الأسد يواصل مجازره بالغوطة الشرقية غير عابئ بالمناشدات الدولية

لا أفق قريبا لوقف إطلاق النار في الغوطة الشرقية في ظل استقواء النظام السوري بروسيا وضعف قدرة المجتمع الدولي على التأثير لإنهاء التصعيد الدموي الذي كلف في ستة أيام فقط المئات من القتلى والجرحى في صفوف المدنيين.
الجمعة 2018/02/23
حينما يسود قانون الغاب

دمشق - تحولت الغوطة الشرقية في الأيام الأخيرة إلى أشبه ما يكون بالجحيم لنحو 400 ألف مدني يتعرضون لقصف مكثف لم يتوقف وسط حصار خانق يفرضه عليهم النظام منذ العام 2013، في ظل غياب أي أفق لوقف إطلاق النار، رغم المناشدات الدولية، والتحركات الأممية.

ووثق المرصد السوري لحقوق الإنسان الخميس في حصيلة جديدة مقتل 41 مدنيا جراء القصف على الغوطة الشرقية على مشارف دمشق.

وسجلت في مدينة دوما الحصيلة الأكبر إذ قتل فيها جراء العشرات من القذائف الصاروخية ثم الغارات 24 مدنياً، بينهم سبعة أطفال. وقتل آخرون في مناطق أخرى بينها حمورية ومسرابا وجسرين وكفربطنا. كذلك، أصيب نحو 250 شخصاً بجروح في مدن وبلدات أخرى.

وباتت عدة مستشفيات خارج الخدمة، فيما تواصل أخرى العمل رغم الأضرار الكبيرة التي طالتها من القصف.

ووفق منسق الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية إلى سوريا بانوس مومتزيس فقد تم توثيق مقتل ما لا يقل عن 370 شخصا وإصابة 1500 منذ بداية التصعيد في الغوطة.

العميد سهيل الحسن: المعركة مستمرة وستبقى مستمرة حتى إنهاء آخر مسلح في الغوطة
العميد سهيل الحسن: المعركة مستمرة وستبقى مستمرة حتى إنهاء آخر مسلح في الغوطة

وكشف مومتزيس أن السكان بدون طعام أو مياه أو كهرباء وأن 80 بالمائة من أهالي حرستا يعيشون تحت الأرض.

وحملت روسيا فصائل المعارضة وداعميهم مسؤولية تصعيد النظام الخطير في الغوطة.

وقال المتحدث باسم الكرملين ديمتري بيسكوف “من يدعمون الإرهابيين هم المسؤولون… لا روسيا ولا سوريا أو إيران ضمن هذه الفئة من الدول، فهم يشنون حربا شاملة على الإرهابيين في سوريا”.

وتوحي تصريحات بيسكوف بوجود ضوء أخضر من موسكو لنظام الرئيس بشار الأسد بحسم ملف الغوطة عسكريا، وسط استمرار الأخير في استقدام التعزيزات العسكرية إلى مشارف المنطقة، تمهيدا لعملية اجتياح برية.

والفصائل الموجودة في الغوطة هي جيش الإسلام وفيلق الرحمان المشاركان في محادثات أستانة وجنيف، وبدرجة أقل جبهة فتح الشام (لا يتجاوز عدد عناصرها بضع مئات).

وتعكس تصريحات الكرملين مدى تماهي الموقف الروسي مع موقف نظام الرئيس بشار الأسد الذي يعتبر جميع المعارضين “إرهابيين”، كما تكرس النظرة المتشائمة التي عبر عنها المبعوث الأممي الخاص إلى سوريا ستيفان دي ميستورا حينما قال إنه سيكون من الصعب التوصل إلى وقف لإطلاق النار في الغوطة، مشددا في الآن ذاته على “ضرورة تجنب حدوث مذبحة لأن التاريخ سيصدر حكمه علينا”.

وواصلت الطائرات الحربية قصف آخر جيوب المعارضة قرب العاصمة السورية لليوم السادس على التوالي، رغم تحركات مجلس الأمن ومطالبات الدول العربية والغربية بوقفه.

وكانت الأيام الماضية قد شهدت بالتوازي مع تصاعد قصف النظام للمنطقة مفاوضات ماراثونية شاركت فيها مصر التي رعت الهدنة السابقة، للتوصل إلى حل بيد أن هذه المفاوضات لم تحقق أي نتيجة.

وأعلنت موسكو الخميس أن مقاتلين معارضين في الغوطة رفضوا عرضا روسيا لانسحاب آمن، مضيفة أنهم يستخدمون مدنيين هناك دروعا بشرية.

وتتهم روسيا من قبل الولايات المتحدة ومجموعات حقوقية بالمشاركة في الضربات الجوية على الغوطة الشرقية، لكن موسكو ترفض تلك الاتهامات.

وقال وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف في مؤتمر صحافي في بلغراد “قبل بضعة أيام عرض جيشنا في سوريا على المقاتلين انسحابا آمنا من الغوطة الشرقية على غرار إجلاء المقاتلين وعائلاتهم الذي تم الترتيب له في شرق حلب”.

وأضاف إن “جبهة النصرة وحلفاءها رفضوا بشكل قاطع العرض وهم (…) يستخدمون المدنيين في الغوطة الشرقية دروعا بشرية”.

ولفت لافروف إلى أن روسيا مستعدة للنظر في مشروع قرار مجلس الأمن الذي يدعو إلى وقف لإطلاق النار لثلاثين يوما في سوريا، ما دام ذلك لا يشمل تنظيم الدولة الاسلامية وجبهة النصرة الفرع السوري السابق للقاعدة.

ويعني تصريح لافروف أنه لن تكون هناك أي تهدئة في الغوطة الشرقية في حال بقيت جبهة فتح الشام (النصرة) في المنطقة.

ويرى مراقبون أن الموقف الروسي يستجيب بشكل واضح لموقف النظام وحليفته إيران لجهة أن الخيار العسكري يبقى الأمثل لإنهاء التهديد المحيط بالعاصمة دمشق، ولو كان ذلك على حساب مئات الآلاف من المدنيين.

ويلفت هؤلاء إلى أنه على خلاف ما تسوق إليه روسيا من أن الهدف هو طرد عناصر جبهة فتح الشام، فإنها في الواقع هي والنظام يطالبان باستسلام كل الفصائل وتسليم المنطقة للجيش السوري وهو السبب في عدم التوصل إلى تسوية.

تنديد واسع بالقصف على الغوطة
تنديد واسع بالقصف على الغوطة

وقال المسؤول عما يسمى بـ”قوات النمر” العميد سهيل الحسن “لن نسمح لأحد بالتدخل في شؤون المعركة، ومحاولة تحصيل هدنة وفتح معابر لإخراج المسلحين من الجهة الغربية للغوطة أمر غير مسموح به أبدا. المعركة مستمرة وستبقى مستمرة حتى إنهاء آخر مسلح في الغوطة”.

وكان الحسن، الذي يعد أحد القادة العسكريين البارزين الذين يعتمد عليهم الأسد، قد توعد قبل أيام مقاتلي المعارضة في الغوطة في مقطع فيديو تناقلته وسائل التواصل الاجتماعي وظهر فيه وهو محاط بعدد من عناصره بقوله “أعدكم بأنني سألقنهم درسا في القتال والنار، وإذا أشعلوا النار أقول لهم انتظروا جحيمها، ستروه بأم أعينكم، أقول لكم لن تجدوا لكم مغيثا، وإذا استغثتم ستغاثون بماء كالمهل”، وعرض الفيديو تعزيزات عسكرية تصل إلى تخوم الغوطة الشرقية.

والخميس دعت العديد من الدول العربية والغربية إلى وقف المجازر الحاصلة في الغوطة، حيث طالبت وزارة الخارجية الإماراتية في بيان “بهدنة فورية حقنا للدماء وحماية للمدنيين”، مضيفة أن سوريا “التي شهدت أفظع المواجهات والاستهداف الممنهج للمدنيين لا تتحمل فصلا دمويا مكررا”.

وشددت على أن “الحل الوحيد” للنزاع في سوريا 2011 “هو الحل السياسي”.

من جهتها قالت وزارة الخارجية السعودية في حسابها على تويتر “قلقون من استمرار هجمات النظام السوري على الغوطة الشرقية، وأثر ذلك على المدنيين هناك”. وأضافت “نشدد على ضرورة وقف النظام السوري للعنف”.

واعتبرت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل أن “ما نراه حاليا، ليس حرب النظام على الإرهابيين بل على شعبه، قتل الأطفال وتدمير المستشفيات، كل هذا مذبحة يجب أن تُدان”.

وشددت على ضرورة المطالبة في ظل هذا الموقف بـ “محاولة لعب دور أكبر لكي نستطيع أن ننهي مثل هذه المذبحة”.

2