سعدية الزيدي وجه حي من ذاكرة العراقيين

الفنانة سعدية الزيدي لم يقتصر إنتاجها على الإذاعة والتلفزيون، بل قادتها خطوات النجاح لتدخل عوالم الفن السابع وتطل من شاشة السينما الكبيرة.
الخميس 2018/02/22
سعدية الزيدي فنانة قديرة خطفت أنظار العرب تذكر اليوم بأزمة الدراما العراقية

صيف العام الماضي نقلت صحيفة “العرب” خبراً عن مبادرة لدعم الدراما العراقية برئاسة مجاهد أبوالهيل رئيس مجلس أمناء شبكة الإعلام العراقي، بعد توقف دام أعوامًا. حينها تداعت على الأذهان عشرات الصور والوجوه العراقية المبدعة التي صنعت مجداً كبيراً متألقاً للعراق، سواء في الدراما المسموعة أو في نظيرتها المرئية.

أغلب صناع ذلك المجد رحلوا، ومن بقي منهم يستحق أن نسلط عليه الضوء كي تفهم الأجيال الجديدة كيف نهضت الدراما العراقية في ذلك الحين، وكيف يمكن أن يتواصل ذلك النهوض في الزمن الجديد.

احتفظت الدراما العراقية بملامح لا يمكن نسيانها مهما مرت السنوات، ومهما تعاقبت الأجيال؛ وجوه حفرت في ذاكرة الناس بما قدمته من عمل جاد وصادق لم يكن مجرد مهنة، بل كان شغفا شديدا بالعلاقة مع العراقيين، سواء أكان أصحاب تلك الوجوه من الممثلين أم من الممثلات في زمن صعب للغاية، زمن نهوض التغيير الاجتماعي والسياسي الشامل الذي رفع مكانة الإنسان، بينما نعيش في زمن يحاول أن يحط من قدر ذلك الإنسان بأيّ وسيلة كانت.

 واحدة من هؤلاء الدراميين، تركت طاقتُها الإبداعية آثارَها في نفسية المشاهد والمستمع، لأنها حرصت على أن تحتل مكانة مرموقة بفضل منجزها الإبداعي. ولذلك فقد كانت من بين الأكثر تميزا في عطائها الفني.

 الممثلة سعدية الزيدي التي ولدت جنوب العراق في مدينة العمارة عام 1939، لم تكن تعرف أنها ستواكب في ما بعد مرحلة تأسيس التلفزيون العراقي والمسرح الجاد وتشارك في أغلب الأفلام العراقية.

سعدية الزيدي تحظى بمنزلة مرموقة لدى المشاهدين العراقيين لتقمصها شخصية الأم الريفية ذات العاطفة الجياشة
سعدية الزيدي تحظى بمنزلة مرموقة لدى المشاهدين العراقيين لتقمصها شخصية الأم الريفية ذات العاطفة الجياشة​​​​​

تقول الزيدي إن إخوتها دخلوا السجن في وقت مبكر بسبب عملهم السياسي، وصاروا يتنقلون من سجن “بغداد” إلى سجن “الحلة” إلى “بعقوبة” و”نقرة السلمان”، فكانت بسبب ذلك تتنقل مع والدتها خلفهم، إلى أن قامت ثورة تموز، حينها تم الإفراج عنهم، ليقرروا الاستقرار في بغداد.

وفي بغداد أواخر الخمسينات من القرن الماضي عاشت الزيدي حياة مختلفة، فعملت في شركة الغزل والنسيج الصوفي كرئيسة لقسم مكائن الحاسبة الإلكترونية. ازدادت ثقافتها وكتبت الشعر، وكانت أول قصيدة تلقيها في الإذاعة من خلال برنامج “الشعر الشعبي”.

وفي الإذاعة قدمت مع أختها زكية خليفة أوبريتا إذاعيا اشتهر على امتداد خارطة العالم العربي، كان عنوانه “غيدة وحمد”، بالاشتراك مع كوكبة في الإخراج (صادق علي شاهين)، وفي الحوار التمثيلي (جاسم الياسري) وفي الغناء (وحيدة خليل).

 وكان لنجاحها في ذلك العمل أثر كبير لدى المعنيين بالإذاعة، فاستقرت فيها معدة ومنفذة لبرنامج “الأرض لمن يزرعها” لوزارة الزراعة والإصلاح الزراعي وبرنامج إرشادي زراعي آخر مباشر، ثم خرجت للمشاهد والمستمع كمقدمة برامج.

 أخذت الأعمال التلفزيونية تنهال عليها بدءاً من ذلك الوقت، وكانت أول تمثيلية تجسدها “النهيبة” التي أثارت ضجة بين الناس لاعتبارات عديدة تخص الأعراف المجتمعية، وهي أول تمثيلية تكرم عليها بمبلغ قدره ثمانية دنانير يومذاك. وكانت القصة من تأليف سلمان الجوهر والسيناريو والحوار لرمضان كاطع.

نهضة الدراما العراقية

 تقول الفنانة القديرة سعدية الزيدي لـ “العرب” إنها بواسطة التلفزيون العراقي العريق الذي سبق كل الدول العربية ببناء محطة للبث بواسطة شركة باي الإعلانية “دخلنا لقلوب المشاهدين بعشرات المسلسلات، وتخطينا الصعوبات”.

نهضت الدراما العراقية في مقدمة الفنون في مرحلة الستينات والسبعينات من القرن العشرين. ولم يتوقف عطاء الزيدي عند حاجز معين، بل قدمت تمثيلية “فدعة”، ومسلسل “الدواسر” و”فتاة بالعشرين” الذي لا ينساه المشاهدون، وكان من إخراج  عمانوئيل. شاركت أيضاً في تمثيلية “عشر ليرات” من إخراج كارلو هارتيون، و”جذور وأغصان” قصة وسيناريو صباح الزيدي وإخراج عبدالهادي مبارك، وكذلك ”حلب حبيبتي” و”الأماني الضالة” ومسلسل “رجال الظل” الذي أخرجه صلاح كرم.

تألقت الزيدي في “ثلاثية الأم” و”المدن الثلاث” لمحمد شكري جميل، و”الدفتر الأزرق” إخراج فيصل الياسري،  وفي “شقة مقابل شقة” لنبيل يوسف، و“شارع عشرين”، وغيرها من عشرات المسلسلات الراسخة في وجدان العرب. هذا النتاج الكبير كان نقلة مميزة في تاريخ الدراما العراقية، وبفضله رسمت الزيدي لنفسها علامة فارقة بقيت عالقة بذهن المشاهد، لما تحمله من طابع عفوي.

لم يقتصر إنتاجها على الإذاعة والتلفزيون، بل قادتها خطوات النجاح لتدخل عوالم الفن السابع وتطل من شاشة السينما الكبيرة. فكان أول فيلم ”سنوات العمر” الذي صُور قسم منه بألمانيا والقسم الآخر بالعراق، لكن هذا الفيلم لم يظهر للنور لأسباب إنتاجية، وهو من إخراج جعفر علي ومن تمثيل إبراهيم جلال وعبدالوهاب الدايني. شاركت كذلك في فيلم الأسوار لمحمد شكري جميل، و”بيوت في ذلك الزقاق” للفنان قاسم حول، و”القناص” لفيصل الياسري الذي تم تصويره ما بين سوريا ولبنان، وبالطبع شاركت أيضا في فيلم ”طائر الشمس” و”القادسية” و”عمارة 3” و”المسألة الكبرى”.

ماراثون فني

مسرحية “خيط البريسم” التي كتبها يوسف العاني، سطعت فيها موهبة الزيدي، وحصلت عن دورها فيها على جائزة أفضل ممثلة
مسرحية “خيط البريسم” التي كتبها يوسف العاني، سطعت فيها موهبة الزيدي، وحصلت عن دورها فيها على جائزة أفضل ممثلة

كان لا بد لها من إكمال شوط مارثون الطريق الفني للوصول إلى الدرجات الأولى في سلم المجد والتألق، وللقاء جمهورها وجها لوجه اتجهت السعدي إلى المسرح الذي تعده أبا لكل الفنون والمواهب فقدمت مسرحية “الديلاب” التي كتبها طه سالم وأخرجها صبحي الخزعلي، وكان دورها فيها رئيسيا.

وقد عرضت تلك المسرحية في كل قرى العراق ثم قدمت مسرحية الأرض لنورالدين فارس وأخرجها عبدالوهاب الدايني، بعدها ظهرت في مسرحية “عروس بالمزاد” ونالت عن دورها فيها جائزة أفضل ممثلة لعام 1973 في فرقة “مسرح اليوم”، ووقفت على الخشبة لتبدع في مسرحية “الشهداء ينهضون” التي كانت من إخراج سليم الجزائري، وجسدت فيها الزيدي دور أم الشهيد، وعرضت في المسرح القومي ببغداد وفي دمشق.

جاء العراقيون لنتعلم منهم

 دورها لا يمكن نسيانه في مسرحية “كلكامش” من إخراج سامي عبدالحميد، حيث جسدت فيها شخصية “سيدوري” صاحبة الحانة وزوجة الإله اتونابشتم.  ومن المسرحيات التي لا تنسى “الناس أجناس” ومسرحية “أبوسمرة”، و”أطراف المدينة” من إخراج محسن العلي. أما مسرحية “خيط البريسم” التي كتبها يوسف العاني، فقد سطعت فيها موهبة الزيدي، ومثل معها فيها خليل شوقي وسامي عبدالحميد ومقداد عبدالرضا وأخرجها فاضل خليل، وحصلت عن دورها فيها على جائزة أفضل ممثلة.

وهكذا لم يتوقف عطاؤها الفني في عوالم المسرح، فأبدعت في  مسرحية “الشريعة” لفاضل خليل أيضاً، ومسرحية “الباب”، ومسرحية “الأرض والإنسان” التي كتبها وأخرجها قاسم محمد، ذلك النص الذي يتحدث عن مآسي الحروب. وقد عرضت بعد العراق في مصر حينها ولاقت نجاحاً باهرا.

تقول الزيدي لـ“العرب” عن قوة حضور الفنانين العراقيين في مصر راعية الفنون “حين سافرنا لعرض مسرحية الأرض والإنسان كتب الأستاذ المرحوم سعد اردش وكان يشغل وكيل وزارة الإعلام في جريدة الأهرام: جاء العراقيون لنتعلم منهم. وتناولت الصحف انبهارها بالنص الممسرح والتمثيل والإخراج”. و تضيف الزيدي أن الناقد الراحل رفيق الصبان “كتب عن دوري بالمسرحية؛ يقول شاهدت على المسرح راقصة باليه مذبوحة. ولأول مرة أشاهد أماً بحالات المخاض على خشبة المسرح، مخاض صعب يفوق الأمهات، حين ترى ابنها شهيدا يحمله الشباب، ومن صمت مطبق تستفيق الأم تغني بكلمات عراقية من موروث التراث العراقي الخالد”.

 هذه الفنانة حظيت بمنزلة مرموقة لدى المشاهدين العراقيين لتقمصها شخصية الأم الريفية ذات العاطفة الجياشة، وشخصية الأم التي تسعى لأن تبوئ أبناءها المكانة المرموقة في المجتمع.

أزمة إنتاج أم نص أم ممثل

وبعد ذلك الحضور الكبير، الذي جسدت فيه السعدي العشرات من النصوص المسرحية ووقفت على خشبة المسرح العراقي والعربي، مؤدية العديد من الأدوار الدرامية التي تسكن ذاكرتنا كانت فيها صوتا حميماً وبريقا ملتهبا، وبعد دخول قوات الاحتلال الأميركية بغداد هاجرت الزيدي مع أسرتها وزوجها المنتج التلفزيوني رمضان كاطع، لتعتزل الفن وتذرف دموع حنين على أناس تحبهم في بغداد وجنوب العراق وفي أعالي شمال العراق، وتتذكر كيف كانت تلك الوجوه البغدادية تحتفي بها حينما تراها في شوارع الكرادة وبغداد الجديدة والمنصور قبل فترة قصيرة من فقد ابنها. وقد ابيضت عيناها من الدمع حزنا على ابنها وعلى العراق.

وبالعودة إلى المبتدأ، فإن أزمة الدراما العراقية لا تتوقف فقط على التمويل والإنتاج، حسب الخبراء الذين يرجعونها في غالب الأحيان إلى طبيعة المواضيع التي عالجتها ما كرس للترويج لافكار ايديولوجية سواء ما قبل  الاحتلال الأميركي أو بعده. كذلك وحسب الناقدة عواطف النعيم، فإن غياب عناصر الجذب فيها لوجود العديد من الضوابط والتعليمات الرقابية الصارمة التي تحد من الجانب الحياتي فيها.  كذلك الانشغال بعد 2003 بإنتاج مسلسلات ذات توجهات ايديولوجية متخالفة ومختلفة تعكس حقيقة ما يدور في المجتمع العراقي من تناقضات وانقسامات وتحزبات.

لكن المؤكد أن الدراما العراقية تعاني من أزمة كاتب ونص حقيقيين، كما يرى آخرون، يستطيعان إظهار متناقضات الواقع، واستغلال الواقع العراقي المليء بالقصص اللافتة وإخراجه بطريقة إبداعية. وهذا ما لا يتوافر حاليا في البيئة المحيطة بالعمل الفني وظروف صناعته. ذلك المناخ الذي عاشت فيه سعدية الزيدي والذي يتوق إلى مثله مبدعو العراق في هذه الأيام.

12