اكتشافات الغاز تعيد رسم خارطة القوى شرق المتوسط: مصر تحجز مكانة متقدمة

إسرائيل تستأجر البنية التحتية المصرية لتسييل الغاز ونقله لعملائها في أوروبا، والصفقة تتيح فرصة جيدة لأوروبا من حيث تنويع مصادر استيراد الغاز الطبيعي بعيدا عن روسيا.
الجمعة 2018/02/23
استيراد الغاز وتسييله وتكريره ومده في الخطوط إلى أوروبا سيكون بمقابل مادي

القاهرة - نظر صانعو القرار في مصر إلى فوائد الصفقة بين شركة دولفينوس المصرية (قطاع خاص) ومجموعة ديليك الإسرائيلية للطاقة من الناحيتين الاقتصادية والسياسية، فهي تضع القاهرة في بداية الطريق لتصبح مركزا إقليميا للصادرات الغازية لأوروبا، الأمر الذي يسمح لها بتعزيز دورها ومكانتها الدولية في المنطقة وضمان إيرادات إضافية كرسوم للعبور.

وشأنها شأن أي قضية، يكون فيها الجانب الإسرائيلي طرفا، أثارت هذه الصفقة جدلا كبيرا، في الأوساط المصرية، غذّاها استفزاز إسرائيلي قاده رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، الذي أسرف في مدح الصفقة ووصفها بـ“التاريخية”، الأمر الذي دفع الرئيس المصري عبدالفاتح السيسي إلى الرد بقوله إن “مصر أحرزت هدفا” من خلال هذه الصفقة.

لكنه، أضاف أن ما حدث “أمر تعاقدي بين شركات في القطاع الخاص في مصر وإسرائيل ولا دخل للحكومة المصرية فيه، وفي كل الحالات فإنها صفقة مهمة جدا في طريق تحويل مصر إلى مركز إقليمي للطاقة في الشرق الأوسط”.

ويؤكد مصدر مطلع على تفاصيل الاتفاق لـ“العرب”، أن القاهرة حققت مكسبا مهما بتوصلها إلى نقطة تفاهم مع تل أبيب بالتنازل عن قضايا التحكيم الدولي التي كانت رفعتها ضد الحكومة وحُكم لها بملياري دولار نتيجة وقف مصر تصدير الغاز إليها، لأن من بين شروط السماح للشركات الخاصة باستيراد الغاز من إسرائيل حل نزاعات التحكيم الدولي.

وكانت مصر في عام 2005 وقعت اتفاقا مع إسرائيل بتصدير الغاز للأخيرة لمدة 20 عاما بواقع 60 مليار قدم مكعب كل سنة، وفي أبريل عام 2012، قررت مصر إلغاء تعاقدها لعدم التزام الجانب الإسرائيلي بسداد الأقساط الشهرية، وعلى إثر ذلك قاضت تل أبيب القاهرة دوليا وحصلت على حكم لصالحها بتعويض مالي تخطت قيمته ملياري دولار.

يضيف المصدر أن “مصر استثمرت انهماك تركيا في معارك سياسية عديدة وقامت بتفويت الفرصة عليها، وكل ما يجري كان مخططا له بدقة بين مختلف الأجهزة المصرية”.

ويشير إلى أنه بجانب الاستفادة المادية الهائلة لمصر كونها تعد محورا ووسيطا في حركة الطاقة، فإن ذلك سيعزز من مكانتها السياسية من خلال شقين، الأول أن الدول المستوردة للغاز ستسعى لتعزيز علاقاتها معها وستعمل على تذليل الخلافات.

والشق الثاني، أن بعض الدول (المصدرة والمستوردة) ستكون مضطرة إلى مساندة مصر على الصعيدين السياسي والأمني، والمشاركة في حماية المصالح الاقتصادية للدولة التي تتحكم في البترول بمنطقة المتوسط (مصر) للدفاع عن المصالح الاقتصادية للشركاء الأجانب.

بين الاقتصاد والسياسة

محمود نظيم: القاهرة ستكون الوسيط بين الدول المنتجة للغاز والدول المستوردة
محمود نظيم: القاهرة ستكون الوسيط بين الدول المنتجة للغاز والدول المستوردة

يقول محمود نظيم، وكيل وزارة البترول المصرية السابق، إن مصر أصبحت تمتلك واحدا من أهم مصادر القوة في العالم بعد السلاح، وهو التحكم في تصدير واستيراد الغاز من شرق المتوسط إلى الدول الأوروبية.

 ويضيف لـ”العرب” أن القاهرة مستفيدة اقتصاديا لأنها ستكون الوسيط بين الدول المنتجة للغاز والدول المستوردة، وعندما تقوم باستيراد الغاز وتسييله وتكريره ومده في الخطوط إلى أوروبا، سيكون كل ذلك بمقابل مادي.

وأوضح أن تحوّل مصر إلى مركز إقليمي للطاقة في الشرق الأوسط يجعلها تشتري وتبيع بل تشارك في تحديد الأسعار، ما يحقق قيمة مضافة للاقتصاد المصري، لافتا إلى أن ذلك هو سبب جنون تركيا وتصعيدها في منطقة المتوسط.

مرجح أن تحدث صفقة الغاز تحولا جذريا في منطقة الشرق الأوسط على مستوى الاقتصاد والسياسة.

اقتصاديا، تحل الصفقة المشكلة المتبقية لتصدير الغاز الإسرائيلي إلى أوروبا، فجميع البدائل الأخرى أمامها عراقيل مالية وأمنية وسياسية ضخمة.

 وأحد البدائل المتاحة، والذي تمت الموافقة عليه من الناحية المبدئية في ديسمبر الماضي بين إسرائيل وعدد من الدول الأوروبية، هو ضخ الغاز الإسرائيلي مباشرة إلى أوروبا عبر ممر الغاز الجنوبي من خلال تنفيذ مشروع خط شرق المتوسط الذي يربط كلا من إسرائيل وقبرص باليونان عبر جزيرة كريت.

لكن يواجه هذا الخيار العديد من التحديات المالية والفنية والتجارية، منها وصول تكلفته إلى حوالي 5 مليار دولار، وهي تكلفة عالية جدا في ضوء ضآلة كمية الغاز الطبيعي التي سينقلها الخط إلى أوروبا، فضلا عن عدم سماح الوضع المالي الحالي للاتحاد الأوروبي، وفي المدى المتوسط، بالاستثمار في هذا المشروع، لأن اليونان تفتقر للبنية التحتية اللازمة من أجل تصدير كميات إضافية من الغاز الإسرائيلي، وهو الأمر الذي سوف يتطلب استثمارات إضافية لتطوير هذه البنية التحتية.

البديل آخر هو نقل الغاز الإسرائيلي إلى أوروبا، من خلال خط أنابيب إلى تركيا، ويتمتع هذا البديل، في ظل غياب القيود السياسية، بالمنطق التجاري الأفضل، لأنه الأرخص والأسرع، لكنه يمنح قبرص وتركيا السيطرة على صادرات الغاز الإسرائيلية، وهاتان الدولتان ليست لهما علاقات جيدة مع بعضهما البعض.

والبديل الثالث، هو التخلي عن نقل الغاز عن طريق الأنابيب والاعتماد على تسييله ثم نقله بالسفن إلى الأسواق الأوروبية والأسيوية، ومن هنا كان اللجوء إلى مصر،  لأنها تمتلك محطتين لتسييل الغاز الطبيعي في إدكو ودمياط، وهما حاليا في وضع الخمول نتيجة توقف تصدير الغاز الطبيعي بسبب تراجع الإنتاج وتعاظم الطلب المحلي، ولديها شبكة متطورة من خطوط الأنابيب لنقل الغاز الطبيعي.

تنويع المصادر

تتيح صفقة الغاز المصرية الإسرائيلية فرصة جيدة لأوروبا، من حيث تنويع مصادر استيراد الغاز الطبيعي بعيدا عن روسيا، ومتوقع أن تزداد الاحتياجات الأوروبية من استيراد الغاز بعد عام 2020، بسبب انخفاض الإنتاج المحلي وانتهاء عقود طويلة الأجل مع النرويج وروسيا.

والصفقة ليست سوى إشارة إلى استعداد القاهرة للتعاون الاقتصادي، لأن الوضع السياسي في المنطقة قلق، ورغم المكاسب المادية المتوقع أن تحققها مصر ودول شرق المتوسط، مثل إسرائيل وقبرص، إلا أن الاستفادة منها تعتمد في نهاية الأمر على تطور الأوضاع السياسية في المنطقة التي تشهد درجة عالية من عدم الاستقرار والضبابية.

وتمثل الخلافات العميقة والصراعات المزمنة بين دول المنطقة، أحد المعوقات المهمة أمام تطوير اكتشافات الغاز الطبيعي، وتتجه تركيا، استنادا إلى قوتها العسكرية، إلى منع قبرص من تطوير مواردها في المنطقة الاقتصادية الخالصة لها، طالما لم يتم حل المشكلة القبرصية، باعتبار أن موارد الغاز في المياه القبرصية يجب أن تتم بالمشاركة بين القبارصة الأتراك والقبارصة اليونانيين.

ومنّت تركيا نفسها بعقد اتفاق مع إسرائيل يتم بمقتضاه مد خط أنابيب غاز من الحقول الإسرائيلية لتركيا يمر بقبرص لتصدير الغاز الإسرائيلي إلى أوروبا وآسيا عبر الأراضي التركية، لتتحول أنقرة إلى مركز إقليمي لتداول الطاقة.

وكانت “دبلوماسية البوارج الحربية” التي تتبناها أنقرة لمنع شركة إيني من العمل في المياه القبرصية، مؤشرا واضحا على رغبة تركيا في إيصال هذه الرسالة، خاصة مع تصاعد المخاوف التركية من تزايد التقارب العسكري بين اليونان وقبرص وإسرائيل ومصر.

7