العلاج بالقراءة

عندما قرر الله تعالى الحديث مع البشر، أرسل لهم كتبا سماوية، بمعنى هي تركيبة مبنية على العلاج بالكلمة باعتبارها تؤسس لخطوات في الانتقال التدريجي من الظلام إلى النور.
السبت 2018/02/17

في عام 2004 وبعد الاحتلال الأميركي لبغداد بعام تقريبا، كنتُ بحاجة إلى أن أفهم ما حدث بعيدا عن كل ما تم ترويجه بوسائل الإعلام، اهتديت يومها إلى ما كان يُعرف “الببليوثيرابيا” وهو مصطلح غربي يعني العلاج بالقراءة، يقوم على استخدام مواد قرائية مختارة بعناية بهدف المساعدة النفسية أو البدنية، وبتعبير أدقّ هو حل المشاكل الشخصية والجمعية من خلال القراءة الرشيدة.

كانت المقاطعات التاريخية مع حدَثٍ جرى بالأمس في عام 2003 مع أحداث وقعت بانهيار الخلافة العباسية في بغداد، متشابهة لدرجة كبيرة تساعد المتلقي على بناء دوائر التصورات لتحليل الأمر الواقع في منطق الممكن فهمُه.

العلاج بالقراءة اتخذته حضارات كثيرة منطلقا لتأسيس النهضة، فقد استعمله قدماء المصريون لتطوير بنية الدول المتعاقبة، كذلك الإغريق والرومان، وصولا إلى بدايات القرن التاسع عشر حين بدأ الطبيب النفسي الأميركي، بنيامين رش، بوصف قائمة من كتب المستشفى للمساعدة في علاج المرضى قبل أن تُصبِح المكتبات مع بدايات القرن العشرين جزءا أساسيا من بناء المصحات العقلية في القارة الأوروبية، ويستخدمها الأطباء في علاج الصدمات التي أصابت البشر أثناء وعقب الحرب العالمية الأولى والثانية.

في التراث الإنساني العالمي لا يخرج الإطار عن هذا، فبقليل من التفكير نجد أنه عندما قرَّر الله تعالى الحديث مع البشر، أرسل لهم كتبا سماوية، من هنا تبدأ الإشارة الدينية بأن الفكرة لا تقوم على جملة من العبادات فحسب، إنها تركيبة مبنيةٌ على العلاج بالكلمة باعتبارها تؤسس لخطوات في الانتقال التدريجي من الظلام إلى النور، والحديث هنا عن الثنائيات يدفعنا للربط بين المُستَعمِرين والمُستَعمَرِين، فأيّ احتلال حدث في التاريخ القديم قبل استخدام الأسلحة الحديثة، كان ينطلق من فكرة تدمير التراث أو المكتبات، بتعبير أدقّ، وهذا يؤدي بالضرورة إلى ترسيخ الثنائيات التي تقع في خطِّ الظلام أو على شاكِلته.

وبالنظر إلى تراثنا العربي قبل الإسلام، نجد أن الشعر كان علاجا فعّالا للكثير من الأمراض، ففيه جلاء للنفس وراحةٌ للروح، فنحن إلى اليوم نردّد “ما يفعلُ الشِعرُ فينا أيها العربُ”، ولسنا بوارد تعداد القصص التي تتناول هذا التفسير، فهي موجودة بكثيرة في كُتُب وقصص التراث، وبعد انتشار الدعوة الإسلامية أخذ العلاج بالقراءة أو “الببليوثيرابيا” شكلا جديدا، فإلى جانب الشعر العربي بكل ما يحمله من موسيقى ومواضيع دخلت النصوص الدينية بوصفها علاجا للكثير من الأمراض النفسية والبدنية، وهذا راسخ في الثقافة الشعبية المبنية أيضا في تشعُّباتها الكثيرة على خطوط تمتد وتتقاطع بشكل كبير مع اليقينيات الإيمانية.

وعليه، كيف يمكن أن يكون العلاج بالقراءة طريقا للنهضة اليوم في ظل التطّوّر الكبير الذي نشهده عبر ما بات يُعرف بثورة الاتصالات والتكنولوجيا، لا شك أن البناء ينطلق في عتباته من الفرد، الأسرة، المدرسة، المجتمع المحيط، والمسألة تسير وِفق مسارَين في هذا الطريق: الأول هو علاج الفرد، والثاني علاج المجتمع ككل وفق برنامج قرائي مبني على جملة من التصورات التي تؤدي في نهايتها للخلاص الفردي والجمعي.

ومجتمعاتنا على مستوى الفرد والجماعة تعاني من أمراض عديدة، فالقراءة ليست ترفا لنا، إنها الطريق الوحيد كي نبقى في التاريخ والحاضر والمستقبل، أمة تقرأ، أمة تبقى، فلنحاول أن نعالج هذا الواقع الذي نعيشه في ظل “التيه العربي” بالقراءة، وكمَا توصف الموسيقى علاجا لبعض حالات التوتر، والسفر والترفيه لبعض حالات الكآبة، قد تكون القراءة -في القريب- علاجا سحريا يفتح باب الطوارئ للخروج من هذا المستنقع.

13