تركيا تعادي الجميع: شعبوية أردوغان تهدد بلاده بالعزلة

تسبب الموقف الذي تتخذه تركيا ضد الأكراد بسوريا في تزايد القلق الأوروبي، ومع ذلك يذهب اضطراب العلاقات التركية مع الغرب إلى أبعد من مجرّد اختلاف وجهات النظر حول الحرب السورية، وجاء التوتر الأخير مع هولندا ليقدّم دليلا جديدا على أن الفجوة ما انفكت تتسع في علاقة أنقرة بالدول الأوروبية، كما العلاقات الأميركية، وحتى في علاقتها بدول عربية، في ظل حكم الرئيس رجب طيب أردوغان.
الجمعة 2018/02/23
حليف مثير للمشاكل

أنقرة- تشهد العلاقات بين تركيا والغرب توترا متصاعدا، تجسّد في أحدث مشاهده بإعلان الحكومة الهولندية رسميا تخفيض العلاقات الدبلوماسية مع تركيا وسحب سفيرها من أنقرة. وفي حين أن الخلاف التركي- الهولندي لم يكن بمثل أهمية المواجهة المتصاعدة بين تركيا وحلف شمال الأطلسي، إلا أنه يمثل علامة هامة على تزايد عزلة تركيا في ظل حكم الرئيس رجب طيب أردوغان.

ويؤكد المحلل في موقع “أحوال تركية”، جنكيز أكتار، أن تركيا، وفي ظل القبضة الحديدية لأردوغان تبتعد عن الغرب بوتيرة سريعة وتقلب بالقوة الاتجاه القائم منذ قرنين ولا تترك مجالا لأي رابط مع الغرب في المستقبل، وتؤيده فريدا غيتيس، المحللة في وورلد بوليتيكول ريفيو، مشيرة إلى أن دائرة خلافات أنقرة مع الدول الأوروبية ما انفكت تتسع.

لم يكن القرار الهولندي متوقعا، لا سيما وأن أنقرة وأمستردام كانتا تحاولان عقد مفاوضات لحل خلافاتهما. لكن انهارت تلك المفاوضات، وقررت هولندا عدم استقبال سفير تركي جديد في البلاد، كما لم يذهب سفير هولندي إلى تركيا منذ مارس2017. واستدعت تركيا القائم بالأعمال الهولندي لدى أنقرة للتعبير عن استيائها من مشروعي قانونين يتعلق أحدهما بالاعتراف بمقتل 1.5 مليون أرمني على أنه إبادة جماعية.

ويدعو القانون الآخر إلى حضور مسؤول هولندي في ذكرى الإبادة الجماعية للأرمن في 24 أبريل. وعبرت الأحزاب الأربعة الحاكمة في هولندا عن تأييدها للمقترحين اللذين طرحهما حزب الاتحاد المسيحي المحافظ. وتضع فريدا غيتيس هذه التطورات ضمن مؤشرات نفاد فرص تطبيع العلاقات بشكل متين بين تركيا ودول الغرب في المستقبل.

وعلى الرغم من اختلاف بعض التفاصيل، إلا أن أردوغان يواجه علاقات متوترة مع أكثر من دولة أوروبية. وأعرب المسؤولون الأوروبيون عن تزايد قلقهم إزاء جهود أردوغان لكسب ثقة المغتربين الأتراك في أوروبا لتحقيق أهدافه السياسية الخاصة التي تساهم في تزايد التوترات العرقية. ففي روتردام، على سبيل المثال، يتنافس الحزب الهولندي التركي المؤيد لأردوغان (دينك) على الفوز بمقاعد في البرلمان في الانتخابات البلدية، مما سيمكّن أردوغان من أن يكون له حليف قوي في الحكومة.

فريدا غيتيس: الفجوة بين تركيا والغرب ستتعمق ما دام أردوغان في السلطة
فريدا غيتيس: الفجوة بين تركيا والغرب ستتعمق ما دام أردوغان في السلطة

وتسبب تدخل أردوغان في الشؤون الأوروبية في حدوث مشاكل كثيرة، حيث اعتقلت تركيا مجموعة من الأتراك من مواطني الدول الأوروبية الأخرى بعد أن انتقدوه. بل واتسعت دائرة مطاردة أردوغان لمعارضيه في أوروبا حيث طالب ألمانيا بمقاضاة أحد الممثلين الكوميديين بعد أن ألقى قصيدة تسخر من الرئيس التركي.

ولكن كل هذه كانت أعراضا لمشكلة أكبر، وفق فريدا غيتيس، ففي ظل حكم أردوغان، لم تتخذ تركيا وأوروبا مسارا سياسيا متوافقا، مما يعني أن فرص تركيا في أن تصبح جزءا من الاتحاد الأوروبي، وهي عملية بدأت منذ عام 1987. وفي أبريل الماضي دعا البرلمان الأوروبي إلى تعليق مسألة عضوية تركيا في الاتحاد الأوروبي.

أزمة مع واشنطن

لا تقتصر مشاكل تركيا مع جيرانها في أوروبا فحسب، بل وتمتد أيضا إلى واشنطن، حيث شابت العلاقات التركية الأميركية بعض الاضطرابات التي من الواضح أنها لن تنتهي قريبا. فبعد محاولة الانقلاب الفاشلة التي حدثت في تركيا في يوليو 2016، اتهم أردوغان رجل الدين فتح الله غولن، الذي يعيش في ولاية بنسلفانيا الأميركية، بأنه من دبر لهذا الانقلاب وطالب الولايات المتحدة بتسليمه.

ورفضت الولايات المتحدة الطلب التركي قائلة إن أدلة الإدانة والتسليم لا تبرر ترحيل غولن قسرا من البلاد. وهذه القضية واحدة من سلسلة حلقات توتر العلاقات بين الدولتين.

ومرة أخرى، أثارت تركيا غضب أعضاء حلف الناتو، ومنهم الولايات المتحدة، بعزمها شراء نظام الدفاع الروسي الصاروخي إس 400، حيث أنه من المفترض أن تتوافق هذه الأنظمة مع الأنظمة التي يستخدمها حلف الناتو. وستشكل خطوة شراء النظام الصاروخي الجديد حلقة جديدة في حلقات التعاون العسكري التركي مع روسيا، الأمر الذي يزعج الولايات المتحدة والناتو بشكل متزايد.

وفي ساحة المعركة السورية تظهر الأهداف المتضاربة لتركيا والغرب بشكل أكثر وضوحا، ففي الوقت الذي تدعم فيه الولايات المتحدة الأكراد السوريين، تتخذ تركيا موقفا عدائيا ضدهم. ومنذ حوالي شهر، أطلقت أنقرة عملية “غصن الزيتون” ضد الأكراد في المناطق السورية بالقرب من الحدود التركية. ومع استمرار الهجوم، واجهت القوات التركية بشكل مباشر المقاتلين الأكراد المدعومين من الولايات المتحدة، بما في ذلك أعضاء من قوات سوريا الديمقراطية، الذين تتركز معاركهم على محاربة تنظيم داعش ولا أساس عندهم لفكرة النيل من تركيا.

وبما أن تركيا أصبحت حليفا مثيرا للمشاكل وغير مخلص لحلف شمال الأطلسي يناقش الناتو الآن إمكانية استبعادها، فيما لا تزال الحكومات الأوروبية تدور في إطار حلقة التعبير عن القلق واتخاذ بعض الخطوات التي تراها فريدا غيتيس وجنكيز أكتار أنها غير كافية. وتقول غيتيس إنه وفي الوقت الذي تتجاهل فيه أوروبا ممارسات الرئيس التركي واعتدائه على الحريات الصحافية وقمعه لفصائل المعارضة وحشد نفوذه، يستمر أردوغان في إطلاق تصريحاته بأن “ذهنية الفاشية ما زالت منفلتة في شوارع أوروبا”.

نصائح للأوروبيين

نشر أكتار، على موقع أحوال، بنسخه التركية والعربية والإنكليزية، رسالة إلى قادة الاتحاد الأوروبي قدم من خلالها مجموعة من النصائح ودعا الأوروبيين إلى الحذر من أردوغان، مشيرا إلى أن اللغة العدائية تجاه بعض دول الاتحاد الأوروبي وساسته ومواطنيه خلال الأعوام الأخيرة دليل قوي على النهج التركي نحو الابتعاد عن أوروبا.

وينبه الكاتب التركي إلى المخاوف المرتبطة باختلال التوازن الأمني الذي يتشكل في جنوب شرق أوروبا من خلال وقوف تركيا بجانب روسيا. ورغم أن قيام شراكة استراتيجية روسية- تركية شيء متناقض وفقا للتاريخ، إلا أن المرء لا يمكنه أن يقلل من شأن الشعور المناهض للأميركيين المنتشر حاليا في المجتمع التركي وفي الجيش الآن.

جنكيز أكتار: لا تضيعوا الوقت بوضع كل بيض مكافحة الإرهاب في السلة التركية
جنكيز أكتار: لا تضيعوا الوقت بوضع كل بيض مكافحة الإرهاب في السلة التركية

ويؤكد أن إغراءات التحرك المنفرد ستظل، رغم أنه مبالغ فيها، طالما بقيت أنقرة تجرم واشنطن والغرب على تقربهما من الأكراد وطالما ظلت أنقرة نفسها متقربة من الإخوان المسلمين وقياداتهم ومؤيديهم ووكلائهم الذين لا حصر لهم بالمنطقة، كما أن نسبة الأتراك الذين يعتقدون أن الغرب يعمل على تمزيق تركيا مثلما فعل مع الإمبراطورية العثمانية تصل إلى 87.6 في المئة بينما يرى 77.6 في المئة أن نهج الغرب تجاه تركيا يعكس روحا “صليبية” ويرى 54.3 في المئة من الأتراك أن الولايات المتحدة تشكل أكبر تهديد لوحدة الأراضي التركية نتيجة لتحالفها مع أكراد سوريا.

ويتوقف أكتار عند ورقة اللاجئين واتفاقية اللاجئين المبرمة في مارس من عام 2016 التي ابتزت من خلالها أنقرة دول الاتحاد الأوروبي، بتهديدها “بإطلاق عنان” اللاجئين باتجاه أوروبا، مشيرا إلى أن هذه الاتفاقية ترتبط بقضية مؤقتة ستفقد زخمها عاجلا أو آجلا، وحتى مع ضبط عمليات السفر التي خرجت عن التحكم في عام 2015، لا تزال حركة اللاجئين والمهاجرين نحو اليونان مستمرة.

ويضيف أكتار موجها حديثه للقادة الأوروبيين “لا تنسوا أبدا أن المنطق الذي يعتمد عليه نظام أردوغان هو سياسة القوة، تماما مثل روسيا التي تتخذها أنقرة نموذجا، وأنه مستعد للجوء إلى الابتزاز والتهديدات واستعراض العضلات والخروج عن القانون. لا تنسوا أن الحكم الرشيد الاقتصادي الحديث غير موجود في تركيا حيث كل القرارات، وعلى كل المستويات، يتخذها أردوغان من خلال صفقات لا تحظى بشفافية، وستنهار”.

ويختم نصائحه ساخرا من المشروعات التجارية والهندسية “النضرة”، التي تعد بها تركيا الشركات الأوروبية، مشيرا إلى أن المصالح الاقتصادية الجامدة ستسود وستقوض العلاقات بين تركيا والدول الغربية.

وتمول المفوضية الأوروبية مشروعات دون تحليلات ملائمة على البيئة والتأثيرات الاستراتيجية ودون مراجعة الممارسات غير القانونية للمتعاقدين المحليين من الباطن في ما يخص معايير سلامة العمال (على سبيل المثال تركيا بطل أوروبا في حوادث العمل المميتة). ويؤكد أكتار أن الانتباه مطلوب، وذلك لعدة أسباب منها أن إدارة أردوغان ارتكبت أخطاء اقتصادية تراكمت على مدار السنين وأحجمت عن إجراء إصلاحات عميقة حتى أصبحت معتمدة على معدلات الفائدة المرتفعة لمواصلة جذب رؤوس أموال مضاربة للحفاظ على أداء الاقتصاد وسد العجز، هذا بالإضافة إلى نقص الأمن الاستثماري الملائم ومعدل البطالة المرتفع بشدة والنمو المحدود المعتمد فقط على الإنفاق على البنية التحتية والطاقة والاستهلاك المحلي وضعف الأبحاث والتطوير، والنظام التعليمي المثير للشفقة، ونقص الموارد الطبيعية وانخفاض معدل الادخار والنظام المالي البالي وجفاف الاستثمارات الأجنبية المباشرة وغسيل العقول الشديد الجاري حاليا، وكل هذه مشكلات هيكلية تهيئ المجال لانفجارات متنوعة، ولكن الاقتصاد التركي لن يتحمّل.

وينهي بقوله “في إطار العمل هذا، ضعوا في الاعتبار أنه من خلال مشروع قناة إسطنبول فإن الشركات الإيطالية وشركات هندسة أوروبية أخرى ستنخرط في صنع كارثة بيئية إقليمية ستؤثر على دول الاتحاد الأوروبي. وأخيرا وليس آخرا، لا تنسوا أن كل صفقة اقتصادية أجنبية تبرم مع النظام التركي ستساعد في النهاية في تقوية حكم أردوغان داخل وخارج تركيا”.

6