النوايا الحسنة تفرش الطريق للتطرف الإسلامي في كندا

لوبي قوي تكون في الكيبك تحت يافطة مناهضة العنصرية، اندس فيه إسلاميون من الإخوان والسلفية وصاروا هم الذين يوجّهون نشاطاته لصالح قضيتهم المركزية.
الخميس 2018/02/22
التسامح في كندا فجوة ينفذ منها الاسلاميون

أبدت أوساط أكاديمية وثقافية في كندا تململها وقلقها مما وصفته بـ”تغلغل الإسلاميين والإسلام السياسي عموما في مختلف المؤسسات التربوية والتعليمية”. واعتبر جامعيون ومهتمون أن حرية التعبير باتت مهددة بشكل جدّي في جامعات بلدهم على وجه الخصوص. وهو إشكال تعيشه أوروبا الغربية أيضا.

ولئن كان سيف الإسلاموفوبيا مرفوعا في وجه كل من انتقد المدّ الإسلامي بمختلف أشكاله في فرنسا وألمانيا وبلجيكا وبريطانيا فلم يصل التساهل مع الأصولية الإسلامية إلى ذلك المستوى الخطير الذي بلغه في كندا والكيبك على وجه الخصوص، إذ بات نقد تدخل الدين والإسلام على وجه الخصوص في الفضاء العمومي، يوصف بالعنصرية وأصبح التخلّي عن قيم ومبادئ العلمانية ضربا من الانفتاح والذهاب نحو الآخر.

لقد تكوّن في الكيبك، لوبي قوي تحت يافطة مناهضة العنصرية، واندس فيه إسلاميون من الإخوان والسلفية وصاروا هم الذين يوجّهون نشاطاته لصالح قضيتهم المركزية، فتمنع مثلا وبالقوة كل النشاطات العلمانية المعادية لأيديولوجيتهم بدعوى أنها عنصرية أو معادية للإسلام والمسلمين. ويضغط هذا اللوبي على مختلف المستويات في السلطة على جعل كندا الفرنكوفونية أرضية جرداء ينبغي إعادة برمجة ثقافتها لتتناسب مع عقلية الوافدين الجدد وعلى الخصوص المسلمين منهم.

وهي فكرة التعدد الثقافي الذي يؤدي حتما إلى خلق مجتمعات صغيرة داخل المجتمع، تلك الفكرة التي يدافع عنها اليسار الكندي والتي أصبحت عقبة كأداة أمام أي تقارب بين الشعوب الأصلية والأجانب في كل من بريطانيا وهولندا وألمانيا وبلجيكا.

وفي الوقت الذي أصبحت فيه تلك الدول تعيد النظر في تجربتها المرة مع الإسلاميين المتغوّلين جرّاء تلك السياسة، لا يفعل اليسار الكندي سوى محاولة استنساخها في بلده بكل الوسائل مثل المتابعات القضائية واستعمال حتى العنف اللفظي والجسدي ضد العلمانيين الرافضين للأسلمة. وهو ما يحدث للكاتبة والناشطة الديمقراطية الجزائرية الأصل جميلة بن حبيب، التي يتحامل ضدها الإسلاميون واليساريون ومحدودو التفكير عن طريق المتابعات القضائية والمضايقات المختلفة من أجل إسكات صوتها المندّد بأفعالهم والفاضح لخططهم.

أبوان مسلمان طالبا من مدير مدرسة تحضيرية في مونتريال، عدم إجبار ابنتهما على الاستماع إلى الموسيقى أو الغناء

في 2012 رفعت أم مسلمة قضية ضد الكاتبة الجزائرية بتحريض من المتطرفين بدعوى أنها أظهرت صورا لطفليها في مقال نقدي نشرته على موقعها حول مسابقة لحفظ القرآن نظمها مسجد الروضة وهو أحد معاقل الإخوان المسلمين بمدينة مونتريال. وفي الحقيقة لم تكن مسألة نشر الصور سوى افتعال قضائي، لأن نفس تلك الصور منشورة وأخذتها الكاتبة من موقع المسجد ذاته.

ما أقلق الإخوان وأربكهم هو ما جاء في تحقيق جميلة بن حبيب، من فضح لأساليبهم في اللعب بعقول الأطفال الأبرياء وتعبئة أرواحهم بالأفكار العنصرية. وفي 2016 أعاد الإخوان الكرّة برفع قضية أخرى فكلّفوا هذه المرة مدرسة إسلامية، والتي على الرغم من أنها مموّلة من طرف وزارة التربية الكندية، تفرض الحجاب على البنات ابتداء من سن التاسعة، وهو ما ندّدت به جميلة بن حبيب.

والهدف من الحرب القضائية التي يشنّها الإخوان ضد العلمانيين هو إسكات الأصوات الناقدة ليتسنّى لهم مواصلة الأسلمة في هدوء مستغلّين غفلة بعض السياسيين الكنديين وتواطؤ البعض الآخر وعلى رأسهم الوزير الأول جاستن ترودو الذي أصبح يكنّى بوزير الأقليات، والذي كثيرا ما يصف مواطنيه البيض في خطاباته بالعنصرية تجاه السود وبالإسلاموفوبيا تجاه المسلمين.

وفي الحقيقة وصلت الأمور في هذا البلد “المتسامح جدا” إلى مرحلة العبث، إذ طالب أبوان مسلمان من مدير مدرسة تحضيرية في مونتريال، تابعة للقطاع العام، عدم إجبار ابنتهما على الاستماع إلى الموسيقى أو الغناء مع زملائها وزميلاتها لأن ذلك حرام في دينها، والغريب أن إدارة المدرسة وافقت على هذا الطلب المنافي لكل الأعراف البيداغوجية ووفّرت للبنت الصغيرة خوذة تضعها على أذنيها كلما صدحت بعض الموسيقى في فضاء المدرسة.

 وهذا ليس مجرّد اجتهاد من إدارة المدرسة وإنما هو توجه سياسي عام في كندا يطلق عليه “التراضي المعقول” أو التوافقية المعقولة وهو تشريع جاء نتيجة لحكم أصدرته المحكمة العليا الكندية سنة 1985 لصالح عامل طالب من صاحب العمل أن يعفيه من العمل يوم السبت لأسباب دينية، ومن هنا ظهر هذا المفهوم الذي يعني رفع التمييز بسبب العاهة أو الدين أو السن أو غير ذلك.

وقد وجد فيه الأصوليون ضالتهم وبدؤوا يطالبون بحقوق أقل ما يقال عنها أنها متخلفة وصادمة لقيم المجتمع المضيف كما حدث على سبيل المثال سنة 2000 مع ذلك التلميذ ابن الثانية عشرة من طائفة السيخ الهندية الذي طالب بحمل الخنجر في المدرسة وما تلاه من صراع قضائي وسياسي بين عائلته المتعصبة ومؤيديها وإدارة المدرسة والذي دام حتى سنة 2006، وانتهى كالعادة بحكم المحكمة العليا لصالح العائلة وحمل الخنجر في القسم، هذا الخنجر الممنوع في المطارات والطائرات والجمعية الوطنية للكيبك وفي كل مقرّات هيئة الأمم المتحدة. ومنذ ذلك الوقت أصبح مسموحا لكل التلاميذ أن يلبسوا ويحملوا في المدارس ما أرادوا احتراما لعقائد أديانهم وإثنياتهم. وكانت سابقة مشجعة سرعان ما ازدادت المطالب على إثرها.

ما أقلق الإخوان وأربكهم هو ما جاء في تحقيق جميلة بن حبيب، من فضح لأساليبهم في اللعب بعقول الأطفال الأبرياء وتعبئة أرواحهم بالأفكار العنصرية

وليس هذا فحسب بل تكيفت المدارس الكندية مع تلك الطلبات وباتت هي التي تفرض بعض السلوكات على كل التلاميذ احتراما لقيم الأقليات ومؤسساتها.

وفي 2013 أسالت قضية تلك الفتاة التي رفض أبوها وهو من أصل عربي إسلامي الانصياع لإدارة مدرستها. تلك المدرسة التي أراد أستاذ الأخلاق والثقافة الدينية فيها أن تفرض على الفتاة ارتداء حجاب للقيام بزيارة بيداغوجية إلى مسجد. لقد أصر الأب على عدم إمضاء وثيقة الزيارة على الرغم من إجباريتها وتضييع ابنته لـ10 بالمئة من العلامة الكاملة بسبب الغياب.

وبعد يومين تلقّى الأب المتمرد رسالة طويلة من أستاذ ابنته شرح له فيها وبلهجة بيداغوجية، كما يقول متهكما، فضائل الانفتاح على الآخرين وأخطار العنصرية. ويجيب الأستاذ بأنه يعرف جيدا معنى تلبيس الحجاب للفتيات ولا أحد يستطيع أن يفرض ذلك على ابنته.

وطالب بلقاء مباشر مع هيئة التدريس وشرح للجميع أنه فرّ من التطرف الإسلامي في بلاده فوجده هنا في الكيبك، ولم تجد الإدارة من مخرج سوى الرضوخ لرغبة الأب. وعلّق الأب عن مادة الأخلاق والثقافة الدينية قائلا بأنها تديم القوالب النمطية والتمييز ضد المرأة، كما تعزّز هذه المادة أيضا أسبقية الدين في توصيف الواقع والاختلاف، وتهمل المادة الأغلبية من المواطنين الذين لا يحبون لأن يُعرّفوا أنفسهم انطلاقا من انتمائهم الديني وعبر العلامات التمييزية.

ولئن انطلقت مادة الأخلاق والثقافة الدينية من نوايا حسنة، فهي تنشر ممارسات وتجعلها عادية في حين أنها ممارسات يدعو إليها المتطرفون هي قابلة للنقاش والنقد. وقد لخّص ذلك الأب الرافض لتمييز ابنته عن صديقاتها الكنديات بكلماته تلك المعضلة التي سيعيشها البلد في مستقبل قريب جرّاء التنازلات المتتالية المقدّمة للأصولية في الكيبك.

 تطرح حكاية هذا الأب المناهض للتمييز رغم قدومه من بلد تنتهك فيه الحريات الفردية، سؤالا أخلاقيا وحقوقيا أمام كل من يخلط بين قيم التسامح والقبول بالآخر وبين المبادئ العلمانية التي تساوي بين الجميع من خلال استبعاد كل مظاهر التمييز الديني والثقافي من مؤسسات الدولة وحصرها في المنازل وفي الفضاءات الخاصة ودور العبادة.

13