فنان مصري برزت نجوميته بعد سن الستين

عشق التمثيل يُلزم الفنان الجاد بالتفرغ التام، حتى وإن كانت له اهتمامات أخرى، فإنه يفضّل العيش وسط سيناريوهات الأعمال التي تعرض عليه للحفاظ على نجوميته، وبالأخص إذا حقق الشهرة في سن متقدمة، لذا ترك الفنان المصري سيد رجب العمل في السياسة، واعتبر أن الفن لا يثير الفتن أو الانقسامات بعكس ما تفعله السياسة.
الجمعة 2018/02/23
"أبوالعروسة" حالة فنية خاصة

القاهرة - عرف الفنان المصري سيد رجب بتجسيده لشخصيات أدواره بتلقائية وبساطة تشعر متابعيه بأنها شخصيته الحقيقية، بالرغم من أنها ثقيلة فنيا للحد الذي قد يدفع إلى الإشفاق عليه من تقمصه الكامل لها، والتعايش مع كافة تفاصيلها إلى حد الانصهار.

وفي حواره لـ”العرب” قال رجب، إن الفنان الواعي هو من يدرك أن رسالته تؤثر في المجتمع، ويبقي مكانه الأنسب على المسرح والشاشات فقط، لكن في الوقت ذاته لا يجب أن يكون في معزل عن الناس، ففهم المجتمع يساعد الفنان على تقديم رؤية صادقة يزيد معها ارتباطه بالناس الذين يجب أن يكونوا في بؤرة اهتماماته.

ويضيف “في السياسة نحاول تغيير المجتمع، أما في الفن نحاول تطوير المجتمع عن طريق توعية الناس بقضاياهم ومشكلاتهم، فالفن بكافة أشكاله، لا بد أن يقدّم صورة حقيقية للواقع”.

ويشعر المشاهد بالفارق بين الفنان المثقف عن غيره، حتى وإن كان الأخير من أصحاب المواهب التمثيلية الجيدة، لأن الثقافة تُثقل الفنان وتقربه أكثر من قضايا المجتمع الذي ينتمي  إليه، ويعتبر سيد رجب واحدا من هؤلاء المثقفين، فهو ممثل مسرحي منذ نحو أربعين عاما، فضلا عن موهبته في رواية السير الشعبية، ما ساعده على انتقاء الأدوار القوية منذ اللقاء الأول بجمهور السينما في فيلم “إبراهيم الأبيض” عام 2009.

عودة إلى الدور الثاني

مؤخرا يقوم رجب بتصوير مسلسل تلفزيوني مع النجم محمد رمضان، وهو ما يعيده إلى الدور الثاني بعد بطولة درامية مطلقة في مسلسل “أبوالعروسة”، الذي يعرض حاليا على شاشات الفضائيات الخاصة في مصر، لكن ذلك لا يقلقه على الإطلاق، كونه لا يعترف بمسميات من نوعية “البطولة المطلقة” وغيرها، مؤكدا أن أي عمل مكوّن من عدة عناصر هي، المنتج والكاتب والمخرج والممثلون، وجميعها تتكاتف لخروج العمل في صورة جيدة.

ولم ينكر في حديثه لـ”العرب”، أن هناك ممثلا يؤدي دور الشخصية الرئيسية في العمل وهو البطل، كما يطلق عليه، لكن إلى جانب أهمية الدور ومساحته، لا بد من أن تكون له قيمته وثقله، وهذا ما يعنيه أكثر من البطولة المطلقة.

ويرى رجب أن أداء دور ثان مع محمد رمضان هو أمر طبيعي، وهذه اختياراته وقناعاته التي تناسب الواقع بشكله الحالي، وواقعيا فإن أبطال الدراما والسينما حاليا من جيل الشباب، وإذا تمسك بتقديم بطولات مطلقة سيقلل ذلك من فرص حضوره على الشاشة، ما يتعارض مع عشقه لممارسة التمثيل.

أبطال الدراما والسينما حاليا من جيل الشباب والتمسك بدور البطل يعني تقليل فرص الظهور على الشاشة

وتتوحّد أسس الاختيار لدى رجب سواء في الأدوار الثانوية أو البطولة المطلقة، وهو ما سعى إليه خلال العشرة أعوام الأخيرة التي كشفت عن موهبة حقيقية، وبزغ نجمه بعد أن تجاوز الستين من عمره.

وكشف عن بحثه المستمر عن شخصيات لم يجسّدها من قبل يتخلى معها عن شخصيته الحقيقية، لكنه يكون بكامل وعيه الفني والإنساني أثناء تجسيدها، لذا تنتهي علاقته تماما بأي شخصية عقب الانتهاء من التصوير، وأشار إلى أنه يدين بالفضل للمسرح الذي تعلم بين أروقته كيفية قراءة أي نص والتفتيش بين السطور للإلمام بالتفاصيل الكاملة لأي شخصية.

خشبة المسرح كانت وستظل هي الملهم والمعلّم الأول لكل فنون التمثيل، فقد بدأت علاقة سيد رجب بالمسرح قبل 45 عاما، حين التحق بفريق المسرح في الشركة التي كان يعمل بها، ثم بمسرح حزب التجمع، ومنه انتقل إلى المسرح التجريبي والحر الذي ما زال يعمل به، ليتحوّل نمط حياته من موظف وعضو في حزب التجمع إلى ممثل ينشد الشهرة منطلقا من خشبة المسرح.

لكن ضعف الإنتاج المسرحي نتيجة قلة الموارد المادية دفع رجب كغيره من الفنانين إلى العمل في السينما والتلفزيون، لرغبته في مواصلة العمل من أجل العائد المادي وعدم الابتعاد عن التمثيل، وشدّد على أن ذلك لا يعني ابتعاده عن المسرح الذي يحتاج من الدولة إلى المزيد من المساندة والدعم المادي والفني كي يعود إلى بريقه ومجده.

ويعتقد كثيرون أن انشغال الممثل في العمل بالمسرح، هو حاجز يحول بينه وبين النجومية المبكرة، وهو ما نفاه رجب تماما، مُبينا أنه عمل ممثلا مسرحيا للعشرات من السنين ولم يفكر في تحقيق الشهرة، وكل ما كان يطمح إليه هو أن يصبح ممثلا جيدا، ويشبع ما وصفه “برغبته المتوحشة” في التمثيل.

وحرص رجب طوال الوقت على تقديم نصوص مسرحية ترضيه، وقد منحته عدة جوائز قدّمته للوسط السينمائي والدرامي بصورة أفضل، واعتبر النجم المصري أن العمل المسرحي الجاد والتدريب والتعب لم يذهب هباء، بل حقّق به الكثير من أحلامه الفنية، وربما لو تحققّت نجوميته في سن مبكّرة لأصيب بالغرور وتوقّف عن تطوير أدائه.

وفعليا فإن المتابع لأدوار سيد رجب يتأكد من أنه فنان ناضج متمكن من أدواته، لذا فمن السهل أن يقنعك في مسلسل “أبوالعروسة”، بأنه عبدالحميد الموظف المتواضع الذي يسعى لتوفير نفقات زواج ابنته، لكنه غير قادر على التخلي عن هوايته في جمع طوابع البريد التي تستنزف جزءا من راتبه الشهري، وقبلها جسد رجب دور “المسحراتي” في مسلسل “رمضان كريم” الذي تم عرضه في شهر رمضان الماضي.

متقمص بارع

المسرح هو الملهم والمعلم لكل فنون التمثيل
المسرح هو الملهم والمعلم لكل فنون التمثيل

لم ينس المشاهدون أداءه البارع في حلقات مسلسل “رمضان كريم” وهو يدق بعصاه الصغيرة على “الطبلة”، وعيناه تجولان بين رواد المقاهي وهم ينفثون دخان الشيشة، والشباب الذين يلهون في الشارع، وكأنه يوبخهم ويتعجّب من دوره في لفت انتباه أشخاص لا يراعون حرمة الشهر الكريم.

وأكد رجب حرصه على تطوير موهبته والحفاظ علي جوهرها وامتلاك جميع أدواتها، وهي أسرار النجاح الذي حققه، والفضل في ذلك يعود إلى ورش التمثيل الذي بدأت صلته بها كمتدرب في (ورشة حسن الجريتلي)، ثم تحوّل إلى أستاذ في الكثير منها، ويعتبر رجب أن الفن علم يجب الإلمام بتفاصيله وعدم الاكتفاء بالحصول على مثل هذه الدورات التدريبية التي يتّخذها البعض وسيلة لإيجاد فرص عمل.

ولكل ممثل شخصية هي الأقرب إلى قلبه من بين شخصيات عديدة تقمصها طوال مشواره الفني، وتعتبر شخصية المعلّم “حماده غزلان” التي جسّدها رجب في مسلسل “موجة حارة”، هي المفضلة عنده من بين كل أدواره، خصوصا وأن المسلسل غزل نسيجه الدرامي عميد كتاب الدراما المصرية الراحل أسامة أنور عكاشة.

وكان دور المعلّم المثير للدهشة والريبة يحمل الكثير من التناقضات والمشاعر المختلطة، ويبدو أن رجب ليس محظوظا فقط بالمشاركة في هذا العمل، فقد شارك في أعمال درامية أخرى لا تقل أهمية مثل؛ “أفراح القبة” و”واحة الغروب” و”غرابيب سود” و”بين السريات”، وحاليا يحقق مسلسله “أبوالعروسة” نجاحا في جذب عشاق الدراما العائلية.

وبات المسلسل جزءا من حالة التوهج الدرامي المصري الملموس بسبب امتداد موسم مشاهدة الأعمال الدرامية التي كانت متابعتها قبل سنوات قاصرة على شهر رمضان، وتمنى رجب أن تصبح هذه هي القاعدة في عالم الدراما وليس الاستثناء، وأن تعرض المسلسلات طوال العام، قائلا “لا يعقل أن تكون الأعمال التركية والهندية
بدائل عن أعمال تناقش قضايا المجتمع المصري”.

وقال سيد رجب إن مصر تعاني أزمات في كافة المجالات مثل؛ التعليم والصحة والثقافة، لذا يجب أن يكون الفنان جزءا من هذا الواقع، وإلى أن يحدث ذلك فهناك اجتهادات فنية ناجحة، لكن يبقى حلم مواصلة التمثيل وإشباع شغفه الذي لا ينتهي غاية أحلامه، أما قمة طموحاته التي كشفها في ختام حواره مع “العرب”، هي أن يستمر في اختيار أدوار تمنحه احترام الجمهور وترضيه فنيا، كما يرغب في تخصيص مساحات أكبر للفنانين من كبار السن، ويتحقق ذلك بالأعمال العالمية.

16