بهرام العلوي: الفن كالصلاة يخرج من العمق ليشع عاليا وبعيدا

ظهرت في تونس أجيال من المبدعين على اختلاف انتماءاتهم من سينمائيين ومسرحيين وكتاب وفنانين وغيرهم، قدموا للساحة الثقافية التونسية رؤى فنية جديدة ومختلفة، معمقة جوا من الحريات التعبيرية إضافة إلى احتكاكها أكثر من الأجيال السابقة بهموم شعبها منفتحة من المحلية إلى الكونية، ومتوغلة أكثر في القضايا المهمشة والمسكوت عنها بوسائل فنية حداثية مختلفة. من بين هؤلاء الفنان التونسي بهرام العلوي، الذي قدم للسينما والمسرح التونسيين عددا من الأدوار اللافتة، جعلته يعد من أبرز السينمائيين والمسرحيين التونسيين المجددين اليوم، تجديد تثبته القفزة النوعية للسينما التونسية ككل رغم بعض العراقيل. "العرب" كان لها هذا الحوار مع الفنان. 
الأحد 2018/02/18
بهرام العلوي: كن بسيطا واحك ما هو عميق

يرى الفنان السينمائي والمسرحي التونسي بهرام العلوي أن السينما التونسية عريقة وضاربة في القدم منذ أواخر القرن الـ19 مع الأخوين لوميار وتبلورت خاصة مع السينمائي ألبير شمامة شيكلي الذي كان في الأصل مصورا فوتوغرافيا، إذ تعتبر السينما التونسية الأعرق عربيا وحتى عالميا، لكن رغم ذلك ظل حال السينما التونسية متقطعا يعاني من غياب سيرورة تاريخية، فحال السينما من حال تونس وعظمائها على مر التاريخ من حنبعل إلى الأندلسيين إلى ابن خلدون، كما يقول، رادا ذلك إلى تأثير الأحداث السياسية كالدكتاتورية، وخاصة الاستعمار الذي خلف فراغا ثقافيا كبيرا في عمق المجتمع التونسي، حيث لم تنجح، كما يقر ضيفنا، في خلق صناعة سينمائية وثقافية عموما.

معطى آخر يراه العلوي سببا في تأخر السينما التونسية وتعثرها، ألا وهو سينما المؤلف، التي يضطلع فيها المخرج بالكتابة والإخراج معا، وهو ما خلف فقرا فنيا وفقرا في المخيال والتصور، رغم إقراره بنجاح بعض الأفلام من هذا الجنس مثل “صمت القصور” لمفيدة تلاتلي أو “صفايح ذهب” للنوري بوزيد. لكن الأجيال السينمائية التي تواترت لاحقا انخرطت بدورها في سينما المؤلف، وهو ما أدى إلى ما نراه من تسطيح وغياب للوعي والعمق.

لا تتأثر بهوليوود

ما بعد الثورة ساهم جو الحرية في دعم ديمقراطية الصورة، فانخرط العديد من المخرجين وخاصة الشباب في تقديم أعمال مختلفة ومبشرة، لكن الأبواب عادت لتغلق من جديد في إطار التضييق على الحريات الذي تشهده تونس اليوم، فمثلا بات المخرجون مطالبين باستخراج رخصة للتصوير، وهو ما يتنافى مع الحرية في العمل الفني، خاصة في الأعمال الوثائقية التي ترصد الاحتجاجات أو الشارع التونسي وغيرهما.

 

"ألف لام ميم" مسرحية يوجهها بهرام العلوي للمهمشين وللمنسي من الأحداث والشخصيات ويقدم العمل ممثلون من الصم من خلال الإشارات

يضيف “هناك جيل مميز خاصة من السينمائيين المستقلين عن التمويل العمومي، مثل من قدموا فيلم ‘آخر واحد فينا‘ لعلاء الدين سليم، الذي يعتبر طرحا جديدا، لكن الكثير منهم يقع في الاستسهال وترتبط الصورة عندهم بالطابع الإخباري، لتكون (هذه) الصورة فقيرة من أبعادها الفنية المطلوبة”.

من مشاكل السينمائيين الكبرى الدعم الذي تقدمه الدولة والذي يسطر عليه أناس معينين، يراهم العلوي أشبه بالمافيا السينمائية، في غياب للمعايير الواضحة، وهنا يقترح ضيفنا أن يتعامل المشرفون على الدعم بشفافية وعدل، فالدعم يجب أن يوجه إلى الأعمال التي يقوم بها محترفون ومتفرغون للعمل الفني والتي ترقى إلى مستوى مشاريع فنية، لا إلى الأشخاص، وطبعا دون إقصاء أحد، كما يقترح تخصيص جزء من الدعم مثلا للمتخرجين الجدد من مدارس السينما، تشجيعا ودعما للمواهب الجديدة.

السينما فن يجب أن ينطلق من الداخل المحلي ليشع على العالم والكونية، فالفن كالصلاة يخرج من العمق ليشع عاليا إلى أبعد الأبعاد، وهذا ما ينقص السينما في تونس، حيث الانسياق التام للرؤى الوافدة دون العمل على العمق.

يتابع العلوي “ثم إن السينما في تونس ما زالت تحاول الخروج من دائرة البرجوازية وقد نجحت في ذلك، لكنني أجدد الدعوة أن التأثر الأعمى بالآخر مثلا بهوليوود، خطأ، في رأيي كن بسيطا واحك ما هو عميق”.

أمام الكاميرا

في حديثنا عن تجربته كممثل خاصة في السينما التي قدم فيها أدوارا مهمة مثل دوره في فيلم “ما نموتش” للمخرج التونسي نوري بوزيد، كما عمل في عدد من الأفلام الاجنبية وكذلك في عدد من المسرحيات، يقول العلوي “ما زلت أراهن على مشروعي كممثل، الساعة أو اليوم الذي لا أقضيه أمام الكاميرا أحس بأنني كبرت في السن، فالتمثيل بالنسبة إلي ضرورة حياتية. لكن واقع التمثيل في تونس مختلف، فهناك من يسعى فقط إلى الشهرة ولا يملك رؤية فنية، أضف إلى ذلك ضعف التكوين، إذ أن المدارس سواء المسرحية أو السينمائية نمطية للغاية لا تخلق جيلا فاعلا، بل حرفيين فقط، وهو ما نجحت فيه جزئيا حيث بات عندنا الكثير من حرفيي تمثيل، ونفس الشيء في التشكيل وحتى في الأكل التونسي، كل شيء مركّب لا ينبع من العمق والخصوصية، وهذا وليد غياب الإرادة، بينما الفن الحقيقي إرادة كما الحياة إرادة، إنه إرادة التعبد والجمال الذي ينشده الإنسان لإلغاء الوحشة من ذاته أولا ومن العالم والوجود”.

من جهة أخرى يلفت العلوي إلى أن فنان اليوم بات مجبرا على التسويق لأعماله، رغم أنها مهنة أخرى لا تعنيه، لذا بات مشتتا بين أكثر من قطب، فيما من المفروض وجود صناعة ثقافية وفنية متكاملة تساهم في خلق الفن الجوهري. ثم الفنان بات مطالبا بأن يكون سياسيا، لكن ليس بطريقة التأدلج التي تحجب الرؤية، وتكلّس العقول والمخيلات، فمثلا في كوبا وقع القضاء على عازفي الساكسوفون لا لشيء إلا لاتهام هذه الآلة بأنها أميركية تمثل الإمبريالية، كذلك يذكر العلوي فشل الفيلم الذي أراد الاتحاد السوفييتي إنتاجه سابقا عن الثورة الكوبية بعنوان “أنا كوبا”، ومن ثم أعيد تعديله حيث لا يمكن للفنان الحقيقي أن يكون أداة سلطة أو دمية تحركه كيفما أرادت.

التجريب في المسرح

 

السينما في تونس تحاول الخروج من الدوائر المغلقة

يتنقل بهرام العلوي بين السينما والمسرح بسلاسة، فهو يرى أن السينما سليلة المسرح، وكلاهما سليلا الشعر، فقد دخل إلى مدرسة السينما وهو يكتب الشعر، أيضا تراكوفسكي أو كوستاريكا كانا شاعرين في رأيه، لكن القطيعة بين الفنون مكرسة من خارج الفن من إرادة سياسية بالأساس تسعى إلى تفرقة الفنون بينما هي سلسلة واحدة، فيما هو يرى أن كل مخرج أو ممثل ليس موسيقيا لا يمكنه أن يقدم الإضافة؛ إذ يؤمن العلوي بوحدة الفنون وتنافذها الكلي على بعضها البعض.

يستشهد ضيفنا هنا بأن المسرح وحتى السينما خلقا من عرض موسيقي راقص هو “رقصة الدب”، لذا فالفن كما يقول ينهل من كل ما حوله، وهو فعل تشاركي قبل أن يكون فرديا، إنه تماما كممارسة الحب.

لكنه يرى أن ما عاب السينما التونسية عاب مسرحها أيضا، ألا وهو غياب التأصيل، أو لنقل غياب العمق في البيئة المحلية، حيث لا يبحث أغلب الفنانين المسرحيين عما لديهم من إرث ثقافي وحضاري قبل الإشعاع على الآخر بقدر ما ينساقون إلى تقليد أعمى أشبه بالتغريب. ويستشهد هنا حتى ببراشت وغروتوفسكي اللذين يتبعهما أغلب المسرحيين التونسيين فيما هما في الأصل كانا باحثين دائمين عن العمق الحضاري وخصوصيات الشعوب. إنها الخصوصية في حركتها بين الذات والآخر وانفتاحها من الداخل إلى الخارج وهذا ما نفتقده.

يقول العلوي “المسرح بدوره أصبح مثل المادة الخبرية، في غياب للفعل المسرحي. وفي هذا الإطار قدمت عملي المسرحي الجديد بعنوان ‘أليف لام ميم‘ وهي مسرح من لا يتكلمون لكنهم يشيرون”.

“أليف لام ميم” المسرحية الأخيرة لبهرام العلوي فازت بجائزة رومبورغ، وتضم المسرحية ممثلين هم في الواقع 4 أشخاص عاديين من الصم لا يمتهنون التمثيل، قام المخرج بتكوينهم نظرا إلى أنه قبل ذلك عمل مختصا في ترجمة لغة الإشارات، يرافقهم ممثلان محترفان، يؤدون أدوارهم من خلال الحركات، إلا في نهاية العمل حيث يعود الأب للكلام.

أحداث المسرحية تدور عام 2025 في واقع مترد يتزوج فيه ابنا عم فينجبان أبناء صمّا، وتحاول العائلة التعامل مع واقعها، لذا يقررون خلق قرية خاصة أو دولة خاصة، هي قرية الصم، وهنا تتشابك الأحداث وتشهد الدولة داخل الدولة نفس مصير البلد من فوضى.

العمل يوجهه العلوي للمهمشين وللمنسيين من الأحداث والشخصيات، لذا بدأ عرضه في الجهات الداخلية للبلاد مثل الشمال الغربي أو قرية في الساحل هي قرية حقيقية للصم، هنا نكتشف التداخل بين المشروع الفني وواقعه، وهو ما يسعى بهرام العلوي لتحقيقه في مشروعه الفني ملتحما بأرضه متطلعا إلى المستقبل من خلال بيئته الخاصة، وهذا هو مشروع الفنان المتصل بما حوله “الفنان العضوي” إن صحت العبارة بعيدا عن العزلة التي يضربها بعض الفنانين مع شعوبهم وتاريخ أوطانهم.

14