سلحفاة محمود عباس

قرار ترامب أثبت أنه حتى في وسط الأزمات التي تعصف بالمقدرات التاريخية للشعب الفلسطيني، يظل التردد والتصعيد من أجل التصعيد، محورين لسلوك السلطة، التي لم تعد تشبه "السلطة" في أي شيء.
الخميس 2018/02/22
البحث عن مظلة دولية

كنت لا أزال طفلا صغيرا عندما أخذني والدي لزيارة أقاربنا المقيمين في أحد أحياء القاهرة الهادئة. لكن المفاجأة كانت بالنسبة إليّ تلك السلحفاة الصغيرة القابعة في سكون تام بأحد الأركان البعيدة في الغرفة.

كنت لم أتخطّ السنة السادسة من عمري بعد. طفل فضولي تحمل مخيلته الكثير عن حيوانات طائرة وأخرى تزحف تحت الأرض وتستطيع أن تظهر فجأة من البالوعة في أي شارع أو ميدان وتلتهم كل المارة فيه بسياراتهم. لكنها كانت المرة الأولى في حياتي القصيرة التي أجد فيها نفسي واقفا أمام سلحفاة صغيرة.

عنادي الصلب والساذج، الذي كنت معروفا به آنذاك، جعلني أقرر الدخول في مواجهة مع هذه السلحفاة المسكينة. كائن ضئيل لا أعرف عنه شيئا، أردت فجأة أن أتدخل في كل تفاصيل حياته. مع الوقت تحوّل هذا الإصرار إلى رغبة سادية في إيذائها. لكنني أعترف أن بطء السلحفاة وترددها، وفوق كل ذلك هذا المخبأ العجيب الذي يتخذ شكل صخرة على ظهرها، تسببا في شعوري بالعجز وقلة الحيلة. لم تفعل السلحفاة شيئا يذكر. كل ما قامت به هو أنها اختبأت تحت الصخرة منتظرة وصول هذا الطفل المزعج إلى مرحلة الملل من ملاحقتها، ومن ثمّ الانصراف عنها.

الرئيس الفلسطيني محمود عباس لا يريد من كل هذا الخطاب الطويل العريض، الذي ألقاه في مجلس الأمن يوم الثلاثاء الماضي، سوى محاولة الفوز بدرقة السلحفاة المتمثلة في مظلة دولية يمكن من خلالها تمرير الوقت لحين كفّ الإدارة الأميركية عن ملاحقته.

إدارة عملية السلام بمنطق السلحفاة جعل الرئيس الفلسطيني يقع في فخ الكلام الكثير الذي لا يقدّم شيئا. نعم، بنيامين نتنياهو كان محقّا عندما قال ذلك. خطاب عباس فعلا لم يأت بجديد. الحديث عن “تبادل طفيف” للأراضي (أي أجزاء من أراضي 1948 مقابل بعض المستوطنات في الضفة) طرحه عباس أكثر من مرة بنفس هذه الصيغة، كان أخرها خطاب ألقاه في الجامعة العربية في شهر مايو 2016، والسلام مقابل التطبيع العربي هو جوهر مبادرة السلام العربية التي لا تزال قائمة منذ عام 2002.

كلام عباس في مجلس الأمن محاولة لكسب الوقت دون منح الإسرائيليين والأميركيين تنازلات لا يملكها. لكن في عمق سلوك عباس تقبع هذه الرغبة اللاإرادية التي تدفعه لمحاولة تكذيب اتهامات الرئيس الأميركي دونالد ترامب بأنه “يهرب من المفاوضات”.

كل ما أراده أبومازن في المجمل هو الاحتماء من ترامب. العثور على مظلة حماية دولية لم يكن في السابق شيئا يسيرا يمكن الحصول عليه بضغطة زر يقبع في مكان ما. احتكار الوساطة بين الفلسطينيين والإسرائيليين من قبل الولايات المتحدة، وانهيار الاتحاد السوفييتي، جعلا الفلسطينيين، طوال الوقت، أشبه بسلحفاة تعيش دون درقة على ظهرها. لك بالطبع أن تتخيل شكل الحياة التي تعيشها هذه السلحفاة البائسة.

الوضع في المنطقة مغاير الآن عمّا سبق، وأبومازن يفهم ذلك. ثمة تحوّلات جيوستراتيجية جرت بشكل راديكالي، وحوّلت الشرق الأوسط إلى رقعة شطرنج بين قوى متقاطعة المصالح.

عام 2015 كان عام التحولات الكبرى. في يوليو وقّعت مجموعة 5+1 الاتفاق النووي مع إيران، وفي سبتمبر ألقت روسيا بثقلها في الصراع السوري، وتمكّنت من تغيير دفته إلى الأبد.

فلسفة الاتفاق النووي لم تكن انتصارا أميركيا، بل كانت هزيمة لكل ما تمثّله الولايات المتحدة في المنطقة منذ ما بعد الحرب العالمية الثانية، وحتى إدارة الرئيس السابق باراك أوباما. أثبت الاتفاق النووي أن حق النفوذ الأميركي المطلق في المنطقة يتراجع لصالح أحد أشكال الإدارة الجماعية للأزمات.

مسوّغات الشرعية الدولية، التي كانت الولايات المتحدة تبحث عنها في صورة تحالف دولي قبل بدء أي غزو عسكري (كوسوفو، أفغانستان، العراق، ليبيا…) باتت تحتاجها أيضا في إدارة أي عملية سياسية أو تفاوضية من أي نوع. “الهزيمة” الأميركية اتخذت شكل عملية تدريجية وبطيئة وهادئة طوال سنوات.

الدور الروسي في سوريا سرَّعَ من وصول هذه “الهزيمة” إلى مرحلة الاكتمال والوضوح. نجاح الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في تغيير ديناميكيات الصراع، واستغراق الأمر عامين فقط كي يتحوّل نظام بشار الأسد إلى واقع لا يملك الغرب خيارات سوى قبوله، جعل قادة المنطقة يعيدون النظر في شرعية وقدرة واشنطن على إدارتها.

على رأس هؤلاء القادة محمود عباس. المسألة ليست مرتبطة هنا بشخص عباس، ولكنها أكثر ارتباطا بمفهوم هذه التحوّلات كحركة قدرية ومسار تاريخي لا يمكن الوقوف أمامه.

عملية السلام كانت تشهد نفس التحوّلات البطيئة والهادئة التي انعكست عليها جرّاء تراجع النفوذ الأميركي، بنفس القدر من البطء والهدوء. كما كان التدخل الروسي في سوريا نقطة تحوّل نحو انهيار الأمور بشكل أسرع بالنسبة إلى الأميركيين، كان قرار ترامب بالاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل نقطة التحوّل بالنسبة إلى عباس.

قد يكون منطقيا اليوم أن نقول إن فوائد هذا القرار كانت أكثر من أضراره، عندما يتعلق الأمر بالسياق العام لعملية السلام. قرار ترامب قد يكون النهاية في ملف مفاوضات السلام للبداية التي بدأها أوباما في ملف الصراع السوري.

انتقال نفس ديناميكية إدارة الأطراف المتعددة للصراعات إلى ملف المفاوضات الفلسطينية – الإسرائيلية يقترب من التحقق، رغم العجز الذي يظهره الأوروبيون والروس، وعدم قدرتهم جميعا على تقديم أي بدائل واقعية. لكن الولايات المتحدة تبدو، في الوقت ذاته، عاجزة أمام تصعيد الفلسطينيين رغم تردده.

مشكلة محمود عباس أن كل تحركاته كانت دائما أشبه بسلوك واستجابة هذه السلحفاة التي عثرت عليها في بيت أقاربنا. السير ببطء والتفكير طويلا قبل اتخاذ الخطوة التالية هما أحد المحددات الرئيسية لشخصية السلطة الفلسطينية منذ تولّي أبومازن زمام الأمور عام 2005. أثبت قرار ترامب أنه حتى في وسط الأزمات التي تعصف بالمقدرات التاريخية للشعب الفلسطيني، يظل التردد والتصعيد من أجل التصعيد، محورين لسلوك السلطة، التي لم تعد تشبه “السلطة” في أي شيء.

مع ذلك يبدو ترامب بسذاجته وجهله المعهودين، طفلا عنيدا وعاجزا عن فهم سلوك هذه السلحفاة البطيئة والضعيفة، وغير قادر على كسر ظهرها. تصريحات المسؤولين الأميركيين، التي أبدوا فيها استعدادهم لضم أطراف دولية إلى عملية السلام، توحي بأن الولايات المتحدة بدأت تستسلم لمجريات الواقع الجديد، وتعترف بها، وتبدي استعدادا للتعايش معها.

بالطبع سيحتاج الأمر إلى المزيد من الوقت، الذي قد يصيب ترامب بملل يدفعه إلى الانصراف عن القضية برمّتها، كما فعل أغلب من سبقوه، وهذا هو بالضبط ما يعوّل عليه أبومازن.

8