غاز "التدفئة" لسلام بارد بين مصر وإسرائيل

تمثل إعادة تشغيل وحدات تسييل الغاز المصرية وتسوية قضايا التحكيم الدولي وتحول مصر إلى مركز إقليمي للطاقة الأسباب الرئيسية وراء الصفقة الموقعة بين الشركتين في القطاع الخاص، دولفينوس المصرية وديليك دريلينغ الإسرائيلية، لكن إلى جانب الفوائد الاقتصادية للطرفين، تحمل الصفقة بوادر تغيير يواكب التحولات التي فرضتها اكتشافات الغاز الطبيعي الضخمة في المنطقة وملامح الخارطة الجديدة التي ترسم على ضوء تلك الاكتشافات، كما على ضوء التحولات العامة إقليميا ودوليا.
الجمعة 2018/02/23
اتفاق مثير للجدل

لندن - تتخذ العلاقات بين مصر وإسرائيل منحى جديدا، بعد خمول ظل لعقود قابعا في مستوى “السلام البارد”. لكن يبدو أن هذه المرحلة اقتربت كثيرا من نهايتها، وبدأت مرحلة جديدة تعتمد على “دبلوماسية الغاز” لجعل السلام بين البلدين أكثر دفئا.

وتمكنت مصر وإسرائيل، عبر صفقة ضخمة تقدر بـ15 مليار دولار تستورد بموجبها شركة خاصة مصرية كميات كبيرة من الغاز الإسرائيلي لمدة عشرة أعوام، من عبور جمود ظاهر في العلاقات العلنية، منذ أن ألغت مصر صفقة مقابلة كانت تصدر الغاز عبرها إلى إسرائيل بعد أحداث “الربيع العربي” مباشرة.

وقضت محكمة سويسرية بتغريم مصر ملياري دولار، لصالح شركة الكهرباء الإسرائيلية في أبريل 2017، بسبب “مسؤولية الأضرار الناجمة عن الهجمات المتكررة على خط الأنابيب الذي كان يزود إسرائيل بالغاز”. لكن الصفقة الجديدة جاءت لتضع حدا لهذا النزاع.

وقال الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي إن بلاده “أحرزت هدفا” باتفاق استيراد الغاز من إسرائيل، مضيفا أنه بذلك تكون بلاده قد وضعت قدمها على الطريق صوب تحولها إلى مركز إقليمي للطاقة في منطقة شرق المتوسط.

وتشكل الاتفاقية تهديدا لطموح تركيا في أن تصبح قوة مركزية إقليمية في مجال الطاقة، كما تمثل أيضا تغيرا في التحالفات ينهي نزوعا تركيا لعقد شراكة استراتيجية مع إسرائيل.

وأثارت الاتفاقية جدلا في الداخل المصري أيضا من إمكانية تمهيد الطريق لتطبيع أوسع مع إسرائيل.

ويقول محللون ومتخصصون في العلاقات المصرية الإسرائيلية إن اتفاقية الغاز الجديدة ليست حلا تطبيعيا نهائيا، رغم محاولات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الترويج لذلك. لكن هذه الصفقة قد تشكل تحولا في مسار العلاقة، التي بدأت بعد توقيع معاهدة السلام بين الجانبين عام 1979.

صفقة الغاز تضع مصر وإسرائيل على بداية طريق طويل من تطوير العلاقات قد ينتهي إلى اتخاذها شكل العلاقات بين تركيا وإيران

والاختلاف اليوم هو أن البلدين قررا على ما يبدو انتهاج سياسة “السرعات المتفاوتة” بين مسار السلطات وقطاع الأعمال من جهة، واعتقادات راسخة مازالت تتحكم في نظرة المجتمعين لبعضهما من جهة أخرى.

وتقوم السياسة الجديدة على اتفاق الجهات الرسمية والأجهزة الحكومية في البلدين على المضي قدما في تعاون وثيق، وترك الوقت ليحل عقدا تاريخية جراء صراع امتد لعقود منذ تأسيس دولة إسرائيل عام 1948.

وأظهر رد الفعل الشعبي في مصر والعالم العربي على قرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب باعتبار القدس عاصمة لإسرائيل أن هذه العقد في طريقها للذوبان، كما كان يراهن مسؤولون كبار في إدارة ترامب.

ويسمي باحثون في إسرائيل هذه السياسة الجديدة بسياسة “الفصل العمودي” أو “السياسة متعددة المسارات”، بحيث يظهر الطرفان استعدادا للتعايش بين تقاطع المسارين الرسمي والشعبي، دون أن يشكل هذا الواقع تعارضا مع الأهداف النهائية التي يتطلع إليها الجانبان.

ويعتقد مسؤولون مصريون وإسرائيليون أن تعقيدات المنطقة تفرض عليهم التقارب أكثر من أي وقت مضى. وكثيرا ما يشير المسؤولون في الجانبين إلى تحديات يفرضها الصراع مع تركيا على موارد الطاقة في منطقة شرق البحر المتوسط، إلى جانب التوسع الإيراني في الشرق الأوسط، ومفاوضات السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين.

وتضع صفقة الغاز الجديدة مصر وإسرائيل على بداية طريق طويل من تطوير العلاقات قد ينتهي إلى اتخاذها شكل العلاقات بين تركيا وإيران.

وتركيا وإيران جارتان مختلفتان كثيرا من حيث التكوين العقائدي والمذهبي، إلى جانب تحكم اختلافات جذرية في رؤيتهما لملفات محورية في العراق وسوريا ومنطقة القوقاز والعلاقات مع الولايات المتحدة الأميركية. لكن في الوقت ذاته مازال البلدان حريصان على روابط اقتصادية وتبادل استثمارات ومشاريع مشتركة، كما تعمل الحكومتان على رفع حجم التبادل التجاري بين الجانبين بانتظام، إذ قفز بمقدار 14 بالمئة خلال العام الماضي وحده.

ويطلق خبراء وأكاديميون على هذه السياسة “الفصل الأفقي”، بحيث لا تتأثر مسارات التقارب بين الحكومتين برؤيتيهما المختلفتين من قضايا تمثل ذات الأهمية بالنسبة للجانبين.

وظهر هذا الاختلاف الذي يحكم عقيدة المؤسسات النافذة في البلدين جليا في ديسمبر الماضي، عندما تقدمت مصر بمشروع قرار في مجلس الأمن ضد اعتراف واشنطن بالقدس عاصمة لإسرائيل.

لكن هذا الخلاف، الذي طفت تداعياته على السطح، لم يكن له تأثير يذكر في علاقات رسمية آخذة في التطور، وعلاقات شخصية تجمع السيسي ونتنياهو.

اتفاقية الغاز الجديدة ليست حلا تطبيعيا نهائيا، رغم محاولات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الترويج لذلك

وفي سبتمبر العام الماضي، التقى السيسي ونتنياهو على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة. وقال مسؤولون مصريون آنذاك إن الرئيس المصري ناقش مع رئيس الوزراء الإسرائيلي إعادة إطلاق المفاوضات مع الفلسطينيين، إلى جانب إدارة صراع القوى الدائر في شرق المتوسط.

ويقول دبلوماسيون غربيون إن الإسرائيليين باتوا أكثر استعدادا للتخلي عن فكرة التطبيع بأبعادها التقليدية التي صاحبت زيارة الرئيس المصري الراحل أنور السادات إلى القدس عام 1977. وكان الإسرائيليون يكافحون من أجل الوصول إلى تطبيع يشمل الجانب الثقافي والحضاري والاقتصادي والمعرفي بين الشعبين المصري والإسرائيلي.

وأضاف الدبلوماسيون “معاهدة السلام فرضت على المصريين الاعتراف بدولة إسرائيل ويبدو أن الجانبين وصلا لقناعة بأن هذا الاعتراف كاف لفعل الكثير، دون الحاجة إلى تطبيع”.

ويعني ذلك أن المنطقة تخطت مرحلة التطبيع مع إسرائيل، الذي لم يعد يشكل هاجسا بالنسبة للمسؤولين في الجانبين. وبدلا من ذلك قرر متخذو القرار الالتفاف على “عقدة” التطبيع الإسرائيلية.

وقال دبلوماسي مصري سابق، رفض عدم الكشف عن هويته نظرا لحساسية الموضوع، لـ“العرب” إن “ما يحدث بيننا وبين الإسرائيليين اليوم هو تطبيع من دون تطبيع”، وكان يشير إلى تعاون مقبول طالما ظل سريا.

ويبدو أن هذا التعاون ليس مقبولا فقط على مستوى الحكومتين فقط، بل بات الناس العاديون مستعدين لغض الطرف عن علاقات بات مرتادو المقاهي ورواد النوادي الرياضية في القاهرة يناقشونها دون خوف. والسبب الرئيسي في ذلك انشغال المصريين بأزمة اقتصادية طاحنة وموجة إرهاب واسعة النطاق، إلى جانب قلق متزايد في إسرائيل من بناء إيران تمركزا دائما على الحدود، ومن إمكانية خوض إسرائيل حربا قريبة في سوريا أو قطاع غزة.

7