بين شاربي دالي وقرون هاربيسون

ألا يوجد عضو سايبراني يتحكم بالسياسيين ورجال الدين والمتفهمنين من كافة التخصصات، كي لا يتجولون حولنا معكرين أيامنا وليالينا، بأفكارهم الفذة؟
الجمعة 2018/02/23
نيل هاربيسون شخص غير طبيعي أصلاً

تابعت مؤخراً حواراً أجري مع أول رجل نصف آلي نصف بشري على سطح الأرض. ولفتتني رغبته الشديدة المتباهية بالتحول إلى “سايبروغ”.

نيل هاربيسون شخص غير طبيعي أصلاً. حمل مرض عمى الألوان، فقرر الأطباء زرع قرن استشعار مثل قرن النحل واليعاسيب يمكّنه من التعرف إلى الألوان ولكن دون أن يراها.

أصبح هذا الشاب بدءا من سن العشرين قادراً على سماع الألوان بدلاً من رؤيتها.

يقول هاربيسون “إنني حين أسمع ترددات الألوان أشعر بعلاقتي مع الكون والأشياء أكثر من إحساس البشر العاديين، فأنا أستطيع رؤية الأشعة تحت الحمراء وفوق البنفسجية”.

أجمل ما في قصة هاربيسون هي إحساسه أنه، بحد ذاته، مشروع فني جمالي وليس مجرد حالة مرضية. يحكي بهدوء إن “هذا الفن فن ابتكار حواسك الخاصة. فهنا العمل الفني هو قرن الاستشعار، وتجربة العمل الفني تحصل فعلا داخل رأسي”.

حياة هذا البشري الآلي في شركته “سايبروغ” في تكنوكامباس ماتارو في برشلونة قادتني إلى ذكرى قرني استشعار قديمين لطالما قاما بلفت نظري، إنهما شاربا الفنان السوريالي الإسباني سلفادور دالي الذي كان يسميهما هكذا أيضاً، ليستعملهما للبحث عن الجمال في الغرابة.

الأشد غرابة أن نارسيس بارداليت الذي حنّط جسد دالي بعد وفاته في العام 1989 وساعد في استخراجه صيف العام الماضي لفحص عينات من حمضه النووي، يقول إنه كان سعيداً جداً لدى رؤيته أن “شاربي دالي لا يزالان سليمين، مثل عقارب الساعة 10:10، كما كانا في الماضي، وكما كان دالي يحب”.

أما صاحب قرن الاستشعار الوحيد حاليا فقد أفصح أنه يوشك على الانتهاء من اختراع عضو بشري نصف آلي جديد يتحكم بالإحساس بالوقت. وشرح هاربيسون “سيكون تاجا حول رأسي يزوّدني بنقاط حرارة، ويمكّنني من الشعور بدوران الأرض في رأسي”.

واتساقاً مع منهج هاربيسون ودالي في التفكير، يحق لنا أن نسأل: ألا يوجد عضو خاص للإحساس بمعاناة الناس في الأرض؟ ألا يوجد عضو يلسع الإنسان ذاتياً إذا خان ضميره وأمانته؟ ألا يوجد عضو سايبراني يتحكم بالسياسيين ورجال الدين والمتفهمنين من كافة التخصصات، كي لا يتجولون حولنا معكرين أيامنا وليالينا، بأفكارهم الفذة؟ عضو يمكن أن نطلق عليه “عضو التحكم بالحمقى والمغفلين”. أولئك الذين صنّفهم ابن الجوزي في كتابه قائلاً “إن منهم الأحمق، والرقيع، والمائق، والأزبق، والخَطِل، والمسلوس، والهبنّك، والأهوج، والمذهول، والهدّاك”. والله أعلم.

24