تحت نصب الحرية في بغداد

مدرستي الابتدائية، كان اسمها الحجاج بن يوسف الثقفي لكنهم غيروا الاسم بعد 2003 إلى ‘الرصافة الثانية’، فتشت عنها فلم أجدها، دخت واتهمت ذاكرتي بأنها تخذلني، لكني علمت أنها هُدّمت قبل 8 سنوات وسرق المقاول حجرها وأبوابها.
الخميس 2018/02/22
نصب الحرية شاهد على مأساة وطن

من سنين لم أزر بلدي وعاصمته التي اعتدنا أن نقلّب كل يوم أجمل ما فيها من صور علنّا نجد بارقة أمل لتقم من كبوتها سانحة ليتفهّم الوطن أن ما يحدث ليس من صلبها وترابها، نتمنى ونتمنى حتى ملّ منا التمني.

قررت أن أغلق التصفح وأذهب إليها لأراها وأشم ترابها وعطر شذاها، وأتجول بين شوارعها وأحكي مع أهلها غير عابئ بما قيل وقال، بل رحت بعيد أن أدرج اسمي بين قوائم مجلس النواب في قائمة عابرة للطائفية علّي أفي هذه المدينة بعض حقها عليّ كونها علمتني وآوتني، وكانت ملعب صبا وعيشا وأهلا.

رحت أدور في شوارعها كالمجنون أخرج منذ الصباح الباكر ولا أعود إلا في المساء الأخير لأرى أصدقاء صار لهم أحفاد، أتأمل وجوه أولادهم الذين كبروا وتغضنت وجوههم حزنا وفقدت براءتها من شدة الخوف والترقب والتوجس والانتظار.

 الكثير منهم ركنوا للدراسة والتعلم، صاروا دكاترة، توزعوا على الجامعات الأهلية التي انتشرت، والقليل منهم انخرطوا في قوائم الأحزاب ومنظمات المجتمع المدني والعمل.

قصدت كل يوم ساحة التحرير ووقفت تحت نصب الحرية، تذكرت ديوان صديقي اللدود عدنان الصائع “تحت نصب الحرية”، وقصيدته بعنوان “أحزان عمود الكهرباء” التي أهداني إياها في الثمانينات، والذي تنبّأ بأن نرحل جميعا ويبقى عمود الكهرباء شاهدا يئن على فراقنا!

سألني صديق صحافي من أين تبدأ حملتك؟

قلت “من مدرستي الابتدائية، كان اسمها الحجاج بن يوسف الثقفي لكنهم غيروا الاسم بعد 2003 إلى ‘الرصافة الثانية’، فتشت عنها فلم أجدها، دخت واتهمت ذاكرتي بأنها تخذلني، لكني علمت أنها هُدّمت قبل 8 سنوات وسرق المقاول حجرها وأبوابها ‘الصاج’ وشبابيكها والحديد الذي يمسك سقوفها وهرب، وظل طلابها دون مأوى والنفايات تملؤها".

 قررت الوقوف في مكان صفي الأثير لأبدأ حملتي الانتخابية وأعلن عزمي على مكافحة الفاسدين والمطالبة بعقابهم، مسكني رجل عاقل ودعاني لدكانه القريب وأسرّني بأن هناك الكثير من المدارس على شاكلتها في الأحياء الشعبية هُدّمت وهرب المقاولون وبنيت قصور وعمارات بطابوقها الأصفر الحكومي، وبكى حين تذكر كيف هدمت جدرانها وصفوفها الـ15 وقاعاتها النموذجية.

إنها صورة مصغرة لمأساة وطني وما جرى له من إدارات فاسدة تجرأت حتى على مدارس الأطفال.

عدت لنصب الحرية في قلب بغداد معاتبا متظاهرا لوحدي، وكأني أنحت طابوقا لجداره المهدم!

24