خارطة طريق فلسطينية: مشاركة دولية أوسع دون قطيعة مع واشنطن

الانتقال من موقف الإدانة إلى تقديم بدائل دقيقة في عنوانها ومضامينها، وغضب إسرائيلي وأميركي يعكس قلقا من جدية الطرح الفلسطيني.
الخميس 2018/02/22
الأوراق تضيع من بين أيدينا

نيويورك - كسر الرئيس الفلسطيني محمود عباس، في خطابه المختلف، أمام مجلس الأمن، يوم 20 فبراير 2018، جمود عملية السلام في الشرق الأوسط، بدعوته إلى إيجاد إطار أوسع للمفاوضات مع إسرائيل ما يعني كسر احتكار الولايات المتحدة الأميركية لهذا الملف.

وقدّم خطاب محمود عباس خارطة طريق فلسطينية لا تقطع مع المسارات الدبلوماسية التي قادتها الولايات المتحدة، لكنها تقترح آليات رديفة لدفع عملية المفاوضات باتجاهات ناجعة.

ورأى دبلوماسيون في منظمة الأمم المتحدة أن محمود عباس الذي يريد مشاركة دولية أوسع في عملية السلام قدّم خطته وهو مدرك للثقل الأساسي للولايات المتحدة في هذا الملف، وبالتالي فإن ما يطرحه لا يعتبر بالضرورة قطيعة فلسطينية مع واشنطن.

وطالب الرئيس الفلسطيني في خطابه بإنشاء “آلية متعددة الأطراف” لحل القضية الفلسطينية عبر “مؤتمر دولي” للسلام يعقد منتصف العام 2018. ودعا إلى “تشكيل آلية دولية متعددة الأطراف تساعد الجانبين في المفاوضات لحلّ جميع قضايا الوضع الدائم حسب اتفاق أوسلو، وتنفيذ ما يتفق عليه ضمن فترة زمنية محددة، مع توفير الضمانات للتنفيذ”.

وفيما اعتبر مراقبون أن هذه الدعوة تمثّل رفضا فلسطينيا للوساطة الأميركية المنفردة في عملية السلام في الشرق الأوسط والمعطلة منذ سنوات، رأى آخرون أن الآلية المقترحة لا تقصي واشنطن لكنها تجعلها شريكة داخل تجمّع دولي أوسع، وأن هذه المقاربة تحوّل الملف الفلسطيني إلى ورشة متعددة الأطراف على النحو المعتمد حاليا في ليبيا وسوريا واليمن وكوريا الشمالية وأفغانستان.

وعلى الرغم من إدراك القيادة الفلسطينية لعجز المجتمع الدولي، سواء من خلال الأمم المتحدة أو من خلال الرباعية الدولية، عن أن توفر بدائل فعّالة لإخراج الصراع الفلسطيني الإسرائيلي من مأزقه، تدرك هذه القيادة أيضا المأزق الذي وضعت الولايات المتحدة نفسها فيه منذ قرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل.

وندّد الرئيس الفلسطيني بالقرارات أحادية الجانب مثل اعتراف الولايات المتحدة في نهاية العام 2017 بالقدس عاصمة لإسرائيل، ودعا إلى أن تكون “القدس الشرقية عاصمة دولة فلسطين، وتكون مدينة مفتوحة أمام أتباع الديانات السماوية الثلاث”.

من خلال خطابه، انتقل الرئيس الفلسطيني، وبناء على معطيات دولية يمتلكها منذ قرار واشنطن بشأن القدس، من موقف الإدانة إلى موقف إيجابي يتوجه به إلى المجتمع الدولي لإبرام “صفقة القرن” وفق نسخة فلسطينية يكون العالم شريكا بها وليست صفقة “صنعت في الولايات المتحدة” دون غيرها.

وتعدّ مطالبة الرئيس الفلسطيني الدول التي لم تعترف بفلسطين بالقيام بذلك مؤشرا لعزم فلسطيني على دراسة كافة الخيارات التي كانت مؤجلة من أجل دخول دولة فلسطين في كافة المنظمات الدولية، علما أن ضغوطا أميركية غربية كانت تحول دون إقدام السلطة الفلسطينية على فعل ذلك.

الخطاب الفلسطيني يجب أن يبقى قابلا للتسويق لدى دول العالم وأن يبتعد عن أي لغة خشبية تستفيد منها الحكومة الإسرائيلية

ومنحت الأمم المتحدة فلسطين وضع دولة مراقب غير عضو في عام 2012 لكن الانتقال إلى عضوية كاملة يستدعي موافقة بالإجماع من مجلس الأمن دون فيتو من الولايات المتحدة، الداعمة الأولى لإسرائيل.

واعتبر دبلوماسيون أن تبادل المواقف الشكلية بين فلسطين وإسرائيل والولايات المتحدة أثناء جلسة مجلس الأمن التي تحدث فيها عباس لم يكن مفاجئا ويعبّر عن حالة التوتر التي أحدثها الاعتراف الأميركي بالقدس عاصمة لإسرائيل.

 ورأى هؤلاء أن مغادرة عباس دون الاستماع إلى كلمتي السفيرين الإسرائيلي والأميركي تتسق تماما مع الموقف الرسمي الفلسطيني والذي رفض قبل ذلك استقبال نائب الرئيس الأميركي مايك بنس أثناء جولته الشرق أوسطية الأخيرة.

وانتقد بعض الخبراء في شؤون الشرق الأوسط رد فعل السفيرة الأميركية في مجلس الأمن نيكي هايلي التي قالت في خطابها لعباس “لن نجري وراءك”، غير أنهم ذكّروا في الوقت عينه بتصريحات كانت صدرت عن هيلاري كلينتون عندما كانت وزيرة للخارجية الأميركية في عهد الرئيس السابق باراك أوباما، حين علقت على تلويح عباس بالاستقالة بأن بلادها ستتعامل مع خلفه، دون أي اكتراث بالرسائل التي كان عباس يود إرسالها من خلال التلويح بهذه الاستقالة.

وأشار دبلوماسيون عرب في نيويورك إلى تأكيد عباس على خيار المفاوضات رغم ما وصلت إليه الأمور بما يتسق مع رؤيته الدائمة في هذا الصدد. وقال هؤلاء إن الخطاب الفلسطيني يجب أن يبقى قابلا للتسويق لدى دول العالم وأن يبتعد عن أي لغة خشبية تستفيد منها الحكومة الإسرائيلية.

وكان واضحا من خلال ما صدر عن أمين سر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، صائب عريقات، أن السلطة الفلسطينية تسعى إلى تسويق خطاب عباس بصفته رسالة سلم.

 وقال عريقات إن خطاب الرئيس الفلسطيني “يعدّ فرصة تاريخية على المجتمع الدولي التقاطها، من أجل صنع سلام عادل وشامل، وإنهاء الاحتلال الإسرائيلي”.

وأضاف أن “رؤية الرئيس عباس هي دعوة إلى العالم من أجل إنقاذ السلام في مواجهة المشروع الاستعماري الإسرائيلي، الذي تحصّن بثقافة الإفلات من العقاب، على مدار 51 عاما”.

ولفتت مراجع أميركية إلى موقف مرن عبّرت عنه وزارة الخارجية الأميركية إزاء الآلية الدولية التي اقترحها عباس.

 فبالنسبة لفكرة عقد مؤتمر دولي قالت المتحدثة باسم الخارجية هيذر نويرت “إذا رأينا في وقت من الأوقات أن بلدانا أخرى يمكن أن تكون مفيدة لعملية السلام، فسنكون على استعداد بالتأكيد لجعلها منخرطة".

 إلا أن نويرت وصفت رغم ذلك ملاحظات عباس بأنها “بنّاءة” وعبّرت عن الأمل بعودته إلى طاولة المفاوضات.

ورأى محللون أن خطاب عباس جاء مستفزا للطرف الإسرائيلي من حيث كونه يقدّم آلية لطالما رفضتها إسرائيل. فقد رفض رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خطاب عباس واعتبر أن الرئيس الفلسطيني لم يقل شيئا جديدا. وأضاف “أنه لا يزال يهرب من السلام”.

وأظهرت اتصالات نتنياهو الأخيرة مع روسيا والاتحاد الأوروبي تبرّم هذه الأطراف من السياسات الإسرائيلية الأميركية وميل نحو الدفع بالمؤتمر الدولي وفق النهج الذي دعا إليه عباس في خطابه، وهو ما يفسر ذلك الغضب والرفض اللذين عبّر عنهما نتنياهو تعليقا على المواقف التي أطلقها عباس في نيويورك.

7