الغوطة الشرقية على خطى حلب: حل تفاوضي تحت القصف الهائل

الهجوم على الغوطة الشرقية جزء من تصعيد على عدة جبهات، والمبعوث الأممي إلى سوريا ستيفان دي ميستور يحذر من أن تتحول إلى حلب ثانية.
الخميس 2018/02/22
الهجوم الأخير بعد الكيميائي والحصار

الغوطة الشرقية (سوريا) - يبدي المجتمع الدولي تأثرا شديدا إزاء التصعيد الذي تتعرض له الغوطة الشرقية، المعقل الأخير لفصائل المعارضة في ريف دمشق. إلا أن عجزه عن تبني موقف موحد يضع حدا للقصف الذي يطال المدنيين يعطي دافعا لنظام الأسد، المدعوم من روسيا وإيران، للمضي قدما نحو تكرار سيناريو ما جرى في حلب في الغوطة الشرقية، التي تمركزت فيها المعارضة المسلحة منذ سنة 2012.

وتواجه الغوطة الشرقية، في ريف دمشق، حصارا قاتلا منذ سنة 2013، وشهدت هجمات وحشية تعد الأسوأ في الحرب الأهلية السورية على مدار سنوات الحرب، بما في ذلك هجوم غاز السارين عام 2013، الذي عدّ واحدا من أسوأ الحوادث الكيميائية في التاريخ الحديث، لكن يأتي التصعيد الأخير ليكون الأقوى للنظام والأخطر بالنسبة للمعارضة السورية.

ويستمد النظام جرأته، لا فقط من عجز المجتمع الدولي وانقسامه، بل أيضا من التطورات التي شهدتها المنطقة مؤخرا والتصعيد الذي تعيش على وقعه سوريا منذ إسقاط الطائرة الإسرائيلية من جهة ومنذ انطلاق عملية غصن الزيتون التركية ضد الأكراد في عفرين السورية، من جهة أخرى.

باتريك كوبيرن: ثمة تقدم للسيطرة على الغوطة الشرقية وقد يحدث مثل ما جرى في حلب
باتريك كوبيرن: ثمة تقدم للسيطرة على الغوطة الشرقية وقد يحدث مثل ما جرى في حلب

الفرصة الأنسب

تسارعت الأحداث في الأيام الماضية، وفيما علا صوت جعجعة الطبول بين إيران وإسرائيل، تحرك النظام السوري بسرعة لسحق آخر المعاقل الواقعة تحت سيطرة الفصائل المسلحة، وذلك بعد تحرك مشابه في إدلب، شمال غربي سوريا، وكلا المنطقتين تقعان ضمن خارطة مناطق خفض التوتر، التي اتفقت عليها روسيا وإيران وتركيا.

في مايو 2017، توصلت روسيا وإيران، أبرز حلفاء دمشق، وتركيا الداعمة للمعارضة في أستانة إلى اتفاق ينص على إنشاء 4 مناطق خفض توتر في سوريا بينها الغوطة الشرقية. وبدأ تنفيذ اتفاق خفض التوتر في الغوطة الشرقية في يوليو الماضي، لكن توقف المعارك لم يكن مصحوبا بتكثيف وتيرة إدخال المساعدات، أحد بنود اتفاق خفض التوتر.

ومنذ مطلع الأسبوع، يتعرض هذا الاتفاق لانتهاكات كبرى، حيث كثفت قوات النظام ضرباتها بالغارات والمدافع والصواريخ، ويرتفع عدد الضحايا من المدنيين بشكل مستمر جراء القصف الجوي والمدفعي المكثف على مدن وبلدات المدينة، وفقاً للمرصد السوري لحقوق الإنسان.

وتسيطر فصائل من المعارضة المسلحة على نحو مئة كيلومتر مربع من الغوطة الشرقية في الوقت الحالي، بعدما تمكن الجيش السوري من السيطرة على مساحات واسعة منها في العامين الماضيين. ويأتي التصعيد الأخير ضمن مسعى من النظام في دمشق لاستكمال السيطرة على المناطق المحيطة بالعاصمة.

وسبق أن تقدم النظام، بعد الدعم الروسي المكثف، على عدة مناطق محيطة بدمشق، من ذلك الغوطة الغربية والريف الغربي، فيما تبقى الغوطة الشرقية ومدنها الرئيسية دوما وسقبا وعربين وحرستا وغيرها، شوكة في خاصرة دمشق الشرقية ومصدر تهديد مباشر للنظام إذا ما بقيت خارج دائرة سيطرته.

وتشير تقارير إلى أن النظام أرسل مؤخرا العميد سهيل الحسن، الملقب أيضا بين قواته باسم “النمر”، إلى الغوطة الشرقية لقيادة هذه المعركة. وقاد العميد الحسن قبل ذلك قوات النخبة وحقق العديد من الانتصارات ضد المعارضة المسلحة منذ بدء الحرب، بما في ذلك في حلب وفي دير الزور ضد داعش.

ويتمركز عدد من مقاتلي المعارضة من مختلف الفصائل في مركز الغوطة الشرقية، بما في ذلك جماعة جيش الإسلام، التي تتخذ من مدينة دوما مقرا لها، وفيلق الرحمن، وكلاهما وقع على اتفاق مناطق خفض التصعيد. وتتمركز في الغوطة الشرقية أيضا هيئة تحرير الشام (النصرة سابقا)، وحركة أحرار الشام، التي تسيطر على جانب من مدينة حرستا.

ورغم أن هذه الجماعات متواجدة على مقربة من مقر سلطة الأسد في دمشق، منذ سنوات، إلا أن النظام السوري تجاهلها في السنوات الأولى من الحرب، حيث انصب تركيزه على استعادة المناطق التي تعتبر أكثر أهمية لبقائه، من ذلك حمص وحلب والمناطق القريبة من الحدود مع لبنان.

واستطاعت قوى المعارضة خلال تلك السنوات أن ترسّخ وجودها في المنطقة، وأن تجمع احتياطيا وفيرا من الأسلحة والذخائر بمساعدة خطوط الإمداد التي امتدت إلى الصحراء السورية، وبالتالي تعقدت المواجهة أكثر وازدادت وحشية ضمن معارك يدفع ثمنها المدنيون.

وقال سكان في الغوطة الشرقية إنهم “ينتظرون دورهم في الموت”، وذلك بعد سقوط المزيد من الصواريخ والبراميل المتفجرة على الجيب المحاصر المستهدف منذ أيام بواحدة من أعنف عمليات القصف منذ بداية الحرب.

وقال المرصد السوري لحقوق الإنسان الذي يتابع مجريات الحرب إن عشرة أشخاص على الأقل من قرية واحدة قتلوا وأصيب أكثر من 200 في وقت مبكر من صباح الأربعاء.

وقتل 274 شخصا على الأقل في الصراع خلال الأيام الثلاثة الماضية، وتابع المرصد أن 13 جثة أخرى منها جثث خمسة أطفال انتشلت من تحت أنقاض منازل دمرت الثلاثاء في قريتي عربين وسقبا.

قصف مدفعي وصاروخي غير مسبوق

* أين تقع الغوطة الشرقية، ومن يعيش فيها؟ - تقع الغوطة الشرقية على بعد 10 كيلومترات شرق دمشق. يعيش فيها نحو 400 ألف مدني، نصفهم من الأطفال، والمعارضة المسلحة تدافع عن المنطقة ضد النظام. * من هم المستهدفون من هجمات النظام؟ - هجمات النظام والهجمات التي تشنها الطائرات الروسية من حين لآخر، أسفرت عن مقتل أكثر من 700 مدني في الأشهر الثلاثة الماضية، وأكثر من 200 مدني في الأيام الثلاثة الأخيرة. * كيف يعيش سكان الغوطة الشرقية؟ - سكان المنطقة يعيشون في حصار منذ أكثر من 5 أعوام، ومنذ حوالي عام، لا تدخل المنطقة مساعدات غذائية أو طبية كافية، فالرضع والأطفال والمرضى يموتون بسبب نقص التغذية وعدم الحصول على الرعاية الصحية الكافية. * ما هي الأسلحة المستخدمة؟ - نظام الأسد يستخدم خلال قتله سكان المنطقة؛ الأسلحة الكيميائية، والبراميل المتفجرة، والقنابل الفراغية والعنقودية، والقنابل الخارقة للتحصينات، ومدافع الهاون. * كم مرة استخدم النظام أسلحة كيميائية؟ - هاجم النظام السوري الغوطة الشرقية بالأسلحة الكيميائية 46 مرة منذ بدء الحرب في البلاد. وقتل في الهجوم الكيميائي الكبير الذي استهدف المنطقة من قبل النظام في 21 أغسطس 2013، أكثر من ألف و400 مدني. والعام الجاري، استخدم النظام، في 3 مناسبات، غاز الكلور السام. * ما هي حجة النظام لشن هجماته؟ - النظام يتذرّع بـ"مكافحة الإرهاب"، ويدّعي بأن "الإرهابيين" يستخدمون المدنيين دروعا بشرية، ويستهدفون العاصمة بالصواريخ. * أين تكمن أهمية الغوطة الشرقية؟ - قصر الرئيس السوري بشار الأسد على مقربة من المنطقة، بحيث يسمع منه أصوات التفجيرات، وكذلك يرى منه أعمدة الدخان المتصاعد من المنطقة، ويريد من خلال ذلك إنهاء المقاومة داخل العاصمة بشكل كامل. * هل تشمل اتفاقية أستانة الغوطة الشرقية؟ - أعلنت تركيا وروسيا وإيران خلال مباحثات أستانة يومي 4-5 مايو 2017، الغوطة الشرقية ضمن مناطق خفض التوتر، لكن روسيا لم تمنع النظام السوري من خرق وقف إطلاق النار في العديد من المناسبات.

وتابع المرصد -ومقره بريطانيا- أن قوات موالية للحكومة أطلقت مئات الصواريخ وأسقطت البراميل المتفجرة من طائرات هليكوبتر على البلدات والقرى بالمنطقة، فيما قالت وسائل إعلام رسمية إن مقاتلي المعارضة يطلقون أيضا قذائف المورتر على أحياء في دمشق قرب الغوطة الشرقية. ومع استمرار سقوط الضحايا المدنيين، لا يجد المجتمع الدولي غير التنديد والاستنكار. وأعربت الأمم المتحدة عن “قلقها” حيال أمن وسلامة 400 ألف مدني محاصرين من قبل قوات النظام. وقالت المنظمة الأممية على لسان نائب الناطق باسم أمينها العام، فرحان حق، خلال مؤتمر صحافي بنيويورك،  إنها تحذر من أن سوء التغذية زاد بشدة، خصوصا بين الأطفال في الغوطة الشرقية، وأن الأمراض المعدية بدأت تظهر.

ولم تختلف مواقف جامعة الدول العربية والاتحاد الأوروبي كثيرا عن الموقف الأممي، حيث دعا الاتّحاد الأوروبي المجتمع الدولي إلى التحرّك لإنهاء آلام الشعب السوري، وحذر الأمين العام لجامعة الدول العربية، أحمد أبوالغيط، من خطورة تدهور الأوضاع الإنسانية في الغوطة الشرقية.

وفيما تؤكد المعارضة المسلحة أنها ثابتة في المنطقة، ينذر التصعيد العسكري وكثافة النيران بحسم المعركة بالطريقة التي تم من خلالها حسم المعركة في حلب.

حلب ثانية

ردا على سؤال حول اتهام الغرب لروسيا بالمسؤولية عن سقوط بعض القتلى في الغوطة الشرقية، قال ديمتري بيسكوف المتحدث باسم الكرملين “هذه اتهامات لا أساس لها ولا نعلم ما تستند إليه”. وأضاف “هذه الاتهامات لا تدعمها أي معلومات محددة. ولا نقبلها“.

ويأتي تنصل موسكو من أي مسؤولية عن سقوط قتلى في أعنف الهجمات التي تتعرض لها الغوطة الشرقية بينما اعتبر المندوب الروسي لدى الأمم المتحدة أن الدعوات الدولية المتكررة إلى هدنة إنسانية لمدة شهر في المنطقة المشمولة باتفاق خفض التصعيد القريبة من العاصمة دمشق، “غير واقعية“، في تصريح أعطى انطباعا قويا بأن روسيا تمنح النظام السوري ضوء أخضر لمواصلة القصف والغارات الجوية.

كما يبدو هذا التصريح متعارضا مع ما قاله وزير الخارجية الروسي، سيرجي لافروف، بأن تجربة مدينة حلب، التي جرى فيها إخلاء المناطق التي كانت خاضعة لسيطرة المعارضة لصالح النظام السوري، يمكن أن تستخدم في الغوطة الشرقية.

وفي 22 ديسمبر 2016، استكملت عمليات إجلاء المدنيين وقوات المعارضة من الأحياء الشرقية لمدينة حلب السورية، التي كانت تحاصرها قوات النظام السوري والمجموعات الإرهابية الأجنبية الموالية له. ومع خروج المحاصرين، باتت كامل الأحياء الشرقية لحلب خاضعة لسيطرة النظام السوري والميليشيات الأجنبية الموالية له.

وحذّر المبعوث الأممي إلى سوريا ستيفان دي ميستورا، من أن الغوطة الشرقية يمكن أن تتحول إلى حلب ثانية. وقال “هناك خطر تحول (الغوطة الشرقية) إلى حلب ثانية، وأملي أن نكون قد استخلصنا العبر من ذلك”.

ويؤيد هذا التوجه باتريك كوبيرن، المحلل السياسي والخبير في شؤون الشرق الأوسط في صحيفة الإندبندنت البريطانية، مشيرا إلى أن حصار الغوطة الشرقية “قد يكون هو الأخير في الحرب السورية”. ويقول إن كثافة النيران التي يستخدمها نظام الأسد في هذه المعركة، يفوق كل ما شاهدناه في البلاد خلال السنوات الماضية.

وتشير حدة القصف، كما يقول كوبيرن، إلى أن ثمة تقدما بريا قد يحدث قريبا للسيطرة على المنطقة أو قد يحدث مثل ما جرى في حلب من تدخل دولي في آخر لحظة لتنفيذ عملية إخلاء واسعة النطاق لسكان المنطقة. ويضيف أنه في ظل انتصار القوات البرية الموالية لنظام الأسد في بقية أنحاء سوريا أو تمركزها في مناطق لا تشهد اشتباكات من السهل على النظام أن يقوم بنقل أعداد منها لخوض حرب برية في الغوطة الشرقية والقضاء على مقاومة المعارضة المسلحة.

وفي القراءة ذاتها يذهب سام هيلر، الباحث في مجموعة الأزمات الدولية، مشيرا إلى أن “التصعيد الكبير من النظام السوري يهدف إلى حسم مسألة الغوطة الشرقية بشكل نهائي، إما بنصر عسكري بحت وإما من خلال حل تفاوضي تحت الضغط العسكري الهائل“.

ويضيف “تحت ضغط التصعيد العسكري والقلق على المدنيين، قد يحدث مثل ما جرى في حلب نهاية عام 2016 من تدخل دولي في آخر لحظة، لتنفيذ عملية إخلاء واسعة النطاق لسكان المنطقة وسيطرة النظام على شرقي حلب“.

وتؤكد فاليري سيبالا، مديرة مؤسسة سوريا للدراسات الاستراتيجية، أن النظام السوري “يرى أن هذا هو الهجوم النهائي على الغوطة الشرقية. إنه لا ينوي التوقف حتى يصبح الجيب المحاصر بأكمله كومة من الأنقاض والجثث “.

وفي حال تحقق السيناريو الذي يدفع إليه النظام السوري في معركة الغوطة الشرقية، فإنه بذلك سيقطع شوطا طويلا نحو القضاء على المعارضة التي وقفت ضده على مدى سبع سنوات شهدت خلالها الحرب في سوريا تطورات ألقت بظلالها على المنطقة وعلى كامل النظام العالمي، في علاقة بالقوة الروسية والسياسة الأميركية والحرب ضد الإرهاب.غراف

6