النهضة: مضمر الدين ومعلن السياسة

سيمون سلامة مواطن تونسي وظفته النهضة لإثبات مدنيتها لكن مناهلها الدينية ومواقفها السياسية والقانونية، كما صيحات قواعدها، تجعل الأمر عصيا على التحقق وحتى على التصديق.
الجمعة 2018/02/23
فصل من فصول أدبيات الحركة

العمل السياسي، والترشح للانتخابات، حق لكل مواطن بصرف النظر عن دينه أو طائفته. لكن ترشيح حركة النهضة التونسية لمواطن تونسي يهودي للانتخابات البلدية، وهو الحدث الذي أثار جدلا كبيرا، كان فعلا سياسيا مريبا قادحا للأسئلة السياسية، عن الدواعي والتوقيت والخلفيات والغايات.

الجدل الذي أثارته عملية ترشيح النهضة للمواطن سيمون سلامة (مترشح مستقل) لم يكن جدلا متحاملا على النهضة أو على المترشح، بقدر ما كان تعبيرا عن إشكاليات يتداخل فيها السياسي والأيديولوجي والقانوني والدستوري. تداخل مفهومي يزداد خطورة وتشعبا إذا وضعناه في وعاء حركة النهضة بكل ما يحتويه من تحفظات وإحراجات سياسية، ليستحيل الفعل عملية استعراضية أكثر من كونه مسألة انتخابية سياسية. مقارعة ترشيح سيمون سلامة، بما تكتظّ به أدبيات الحركة، وما تصدع به حناجر أنصارها من شعارات من قبيل “خيبر خيبر يا يهود جيش محمد سيعود”، يأخذ الأمر إما إلى سوريالية أو إلى تناقض. كثيرة هي المناسبات التي عبرت خلالها الحركة، من خلال قواعدها، عن موقفها من المختلف دينيا؛ اليهودي أو المسيحي.

المفارقة الأكبر، المتصلة بترشيح سيمون سلامة، تمكن في دستور العام 2014. حيث يشترط الفصل 74 من الباب الرابع أن “الترشح لمنصب رئيس الجمهورية حق لكل ناخبة أو ناخب تونسي الجنسية منذ الولادة، دينه الإسلام”. وقد حرصت كتلة النهضة أثناء نقاش الدستور على تمرير هذا الفصل بتلك الصيغة. وهو ما يعني أن الترشح للانتخابات البلدية أو البرلمانية ممكن لكل مواطن، في حين يكون ذلك مقصورا على المترشحين المسلمين بالنسبة للانتخابات الرئاسية، وهو ما يعني أيضا أن الطرف نفسه الذي حرص على ترشيح مواطن تونسي يهودي على رأس إحدى قائماته، هو نفسه الذي كان حريصا على أن يكون الرئيس التونسي مسلما.

حركة النهضة حرصت على أن يكون الفصل الأول من الدستور التونسي (تونس دولة حرة مستقلّة، ذات سيادة، الإسلام دينها، والعربية لغتها، والجمهورية نظامها) “مدججا” بإحالات عن دين الدولة، وهو ما رفضته العديد من القوى السياسية والمدنية انطلاقا من كون الدولة كيانا اعتباريا، فلا يفترض أن يكون حاملا لدين أو معبرا عن إيمان، هي نفس حركة النهضة التي أثبتت خلال محطات ومعارك سياسية عديدة أنها لم تتخلص من مرجعياتها القديمة أو وثائقها التأسيسية الكثيفة بالمناهل الأيديولوجية الدينية، رغم كل محاولاتها لبيان أنها بارحت نهائيا مرحلة الحزب الديني، تثبت من خلال ترشيحها لسيمون سلامة، أنها تتناقض مع كل مظاهر حرصها القديم على تديين البيئة السياسية، وإسباغها بما أمكنها من إحالات دينية، وتقيم الدليل أيضا بهذا الترشيح أنها لا تبتغي منه سوى المكاسب الحزبية، وأن الادّعاء بكونها حركة مدنية منفتحة على كل مظاهر التعدد هو مجرد شعار فاقد للوجاهة وتفنده الوقائع السياسية والميدانية. المسألة سياسية ولا تحتاج أكثر من وضع الأمر في إطاره بعيدا عن المرامي الحقيقية للنهضة ودرءا لكل ما يمكن أن يعدّ تحاملا أو رجما بالغيب السياسي.

اليهود التوانسة هم مواطنون لا يجدر تصنيفهم جالية أو أقلية أو طائفة، لأن في ذلك انتصارا لمنطق الأغلبية، وهو المنطق الذي ساد في أقطار عربية كثيرة وضرب الحياة السياسية في مقتل. ومن هذا المنطلق فإن ترشح سيمون سلامة، هو حق له وللطرف الذي رشحه لا ينازعه فيه أحد، والبحث في مساءلة دواعي وغايات هذا الترشيح لا ينفي هذا الحق ولا يلغيه.

ترشيح النهضة لسيمون سلامة، جاء في سياق موسوم بحرص الحركة على التقدم في كل الدوائر الانتخابية، وبسعيها إلى الانفتاح على شخصيات مستقلة باعتبار ما يحتاجه الترشح في كل القائمات من موارد بشرية، ويأتي أيضا في سياق سعي مضمر لإثبات تحول الحركة إلى حزب مدني يقطع مع عقلية الجماعة الإسلامية. لكن “استعمال” سيمون سلامة، في هذا المفصل هو مناورة أو جزء من سياسة اتصالية جديدة تقوم على تحويل بعض مقررات مؤتمر الحركة عام 2016 إلى أفعال سياسية، علها تخفف عن الحركة آثار روافدها الإخوانية.

سيمون سلامة مواطن تونسي وظفته النهضة لإثبات مدنيتها لكن مناهلها الدينية ومواقفها السياسية، كما صيحات قواعدها، تجعل الأمر عصيّا على التحقق وعلى التصديق.

9