55 شهرا وبعد

الأربعاء 2015/08/05

كنت في حوار مع مسؤول تونسي حول موضوع الفساد الذي يشغل اهتمامه، فسألته: لماذا لا تخصصون جائزة لأفضل مؤسسة في مجال الحوكمة الرشيدة ومقاومة الفساد؟ وكان جوابه واضحا: فكرنا في الأمر، ولكننا لم نجد مؤسسة واحدة يمكن أن تكون خالية من الفساد والمفسدين.

تحدثنا عن بعض منظمات المجتمع المدني ودورها التدميري في البلاد وعلاقاتها المفضوحة بمصالح الدول الغربية، فكان أن سمعت منه ببساطة وهو المسؤول: إذا كانت الدولة تنفذ خيارات الغرب، ومسؤولوها ينفذون أوامر الغرب، والشعب يعيش على قروض الغرب، فكيف ستلوم بعض المنظمات والجمعيات واللوبيات التي تخدم مصالح الغرب؟

تحدثنا عن الإرهاب، فقال: هو موجود بيننا ويتحرك معنا في الشوارع ولكن لا أحد يستطيع مواجهته لأنه بات جزءا من منظومة الدولة بعد الثورة المباركة. سألته عن استقلالية القرار الوطني، فضحك وقال: دون تعليق.

سألته عن السياسة الخارجية، فقال: إلى حد الآن هي شغل هواة، ولكن بالتأكيد ستتحسن مستقبلا ولكن دون الإخلال بالتوازن بين المحور الإخواني الأردوغاني والمحور العقلاني الاتزاني. سألته عن العمل والإنتاج فردني إلى دراسة تؤكد أن التونسي يعمل بمعدل ثماني دقائق في اليوم.

سألته عن الأسعار قال: من نار، قلت: والحريات؟ قال: إلى حد الانفلات، قلت: والخدمات؟ قال: ضربتها الأزمات، قلت: كيف يبدو لك المسؤولون؟ قال: ثلاثة أرباع وقتهم يخصصونها للرد على إشاعات تويتر وفيسبوك، قلت: والمعارضون؟ قال: في كل واد يهيمون، سألته عن البطالة فقال: زادت بكثير، وعن الرشوة فقال: إن أحدث دراسة تقول إن 27 بالمئة من التونسيين تعرضوا إلى عمليات فساد بعد الثورة، وأن الموظف الإداري هو المتسبب في تفشي الرشوة في الإدارة بنسبة 56 بالمئة، إذ يحتل قطاعا الأمن والجمارك صدارة القطاعات المعنية بالفساد الصغير، يليهما قطاعا القضاء والصحة ثم الجماعات المحلية ثم البنوك ثم قطاع التأمين ثم قطاع الرياضة يليه التعليم والأحزاب والإعلام والنقابات، سألته عن السجون فقال: أضحت الأكثر اكتظاظا على الصعيد الدولي.

عندما انطلقت شرارة ما يسمى بالربيع العربي من تونس، انطلقت الأصوات من كل جانب تتحدث عن الثورة العظيمة والجماهير البطلة، والدولة التي ستتقدم، والمجتمع الذي سيتطور، والفساد الذي سينتهي، والدكتاتورية التي ستزول، والشعب الذي سيعيش في نعيم والمواطن الذي سيعرف كل أشكال النغنغة والانبساط، والديمقراطية التي ستعم، والعقلانية التي ستسود، والعدالة التي ستتحقق، والأسعار التي ستنخفض، والرواتب التي سترتفع، والرشوة التي ستنتهي، ولكن لا شيء من ذلك حصل بعد 55 شهرا من الإطاحة ببن علي. قال لي المسؤول: الشعب ربح فقط القدرة على قول آه وهذا لعمري إنجاز عظيم.

24