أسئلة الأطفال الوجودية، كيف نرد عليها

سؤال تربية الأطفال، أجبت عليه بأن الأم لا تحتاج دروسا لتربية أبنائها، لأن الطبيعة زودتها بكل ما تحتاجه من أجل ذلك، وكل ما عليها فعله هو الإنصات إلى قلبها.
الخميس 2018/02/22
السعادة شيء يتجاوزنا إلى غيرنا

 يفاجئني ابني الصغير دائما بأسئلة غريبة لا أدري كيف تخطر له على بال، من قبيل: لو كنا ثلاثتنا، أنا وأنت وأخي الأكبر في قارب واضطررت لإلقاء واحد منا في البحر لينجو الإثنان، بمن تلقين؟

ومرة سألني: إذا كانت سعادتك تعني شقاء الآخرين من حولك، ماذا تختارين؟ أن تكوني سعيدة ويشقى الذين تحبينهم، أم تعيسة ويسعد الذين تحبينهم؟ وعندما كنا في أحد الأيام نجلس حول طاولة الأكل نأكل في صمت، فاجأني قائلا: أين تعلمت تربيتنا؟ وكان ذلك تقريبا أغرب سؤال وأكثره غموضا، يوجهه لي على الإطلاق!

وطبعا أستنفر في كل مرة ذكائي ومهاراتي للإجابة على أسئلته التي تبدو أحيانا مستحيلة وتراجيدية إلى حد بعيد، ومجرد تصور الموقف الذي يضعني فيه يشعرني بحيرة وجودية لا حد لها، لكنني أتحايل عليها بطريقة ما، وأحاول أن أجيب بما يسكت في داخله الحيرة أو القلق مبعث السؤال.

في حالة القارب مثلا أجبت، بأن الأمهات لا يمكن أن يلقين بأبنائهن إلى الموت مهما حصل وأيا كانت الضغوط والظروف لأن هذا التصرف ضد الطبيعة البشرية، وإنني على الأرجح، سألقي بنفسي لينجو الطفلان، وسيكون ذلك رد فعل بديهي وطبيعي لا يحتاج مني لحظة تفكير واحدة.

وفي حالة سعادتي مقابل شقاء الآخرين أجبت بأن المعادلة لا يمكن أن تصدق أبدا، لأنه من الصعب أن أكون سعيدة إذا كان الذين أحبهم يشقون، أو أن يسعد الذين يحبونني إذا كنت أشقى، وقلت إن السعادة شيء يتجاوزنا إلى غيرنا، ونحن نستمدها من الأشخاص والأشياء الذين يعنون لنا الكثير، وبالتالي فهي وإن بدت شعورا داخليا بالراحة والاطمئنان والمحبة، إلا أن شعاعها يأتي من الخارج، لأن رؤية أحبائنا يشقون كفيلة بأن تجعلنا نشقى مهما كنا سعداء والعكس صحيح.

سؤال تربية الأطفال، أجبت عليه بأن الأم لا تحتاج دروسا لتربية أبنائها، لأن الطبيعة زودتها بكل ما تحتاجه من أجل ذلك، وكل ما عليها فعله هو الإنصات إلى قلبها، وضربت مثلا بالقطط والكلاب التي لا تملك عقولا على الإطلاق لكنها تربي أبناءها وتحميها وتوفر لها الأكل والمأوى إلى أن تكبر وتستقل بحياتها.

أطلب أحيانا مهلة للتفكير في سؤال ما، فلديّ اعتقاد راسخ بأن الإجابة على هذه الأسئلة تحديدا مهمة جدا بالنسبة له، لسبب أحسه ولا أدريه.

بعد كل سؤال من هذا النوع، وهي ليست كثيرة والحمد لله، وتأتي على فترات متباعدة، أجد نفسي أفكر في الدافع من ورائها: من أين تأتي هذه الأسئلة؟ هل هي اختبار لأمومتي مثلا؟ هل هي تحسس لفكرة العدل في قلوب الأمهات؟ هل هي تحدّ لي، امتحان لذكائي، وبالتالي لجدارتي بمسؤولية ضخمة في حجم الأمومة؟ هل يشعر بالظلم مثلا؟ بتحيز ما؟ هل هناك ما يحركها أم أنها مجرد نقاط استفهام كبرى تدور في رأسه، وتبحث عن إجابة، مثل مفاهيم الموت والحياة والخلق والبعث وغيرها؟

لم أحاول أن أسأله عن مصدرها، مخافة أن يتوقف عن طرحها، وظني أنه لا يملك إجابة أيضا، ولم أحاول أن أرجعها إلى أحداث ومواقف في حياتنا، لكنني أسأله أحيانا بشكل مباشر، ونحن نتمدد بجانب بعضنا في الفراش وننظر إلى السقف، إن كان يجد نفسه سعيدا، وإن كان هناك شيء أستطيع أن أفعله لتكتمل سعادته؟ فيجيب دائما بأنه يشعر بأنه طفل سعيد جدا ومحظوظ بوالديه وأسرته، ومرة قال جملة أذابت قلبي من يومها ولم تتوقف “بعد أن أموت وأبعث من جديد في بطن أم أخرى، سأهرب منها وأعود إليك”.

21