامرة حقيقية في تتبع ما رسخ في الذاكرة عن فيلم "الطيب والشرس والقبيح"

 

16