إعادة الترجمة

أيا ما تكن غاية ترجمة الآثار إعادة ترجمتها، فالأهم في الترجمة الأدبية هو التعبير من خلال لغة الكاتب، لأن كتابة عمل روائي تخييلي.
الخميس 2018/02/22
الترجمة قراءة ترتبط بلحظتها

لماذا نعيد ترجمة بعض الآثار الأدبية؟ ألأن قراءة النص المترجم لم تعد هي نفسها، أم أن هنات شابت جهود المترجمين السابقين فوجب تداركها؟

الرأي السائد أن الترجمة قراءة، ولكنها قراءة ترتبط بلحظتها، وتختلف باختلاف زمنها، وبالتالي فقراءتنا لعمل ما بعد أعوام هي قراءة مختلفة بالضرورة، ومن هنا جاءت مشروعية إعادة الترجمة، دون أن يعني ذلك أفضلية الترجمة الجديدة على سابقاتها، بل أن قراءتنا الأولى تغيرت.

ولكن آخرين اختاروا إعادة الترجمة ليس من باب رد الاعتبار لنصوص جليلة شاعت وساد مؤلفوها كأعلام في فنون القول، وإنما من باب الأمانة العلمية، بعد أن اتضح لهم أن الترجمات السابقة لم تكن دقيقة ولا وفية، إذ حاد بها أصحابها عن أصولها، فشوهوا عمدا أو جهلا آثارا عالمية كبرى.

أثيرت هذه القضية في فرنسا بعد أن قرر أندري ماركوفيتش إعادة ترجمة أعمال دستويفكسي، وكان قد لاحظ أن من سبقوه غيروا لغة الكاتب وأسلوبه، فهذبوهما ليكونا مناسبين لذائقة القارئ الفرنسي، والحال أن الرجل كان يكتب بعنف، لا يهتم بالبنية الصرفية ولا بالتكرار.

ورغم أن ماركوفيتش (وهو فرنسي من أم روسية وأب بولندي) بيّن بالأدلة أن المترجمين تعمدوا خيانة نصوص الكاتب الروسي لجعلها “مقروءة” على حد زعمهم، فقد برز من النقاد من صرح أنه لم يستطع مواصلة قراءة ترجمة ماركوفيتش لرواية “الأبله”، والحال أن الترجمات السابقة تجانب النص الأصلي، بل وتحرّف بعض أحداثه. وهذا ما كان أكده بعض المهتمين بالترجمة الأدبية، أمثال فالتر بنيامين، وأنطوان بيرمان، وميلان كونديرا.

في كتابه “الوصايا المغدورة” مثلا، يتوقف كونديرا عند جملة لكافكا وردت في رواية “القصر”، ويبيّن أنها ترجمت إلى الفرنسية بثلاث طرق مختلفة، وبنتائج متباينة، ويورد ترجمة رابعة من وضعه تختلف عن الأخريات. ويشير في الكتاب نفسه إلى عدم احترام المترجمين رغبة المؤلف في انتهاك بنية الجملة، والتوسل بالتكرار كأسلوب فني مبتكر، كما حصل في ترجمة “الشمس تشرق أيضا” و”الفردوس المفقود” لهمنغواي اللتين تقومان أساسا على تقليص المفردات وتكرار الألفاظ نفسها في الفقرة الواحدة.

وأيا ما تكن غاية ترجمة الآثار إعادة ترجمتها، فالأهم في الترجمة الأدبية هو التعبير من خلال لغة الكاتب، لأن كتابة عمل روائي تخييلي، كما بيّن مارسيل بروست ثم جيل دولوز من بعده، هو تعبير بواسطة نوع من اللغة الأجنبية التي لا يقدر أن يمنحها الحياة سوى المؤلف. فعندما نترجم فوكنر، لا نترجم اللغة الإنكليزية بقدر ما نترجم أسلوب فوكنر.

15