الحكومة التونسية تحقق تقدما في معركة الفساد

أحرزت تونس تقدّما طفيفا في مؤشر مدركات الفساد للعام 2017 الصادر عن منظمة الشفافية الدولية، وجاء هذا التصنيف بعد أيام من تصنيف تونس من قبل البرلمان الأوروبي ضمن الدول الأكثر عرضة لخطر تبييض الأموال وتمويل الإرهاب.
الجمعة 2018/02/23
مازال أمامه الكثير لينجزه

تونس - قالت هيئة مكافحة الفساد في تونس، الخميس، إن تقدّم تونس في مؤشر مدركات الفساد لعام 2017 يعود إلى إجراءات اتخذتها الحكومة وتشريعات جديدة صادق عليها البرلمان، من بينها قانون الإبلاغ عن الفساد وحماية المبلغين.

وذكرت الهيئة، في بيان، أن “محدودية النتائج تعكس استمرار وجود نقائص على مستوى الإطار الوطني لمكافحة الفساد، وخاصة عدم اتخاذ التدابير اللازمة لتفعيل القوانين النافذة سواء في ما يتعلق بالوقاية من الفساد أو ردع مختلف أشكال ممارساته”.

وأشارت إلى أن هذه النقائص أثّرت على تراجع ثقة المواطنين في المؤسسات العمومية وفي جدية جهود مكافحة الفساد.

وأعلنت منظمة “أنا يقظ”، وهي فرع منظمة الشفافية الدولية في تونس، أن تونس جاءت في المرتبة 74 في مؤشر مدركات الفساد للعام 2017 مسجلة تقدّما بنقطة واحدة عن ترتيبها في نفس التصنيف للعام السابق (2016).

وقالت منال بن عاشور المديرة التنفيذية لمنظمة “أنا يقظ”، خلال ندوة صحافية خصّصت لإعلان ترتيب تونس ضمن هذا المؤشر، إن “تونس تقدّمت بنقطة واحدة في معدل مؤشر مدركات الفساد وتحصّلت على 42 نقطة مقابل 41 نقطة في 2016”.

حسن العماري: أحمّل المسؤولية للسياسيين الذين يشوهون المؤسسات
حسن العماري: أحمّل المسؤولية للسياسيين الذين يشوهون المؤسسات

وأوضحت بن عاشور أن هذا الترتيب سببه “الرشوة واختلاس الأموال والإفلات من العقاب وعدم قدرة الحكومات على احتواء الفساد”.

واعتبرت أوساط تونسية مختلفة ترتيب البلاد في مؤشر مدركات الفساد ضعيفا مقارنة بالجهود المبذولة في هذا المجال، خاصة أن الحكومة أعلنت العام الماضي حربا ضد الفساد واعتقلت رجال أعمال ومسؤولين كبارا بسبب تُهم موجّهة لهم بالتورّط في ملفات فساد. وقال حسن العماري رئيس لجنة الإصلاح الإداري والحوكمة الرشيدة ومكافحة الفساد ومراقبة التصرّف في المال العام بالبرلمان التونسي، لـ”العرب”، إنه كان يتمنى لو تقدّمت تونس بأكثر نقاط في مؤشر مدركات الفساد لعام 2017.

وأوضح أنّ السبب يعود إلى عدة عوامل من بينها تصنيفات الاتحاد الأوروبي لتونس ضمن قائمات سوداء.

وحمّل العماري المسؤولية للسياسيين خاصة من المعارضة الذين قال إنهم بتصريحاتهم في وسائل الإعلام المحلية والأجنبية يعتقدون أنهم يمارسون الديمقراطية لكنهم يسببون ضررا للبلاد.

ولم يُخف العماري تخوّفه أثناء متابعته للندوة الصحافية لمنظمة “أنا يقظ” التي أعلنت خلالها تصنيف تونس ضمن مؤشر مدركات الفساد لعام 2017 حيث قال “كنت متخوّفا من أن نحافظ على نفس ترتيب العام 2016”، واصفا التصنيف الجديد لبلاده بـ”الإيجابي” باعتبار “أساليب التشويه التي استعملها البعض”.

وقال العماري إن العديد من الأشخاص لا يفرّقون بين تشويه مؤسسات الدولة وبين الدعاية لحزبهم، إذ أن الكثير منهم ينتقدون أداء السلطة لكسب المزيد من الأنصار لغايات انتخابية فقط.

لكنّ مراقبين يرون أن تقدّم تونس البسيط في مؤشر مدركات الفساد للعام الماضي يدلّ على أنّ الوضع لم يتغيّر في البلاد، مرجعين ذلك إلى نقائص تعانيها البلاد على مستويات عديدة البعض منها يرتبط بالجوانب التشريعية فيما يرتبط البعض بالإرادة السياسية.

وقال أحمد صواب القاضي المتقاعد والناشط بالمجتمع المدني في تونس، لـ”العرب”، إن التصنيف الجديد لتونس في مؤشر مدركات الفساد يعني أنّ “الوضع ببقي على حاله إذ بالكاد يكون مستقرا”.

ويعتقد صواب أن السبب وراء ذلك هو “وجود إعلان سياسي وبرلماني وحكومي لمحاربة الفساد لكن ليست هناك نتائج ملموسة على أرض الواقع لهذه الحرب” المعلنة.

ويرى أنّ هناك نقائص كثيرة تعيق تحقيق نتائج في الحرب ضد الفساد في تونس من بينها عدم تقديم الإمكانيات الضرورية لهيئة مكافحة الفساد لتنجز المهام المكلفة بها. ووصف صواب إمكانيات الهيئة بـ”الضعيفة”، إذ تفتقر إلى جهاز لتقصّي الحقائق. كما اعتبر صواب أنّ الاعتقالات التي شملت أسماء بارزة في البلاد لم تنجح في القضاء على شبكاتها، التي لها صلات قوية داخل الدوائر الحكومية وغيرها من الأوساط النافذة.

وانتقد “البطء الكبير” في إصدار الأوامر الترتيبية لتنفيذ البعض من القوانين المتعلقة بمحاربة الفساد.

واعتبر صواب أن هناك تعتيما على أعمال لجنة التحاليل المالية “في الفترة الأخيرة واجهت تونس فضيحتين تتعلقان بتصنيفها ضمن قائمات سوداء للاتحاد الأوروبي” للتهرب الضريبي وتبييض الأموال.

أحمد صواب: هناك إعلان سياسي وبرلماني لمحاربة الفساد لكن لا نتائج ملموسة
أحمد صواب: هناك إعلان سياسي وبرلماني لمحاربة الفساد لكن لا نتائج ملموسة

وبحسب صواب فإن بطء المصادقة على القانونين المتعلقين بالتصريح بالممتلكات والكسب غير المشروع، يساهمان أيضا في تعطل جهود مكافحة ظاهرة الفساد في تونس.

وتعجز السلطات في البلاد على مراقبة المال الفاسد في المشهدين الحزبي والجمعياتي، إذ يرى صواب أنّ استحالة مراقبة تمويل الأحزاب بطريقة فاعلة من بين الأسباب التي تقوّض جهود الدولة للقضاء على الفساد بكل أشكاله.

كما لفت صواب إلى أن التفقديات (أجهزة رقابة داخل الوزارات) “لم تتم مراجعتها ولم يقع تدعيمها بقوانين جديدة”، إذ مازالت تخضع للسلطة ولا تتمتع بالاستقلالية.

وشدّد على أن الجهة الوحيدة التي لها الكلمة الفيصل في ملف الفساد والمتهمين فيه هي السلطة القضائية، منتقدا “البطء الكبير في تعهد القضاء بملفات الفساد”.

ويعتبر صواب أن رئيس الحكومة يوسف الشاهد عندما بدأ الحرب على الفساد في مايو العام الماضي كان “هدفه المناورة” تجاه دعوات إقالته من منصبه التي تحدثت عنها تسريبات صحافية في تلك الفترة، معتبرا أنه لو كانت “نية الشاهد حقيقة في محاربة الفساد لواصل حملته ليطيح بالمزيد من المتورطين في هذا الملف”.

وخلال الأسبوع الأول من الشهر الحالي، أدرج البرلمان الأوروبي تونس ضمن قائمة الدول الأكثر عرضة لمخاطر غسيل الأموال وتمويل الإرهاب، بعد فترة قصيرة من إخراجها من قائمة سوداء أخرى تتعلق بالدول المصنّفة لدى الاتحاد الأوروبي على أنها ملاذات ضريبية.

وأقال رئيس حكومة الوحدة الوطنية محافظ البنك المركزي الشاذلي العياري بعد تصنيف تونس ضمن البلدان المهددة بخطر غسيل الأموال وتمويل الإرهاب. وتم تعيين مروان العباسي محافظا للبنك المركزي.

وتعاني تونس من استشراء ظاهرة الفساد بشكل كبير منذ العام 2011 الذي شهد ثورة شعبية بسبب ارتفاع نسب البطالة والفساد. واشتملت الظاهرة على العديد من القطاعات. وأكدت القاضية في دائرة المحاسبات شيراز التليلي على ضرورة توضيح المعايير لإسناد منح تحسين المسكن وتحديد معايير تصنيف العائلات الفقيرة، في خطوة للحد من الفساد في توزيع مساعدات الدولة لمحتاجيها.

وكشفت دائرة المحاسبات، أمام البرلمان في وقت سابق من الأسبوع الحالي، أن “27 منتفعا فقط بمنحة تحسين المسكن من جملة 5320 يعتبرون من العائلات الفقيرة”.

وبحسب نفس المصدر انتفع بالمنحة أشخاص تصل رواتبهم الشهرية إلى حوالي 1400 دينار (حوالي 600 دولار) يشار إلى أن الأجر الأدنى في تونس يبلغ 400 دينار (حوالي 150 دولارا).

4