أموال النذور المنجية للمصريين لم تسلم من ملاقط اللصوص

تتلهف الأسر من مختلف الطبقات على المساجد خصوصا في أيام الاحتفال بموالد الأولياء الصالحين وهي أيام الرخاء بالنسبة للمحتاجين. النذور أيضا ليست بعيدة عن أيادي اللصوص، وتتعرض للسرقة تارة من عمال المساجد وتارة أخرى من اللصوص.
الجمعة 2018/02/23
إجراءات صارمة على صناديق المال

القاهرة- إذا كانت النذور هي المنجية في اعتقاد بعض المسلمين ممن أوجبوا على أنفسهم تقديمها دون تكليف شرعي، كي يقتات منها غيرهم من الفقراء والمحتاجين، فإن صناديق النذور الموجودة في بيوت الله لا تسلم من أيادي اللصوص الذين يتسللون ليلا لسرقتها دون مراعاة لحرمة المساجد.

تخفي صناديق النذور الموجودة في بعض مساجد مصر ما لا يخطر على البال، ولكل ورقة من أوراق النقود المطوية داخلها حكاية خاصة، إما لأم عاهدت نفسها على التبرع بمبلغ مالي إذا رزق الله ابنتها بزوج مناسب بعد أن تخطاها سن الزواج، أو لعجوز أراد أن يضع قطعة ذهبية قربانا إلى الله، كي يمن عليه بالشفاء من مرض عضال، بعد أن يئس من التردد على عيادات الأطباء.

ووفقا لبيانات صادرة عن وزارة الأوقاف المصرية، بلغت حصيلة أموال النذور من مشغولات ذهبية وعملات مصرية وأجنبية نحو 20 مليون جنيه (ما يعادل مليونا ومئة ألف دولار)، بزيادة بلغت 4 ملايين (نحو 250 ألف دولار) عن العام الماضي.

وتضع وزارة الأوقاف المصرية لائحة خاصة لتوزيع أموال النذور، وكشف رئيس القطاع الديني بالأوقاف الشيخ جابر طايع لـ”العرب”، أن الوزارة تحصل سنويا على 90 بالمئة من أموال النذور، بينما تحصل مشيخة الطرق الصوفية على 10 بالمئة، ويتم فتح صناديق النذور مرة كل شهر، وفي أثناء الموالد والمناسبات الدينية تفتح أكثر من مرة.

ووفقا لتصريحات طايع، يحصل أئمة ودعاة المساجد على نسبة أيضا، تتراوح بين 100 و300 جنيه مصري (18 و36 دولارا)، موضحا أن وزارة الأوقاف وضعت ضوابط شديدة لاختيار العاملين بمساجد النذور، وذلك من خلال مسابقات واختبارات متعددة، واقتصرت مدة العمل فيها على أربع سنوات، كي يستفيد أكبر عدد ممكن من الدعاة من الامتيازات المالية التي تعود من النذور.

ينذرون المال مقابل فرج كربهم
ينذرون المال مقابل فرج كربهم

يوجه جزء من هذه الأموال إلى الإنفاق على صيانة وتجديد المساجد، وتقديم مساعدات عينية ومالية شهرية للمحتاجين، وهناك نذور عينية مثل الأجهزة الكهربائية والسجاد والأقمشة وغيرها، يتم حصرها في دفتر خاص وتبقى عهدة لدى عامل المسجد.

وأشهر وأكبر مساجد النذور في مصر هي الحسين والسيدة نفيسة والسيدة زينب بالقاهرة، وأيضا المرسي أبوالعباس في الإسكندرية، والسيد البدوي بمحافظة الغربية بدلتا مصر شمالا، وإبراهيم الدسوقي بمحافظة كفر الشيخ غربا، وعبدالرحيم القنائي في صعيد مصر.

تتلهف الأسر المصرية من مختلف الطبقات والثقافات على هذه المساجد، خصوصا في أيام الاحتفال بموالد الأولياء الصالحين، وهي أيام الرخاء بالنسبة للمحتاجين والفقراء، أما المتسولون من محترفي التردد على الموالد لجمع الأموال فيعتبرون هذه الأيام مواسم الحصاد.

في مسجد السيدة زينب، أحد أشهر مساجد القاهرة، كانت لـ”العرب” جولة رصدت فيها مشاهد للمرابطين أمام أبواب المسجد في انتظار الانفراجة، مرددين كلمات صوفية منها “صلي على النبي” و”أرزقنا يا نصير المحتاجين”، وتعرفت عن قرب على حكايات مختلفة لواهبي النذور.

من أمام الصندوق النحاسي الموجود في ساحة المسجد، روى أحمد رضا أنه تعلق بزيارة ضريح السيدة زينب (بنت علي بن أبي طالب)، منذ سنوات الطفولة، مضيفا أن طبيعة عمله بالتجارة تجعله ينذر المال في أيام الرواج وزيادة الأرباح.

وأضاف الشاب الثلاثيني أنه قد نذر التبرع بمبلغ مالي مع زيادة الأرباح، ويرى أن النذور النقدية أفضل من النذور العينية، لأن الجهات المسؤولة هي المعنية بتوزيع أموال الصناديق وتوجيهها إلى أمكانها الصحيحة.

للخلافات الزوجية وكثرة إلقاء يمين الطلاق من بعض الأزواج، نصيب كبير في صناديق النذور، وهو ما أكده تامر شوقي، الذي جاء خصيصا من محافظة السويس للوفاء بنذر أوجبه على نفسه.

موضحا أنه اعتاد على أن يحلف بالطلاق، ولأنه خشي أن يكون قد تجاوز مرات الطلاق الثلاث، جاء إلى لجنة الفتوى بالقاهرة، ونصحه الشيخ بكفارة اليمين وهي إطعام 10 مساكين، لكنه قرر أن يضع تكلفة ذلك في صندوق النذور. في منطقة أخرى حيث مسجد الحسين بالقاهرة الفاطمية، حمل أحد الآباء طفله الصغير كي يتمكن من وضع مبلغ مالي في صندوق النذور.

وأوضح الأب علي منصور أنه دائم التردد على مسجد الحسين للوفاء بالنذر، مشيرا إلى أنه يحرص على اصطحاب طفله محمد، لأنه نجله الوحيد الذي أنجبه بعد 10 سنوات من الزواج، ذاق خلالها وزوجته مرارة التردد على المستشفيات، وإجراء عمليات الحقن المجهري، وكان يتردد وقتها على مسجد الحسين، وأوجب التبرع بجزء من راتبه الشهري عندما يرزقه الله بطفل.

في المسجد يلتقي الفقراء وأهل الكرم
في المسجد يلتقي الفقراء وأهل الكرم

تعددت الأسباب والهدف واحد بالنسبة للقادرين وهو التقرب إلى الله والوفاء بالنذر، أما المحتاجون فلا يبارحون صحون المساجد قبل أن يسدوا جوع بطونهم الخاوية، وأمام المدخل المخصص للنساء في مسجد السيدة عائشة بالقاهرة قدمت إحدى المريدات واسمها فايزة حسن، عددا من أرغفة الخبز المملوءة باللحم والأرز، وطلبت منه توزيعها على الفقراء.

وجاءت السيدة الخمسينية للوفاء بنذر تؤديه كل يوم جمعة، أوجبته على نفسها بعد أن شفاها الله من الإصابة بورم خبيث، وقد نذرت وقتها إطعام 10 مساكين أسبوعيا إذا منّ الله عليها بالشفاء، وهو ما تواظب عليه منذ عام تقريبا.

تتواجد بعض الأسر الفقيرة أمام أبواب المساجد، من أجل الحصول على وجبة طعام، ومن بينها عبدة أحمد، وهو رجل خمسيني جاء من محافظة البحيرة بدلتا مصر، بادرنا هو بالحديث وكأنه ينتظر من يستمع إلى همومه، وقال إنه ينام في محيط المسجد ولا يملك أي أموال لاستئجار ولو غرفة واحدة، ولفت إلى أنه جاء من قريته للبحث عن عمل، لكنه لم يجد العمل المناسب لسنه المتقدمة.

ويستغل البعض وجود هؤلاء المحتاجين، وهو ما اتضح من حديث العجوز كاشفا أنه ذات مساء جاء أحد الأشخاص أمام المسجد، وقام بتوزيع وجبات فاخرة على جميع الموجودين، وبعدها فوجئوا بأنه طلب منهم المشاركة في تمثيل مشهد لأحد الأفلام السينمائية مقابل منح كل فرد منهم مئة جنيه (5 دولارات تقريبا).

على غير المتوقع، فإن النذور أيضا ليست ببعيدة عن أيادي اللصوص، فهي تتعرض للسرقة في أحيان كثيرة، تارة من عمال المساجد المكلفين بحراستها، وتارة أخرى من اللصوص الذين يتسللون إلى المساجد ليلا، وقد تمت إحدى أغرب حالات السرقة، وفقا لما رواه أحد العمال في إحدى المساجد لـ”العرب”.

ويبدو أن هذا النوع من السرقة له محترفوه المتخصصين، فقد كان اللص يستخدم “الملقاط” في سحب العملات الورقية من فتحة الصندوق، وتم اكتشاف الأمر صدفةً، بعد أن وجدت اللجنة المكلفة بفتح الصناديق ملقاطا صغيرا داخل صندوق النذور، وتمت مراقبة العامل وضبطه متلبسا.

وللحد من هذه الظاهرة وضعت وزارة الأوقاف إجراءات شديدة لإحكام السيطرة على صناديق النذور، وزرعت كاميرات المراقبة في المساجد، كما صممت صناديق نحاسية كبيرة يتم إغلاقها بقفلين، وشددت على فتح الصناديق بوجود مجموعة أعضاء مكلفة بذلك، وهي تضم عضوا من التفتيش العام بالوزارة، وعضوا من وزارة الداخلية للتأمين، وإمام المسجد، وأحد أعضاء مجلس الإدارة، وتصور هذه العملية بالصوت والصورة.

تصوير: محمـد حسنين

20