64 فنانا تشكيليا يقيمون معرضا استثنائيا في السعودية

الفن يقترن دائما بالحرية، لكنها حرية مسؤولة تقتحم مناطق عديدة لتفتحها لمتلقي العمل الفني. الفنون التشكيلية من أبرز الفنون التي لا تؤمن إلا بالحرية، حرية اللون والحركة والعوالم التي تقتحمها ريشات الفنانين بالأضواء، أضواء تبعث الحياة في كل جزء مهمل وبعيد، وتقرّب العالم إلى جمهورها. وفي هذا الإطار يندرج المعرض التشكيلي السنوي الذي تقيمه جماعة الفن التشكيلي بالقطيف، والذي توقف هذا العام قبل بلوغه موعد ختامه بأيام.
الخميس 2017/05/04
أعمال متنوعة من داخل السعودية وخارجها

تفاجأ الجمهور التشكيلي السعودي بخبر توقف المعرض التشكيلي السابع عشر الذي تقيمه جماعة الفن التشكيلي بالقطيف (شرق السعودية) في صالة الفنون بمركز الخدمة الاجتماعية بالقطيف، في يومه السادس، حيث كان من المقرر أن يستمر المعرض حتى السادس من مايو. وفي اتصال مع المشرفين على المعرض أشاروا إلى أن هذا التوقف جاء اعتراضاً منهم على سياسة المركز التي فرضت عليهم أن يخصصوا يوماً للرجال ويوماً للنساء، تحت ذريعة منع الاختلاط بين الجنسين، الأمر الذي دفعهم إلى إقفال المعرض آملين أن تكون هذه الخطوة رسالة للمسؤولين وللمجتمع تحمل في طياتها أن الفن أكبر من هذه الأفكار التي لا تخدمه، وتسوّق صورة خاطئة عن المرأة.

وقد علمت “العرب” بأن الجماعة شكّلت في صباح يوم الأربعاء 3 مايو وفداً من الفنانين لمناقشة الأمر مع رئيس مركز التنمية الاجتماعية في القطيف نبيل الدوسري، وتوصلوا إلى أن يعاد فتح المعرض وفق شروط معينة، كان أبرزها أن يكون المعرض للعوائل رجالاً ونساءً دون تخصيص.

وبحسب مصادر مقربة من المركز فقد أبدت إدارته تخوّفها من الصور التي ظهرت في الصحافة المحلية مبينةً حضور الفنانين والفنانات في صالة واحدة أثناء المعرض، الأمر الذي دفعها لتخصيص يوم للرجال ويوم للنساء درءاً لأي مشكلة رسمية أو اجتماعية. وكانت الجماعة قد افتتحت معرضها السنوي مؤخرا محتفيةً بالفنانة التشكيلية المصرية المقيمة بالسعودية سهير الجوهري.

الاختلاف والثراء

ضمّ المعرض خمسة وستين عملاً تشكيلياً لأربعة وستين فناناً وفنانة من السعودية والبحرين وسلطنة عمان تفاوتت تجاربهم المقدمة بناء على تفاوت الأجيال التشكيلية المشاركة واختلاف المدارس التي ينتمون إليها. فقد حضرت المدرسة السريالية والتعبيرية واللوحات اللونية والكلاسيكية والأكاديمية والتركيبية والمفاهيمية والتجريدية. وقد كان متوقعاً أن يشارك أكثر من مئة فنان وفنانة في هذه الدورة غير أن لجنة الفرز والتقييم استبعدت أعمالاً كثيرة لأسباب واشتراطات فنية بحتة.

المعرض يمثل احتفالية كبيرة على المستوى الفني والثقافي، ويقدم للزوار برامج ثقافية وفنية وبصرية ثرية

وقد شارك من الرعيل القديم الفنانون السعوديون عبدالله المرزوق وعبدالعظيم شلي ومجيد الجاروف ومنير الحجي، كما شاركت أسماء فنية لها حضورها البارز خلال السنوات الماضية، مثل زهرة المتروك وغادة الحسن وبشار الشواف وحسين حبيل ودلال الجارودي وسعاد أوخيك وسيما عبدالحي وعباس آل رقية وجاسم الضامن وحسين المصوف وسكنة حسن وعواطف آل صفوان وصفية آل طلاق وليلى نصرالله ومحمد الحمران ومهدية آل طالب وآخرين. كما حضر في هذه الدورة أيضاً كل من الفنانين السعوديين إبراهيم الخبراني من جازان وأحمد الفيفي من فيفا، وأحمد البار من المدينة المنورة، وسامي الحسين وعلي المقرب ومريم جمعة من الأحساء، بالإضافة إلى مشاركة فنانين من مملكة البحرين وهم عباس الموسوي وسيما باقي وشهزلان الحسيني، ومن سلطة عمان سعيد العلوي.

ويؤكد المنظمون أن هذا التنوّع يتيح للفنانين الجدد مشاهدة أعمال الفنانين المحترفين من خارج السعودية ومن داخلها للتعرف على تقنيات الفن ومدارسه الحديثة واشتغالاته المختلفة، بالإضافة إلى الوقوف على طبيعة التجارب المحلية والعربية.

وهذا من شأنه أن يفتح آفاقاً واسعة للتبادل الثقافي والمماحكة الفنية، الأمر الذي يدفع فناني المنطقة إلى توسيع مداركهم وخبراتهم.

وفي كلمة لرئيس جماعة الفن التشكيلي بالقطيف الفنان محمد الحمران أعرب فيها عن امتنانه للفنانين المشاركين مع الجماعة التي تأسست عام 1996. وأوضح أنه “في هذا العام اختار القيمون على الجماعة نخبة من الفنانين والفنانات من أجيال مختلفة. حرصت على انتقاء أعمالهم بعناية للظهور بمستوى مشرف يليق بمضي عشرين عاماً على تأسيس الجماعة، حيث أصبح اليوم الكل حريصاً على أن يلقى عمله القبول والتواجد بصالة العرض”.

برنامج ثقافي

عن تجربة الجماعة في هذه الدورة يقول الفنان عبدالعظيم شلي لـ”العرب” إن “الجماعة تسعى سنوياً للخروج من إطارها المناطقي لفضاءات أكثر رحابة، حيث شهد المعرض خلال السنوات الماضية مشاركات من خارج المنطقة ومن خارج السعودية أيضاً، وذلك بتكريم ومشاركة لفنانين أصحاب تجارب مميّزة كان آخرها تجربة سامي الحسين في العام الماضي، وتجربة الشهيد الفلسطيني رماح الحسيني في الدورة الخامسة عشرة”.

التنوع يتيح للفنانين الجدد مشاهدة أعمال الفنانين المحترفين

من جهته شكر الفنان العماني سعيد العلوي كل من ساهم في انعقاد المعرض مخصصاً شكره لمحمد الحمران وعلوي الخباز؛ إذ كان لهما الدور الكبير في مشاركته. وأشار العلوي إلى أن التجارب التشكيلية والفنية في القطيف منفتحة على الفنون المتنوعة بشكل كبير، حيث يتعامل الفنانون مع تجارب ومدارس عالمية بطرح مختلف له بصمته المحلية الخاصة، وهذا الأمر -بحسب العلوي- أعطى المعرض تميزاً يتناسب مع تاريخه الممتد لعقدين متتاليين.

وتحت عنوان “طائر بين وطنين” أطلقت جماعة الفن التشكيلي فيلماً وثائقياً عن حياة الفنانة المصرية سهير الجوهري التي استقرت في القطيف لأكثر من أربعين سنة معلمة ومشرفة على تدريب الفنانات، من خلال دورات أقامتها قبل تأسيس الجماعة، الأمر الذي جعل منها المعلمة الأولى لجيلين فنيين، حيث حذت طالباتها السعوديات حذوها في الرسم وفي إقامة دورات تدريبية.

الفيلم يحكي جانباً من حياة الجوهري من ميلادها سنة 1937 إلى يومنا الحاضر، مروراً بأهم محطات عمرها، والأثر الكبير الذي أوجدته في الحركة التشكيلية الفنية النسائية بالمنطقة، حيث تم تصوير الفيلم بين السعودية ومصر تحت إدارة فريق عمل مكوّن من الفنانين عبدالعظيم شلي والأخوين سعيد وحسين الجيراني.

وحرص المنظمون على مدى سبع عشرة دورة على أن يكون المعرض احتفالية كبيرة على المستوى الفني والثقافي، لذا عملوا بجد على جدولة برامج ثقافية وفنية وبصرية ثرية للزوار، فقد احتضن المعرض العديد من ورش العمل الفنية والحرفية التي امتدت بشكل يومي طيلة أيام الافتتاح العشرة، وكان من بينها: حفل تكريم للفنانة المصرية سهير الجوهري، ومحاضرة لها بعنوان “ألق الروح وبوح الريشة”، ورسم مباشر للفنانة أمينة طلاق، ومحاضرة عن الخط العربي قدمها الخطاط حسن رضوان بعنوان “الخط العربي رؤى متجددة”، ومحاضرة أخرى عن “الفن الرقمي بين الفكرة والتقنية” لعلي الجشي، وورشة عن “الرسم على الحرير بتقنيات متعددة” للفنانة زهرة البناي، و”تركيب الفن” لكل من الفنانين بشار الشواف وصلاح الناصري، بالإضافة إلى تنظيم يوم مفتوح مع الفنانين المشاركين.

15