الشعارات الإسلامية بوصفها انقلابا على الإسلام

إن مجرد التفكير في إنشاء تجمع سياسي على أساس الانتماء الديني، يحيل مباشرة إلى ذهنية انعزالية تقوم على إقصاء وتقييم كل ما هو خارج دائرتها ومن ثمّ تقويمه أو تصويبه أو محاربته، وهو ما اختارته جماعة الإخوان لنفسها منذ بداية تأسيسها، حتى أنها أوغلت في هذا الانغلاق وتمجيد الذات إلى درجة أن انحرفت عن قيم الدين الإسلامي نفسه بل وعملت ضده من ناحية تبجيل التنظيم على القيم التي تدعي أنها قامت لأجلها فكأنما هي تستخدم الإسلام كذريعة للعودة إلى ما قبل الإسلام.
الجمعة 2018/02/23
عودة إلى الجاهلية

تعيش الحركات الإسلامية في العالم العربي أزمة متداخلة الأسباب معقدة المظاهر، إلا أن المظهر السياسي هو الذي استأثر بالاهتمام في الأدبيات النقدية التي كتبت حتى اليوم عن هذه الحركات، بالتركيز بوجه خاص على أفكارها السياسية ومشروعها للحكم ورؤيتها للمفاهيم السياسية كالديمقراطية والتعددية والحريات العامة وغيرها من القضايا، مرورا بمفهوم الدولة ومفهوم الخلافة.

لكن هناك مظاهر أخرى لهذه الأزمة لم تحظ بالاهتمام اللازم، مثل النقد الأخلاقي، والعلاقة بين رؤية هذه الحركات للإصلاح السياسي والاجتماعي وبين الرؤية الإسلامية ذاتها، والبنيات السوسيولوجية المغلقة، والعقلية الطائفية، أو النزعة “الإخوانية” المبنية على قيم الزبونية والمحاباة والنفاق السياسي.

وعلى الرغم من بعض الكتابات القليلة التي نشرت طوال العقود الماضية بأقلام أشخاص عاشوا داخل هذه التنظيمات قبل أن يقرروا الخروج منها، أو بعض الشذرات المنتشرة في مذكرات بعض أتباع هذه الحركات، والتي تحتاج -أي تلك الشذرات- إلى قراءة علمية كلية بناء على منهج تحليلي، إلا أن تلك الكتابات ظلت في الغالب ذات طابع شخصي، ولم ترتق إلى إنجاز دراسة محكمة عن السلوك الاجتماعي والسياسي داخل تلك التنظيمات الإسلامية، كما لم يتم استثمارها علميا من طرف الباحثين لوضع تشخيص علمي لأزماتها الداخلية، بما يجعل الشباب أكثر وعيا بالسلوك العام السائد داخلها.

منذ أن وضع حسن البنا، مؤسس جماعة الإخوان المسلمين المصرية، مفهوم “الجماعة” للدلالة على التنظيم الإخواني في العشرينات من القرن الماضي، ظل ذلك المفهوم هو المهيمن لدى الإسلاميين. فقد تم اختطاف ذلك المفهوم من التراث الإسلامي والرؤية القرآنية، إذ كان معناه المجتمع عموما، وليس فئة معينة ذات طابع مغلق يعيش على هامش المجتمع ويخاصمه، وأطلق على تنظيم ضيق لديه رؤية سياسية يقترح نفسه بديلا عن المجتمع بكامله، ثم بعد ذلك يقترح رؤيته الخاصة بديلا عن الرؤية الإسلامية التي تشكل المشترك بين جميع المؤمنين.

من الطبيعي أن تنظيما مثل هذا يستند على الدين سيتحول إلى طائفة مغلقة تشتغل بنفس المنطق الذي تشتغل به جميع الطوائف ذات الطابع العرقي أو الديني أو الثقافي.

التنظيمات الإسلامية اليوم تمثل النموذج الحديث لمفهوم العصبية الجاهلية، تلك العصبية التي لا يقرها الإسلام

إن السمة المميزة لأي طائفة من هذا النوع هي الاكتفاء الذاتي بنفسها وتحويل الأفكار التي تروج داخلها إلى مقاييس للحكم على الواقع والآخرين، وإنشاء شبكة من القيم المتعارف عليها ليس من الضروري أن تكون مأخوذة من الدين، بل هي في الغالب الأعم منتقاة بعناية من قائمة عريضة من القيم العامة، بناء على مبدأ الملاءمة مع التنظيم، أي بناء على مصلحته لا على أساس الدين.

وهنا ينشأ الانحراف الخطير الذي يؤدي، ليس فقط إلى التطرف والتشدد بل إلى المروق من الدين نفسه. ويتجلى هذا المروق من الدين في إحلال قيم التنظيم محل القيم الدينية العليا، وجعل رؤية التنظيم في موقع أعلى من رؤية الدين، والتضحية بالدين إذا تعارض مع مصلحة التنظيم. ويجد الإسلاميون في الفقه الإسلامي بابا واسعا للتلاعب بالقيم الدينية النبيلة، وقد أصبحت عبارة “مقاصد الشريعة” نفقا يمر من تحته الكثير من أبناء هذه التنظيمات بطريقة انتهازية، إذ تخول لهم فكرة المقاصد الكثير من الفرص التي لا يجدونها في الفقه الإسلامي، وعندهم أن المقاصد هي تلك التي يراها التنظيم كذلك، ولا يقرون للدولة أو للحاكم بالمقاصد الشرعية التي يقرونها لأنفسهم.

والناظر في واقع الحركات الإسلامية من الداخل -وصاحب هذه السطور يعرف ذلك من واقع خبرته العملية أزيد من عشر سنوات- سوف يقف على ظاهرة خطيرة، وهي غلبة قيم الجاهلية التي جاء الإسلام في الأصل للقضاء عليها. فالإسلاميون لا يعرفون الرجال في الحق، بل يعرفون الحق في الرجال، فهم يساندون بعضهم البعض حتى لو كانوا على خطأ، بدعوى الحفاظ على بيضة التنظيم، وقضية “الشعبية” أو “الجماهيرية” عندهم أكثر قداسة من قيم الفضيلة والأخلاق الدينية السليمة، إذ يمكنهم التضحية بتلك القيم مقابل الحفاظ على الشعبية في الشارع، ويمكن أن يتعايشوا مع سقوط القيم الدينية لكنهم لا يستطيعون رؤية التنظيم يفشل.

الكتابات من داخل الجماعات ظلت ذات طابع شخصي، ولم ترتق إلى إنجاز دراسة محكمة عن السلوك الاجتماعي والسياسي

ومن مظاهر الجاهلية في الحركات الإسلامية العصبية للتنظيم، ذلك أن الإسلاميين أحيوا قيما جاهلية محاها الإسلام. وكمثال على ذلك العبارة التي تقول “أنصر أخاك ظالما أو مظلوما”، فقد كان تفسيرها في الجاهلية يعني الانتصار لابن القبيلة سواء كان على حق أو على باطل، لكن الرسول عليه السلام صحح المفهوم في الإسلام كما هو معروف، وأكد على أن النصرة يجب أن تكون في الحق لا في الباطل، ولكن الإسلاميين ألغوا العمل بهذا التفسير ورجعوا إلى المعنى الأول الذي كان سائدا في الجاهلية. وتمثل التنظيمات الإسلامية اليوم النموذج الحديث لمفهوم العصبية الجاهلية، تلك العصبية التي لا يقرها الإسلام، وقد جاء في الحديث:”ليس منا من دعا إلى عصبية أو قاتل من أجل عصبية أو مات على عصبية”.

وبمقتضى هذه العصبية، يحق لابن التنظيم الإسلامي الكذب، والشهادة بالزور لفائدة أخيه في التنظيم، والدفاع عن الباطل في صورة الحق إذا كانت في ذلك فائدة تعود على التنظيم، لأن الحرص على هذا الأخير يتقدم الحرص على الإسلام.

13