قصص يشتبك فيها السرد مع الشعر والقارئ مع الراوي

معادلة صعبة أن تنفتح الشهيّة للحياة بمطالعة كتاب عن الموت، لكنها الحروف العجيبة، بإمكانها أن تغدو بوابة للفردوس، وهذا ما يراهن عليه الكاتب الأردني هشام البستاني في مجموعته القصصية “شهيق طويل قبل أن ينتهي كل شيء”. “العرب” كان لها هذا الحوار مع الكاتب حول مجموعته الأخيرة.

الجمعة 2018/02/23
التماهي بين الكاتب والراوي والقارئ

عن الجحيم والقيود والمحن المتلاحقة واليأس والعواصف يقدّم هشام البستاني مجموعته القصصية الجديدة “شهيق طويل قبل أن ينتهي كل شيء”، الصادرة عن دار “الكتب خان” بالقاهرة، والأشبه بـ”حشرجته” قصصية بأنفاس شعرية لاهثة، طارحا مزيجا زاخما بين الذاتي والمجتمعي، والهمّ العربي، والمشترك الإنساني، وعلى الكاتب أن يبقى مقاتلا حتى النهاية، فقط لكي تظل النجوم تنظر إليه باللمعة المرتجفة ذاتها.

المتعة ليست التسلية

في نصوص “شهيق طويل” الـ31، الممتدة على 120 صفحة، الغرق والاحتراق مغايران وجديران بالتأمل. الفساد السياسي والثورات المبتورة والشعوب المنفية داخليا وخارجيا والمدن معصوبة العيون مفجوعة الروح، معان تتجاور في توليفة إفضائية لا تحسب على المونولوج، لكن منصّة إطلاقها هي الذات، برؤية شمولية.

أربعة أقانيم ينقسم إليها شهيق البستاني الطويل: “كتاب الغرق، أو: عن حياة طعمها كالملح” و”كتاب الرعب، أو: عن حياة طعمها كالجحيم” و”كتاب البلادة، أو: عن حياة بلا طعم” و”كتاب اليأس، أو: ملاحظات أخيرة لن تفيد أحدا”.

لا يدري البستاني إن كان في تنقلاته الغرائبية يعبر فوق جسور الموت إلى الحياة، أم فوق جسور الحياة إلى الموت. فقصصه لحظة استثنائية بين الحضور والغياب، تلائم تلك الخلخلة بين الشعر والسرد إذ يقول “سترة النجاة تبقيني طافيا رغما عني. لم تعد فيّ قوة لأفكها فأغرق، أو أقلب نفسي فأغرق، عليّ أن أشهد موتي نقطة نقطة، بالعرض البطيء”.

تتنوع تقنيات الكتابة الموظفة في “شهيق طويل”، وتتراوح بين النص القصير جدا، والنصوص الطويلة، والنصوص الشعرية أو الأقرب إلى الشعر

يسمي البستاني الكتابة عبر النوعية التي ينتهجها بالمناطق التخومية أو الاشتباكية بين القصة والشعر والفنون الأخرى، فهو اشتغال عادة ما يتجاوز الكتب، حيث الشكل اللغوي لهذا الاشتغال، وتفاعل الكتابة أحيانا مع صور أو لوحات أو رسومات أو إحالات مباشرة إلى أعمال موسيقية أو كتابية.

ويتبلور ذلك الاشتغال في شكل عروض تقدم على المسرح، تضمنت حتى الآن تعاونا مع فنانين تشكيليين وموسيقيين وممثلين ومخرجين وراقصين معاصرين ومصورين فوتوغرافيين وفناني صوت وصورة، لدفع مساحات التخييل والتخليق إلى مدى أبعد، وإعادة إنتاج المتلقي باعتباره شريكا إلى أبعد حد، واختبار حدود التجاور والتداخل والتأثير، والاستفادة المتبادلة، بين أجناس الفنون.

هذه المساحة التخليقية، وفق ضيفنا، تتعامل مع المتلقي كشريك إبداعي، طالبة منه بذل “جهد” (بحسب رولان بارت) أو “عمل” (بحسب إمبرتو إيكو) داخل النص الأدبي، هي التي تجعل من القصة والشعر شقيقين فنيين لا يمكن اشتقاق أحدهما من الآخر، خصوصا في أشكالهما الأكثر معاصرة.

هذه المساحة أيضا، كما يرى البستاني، هي التي تجعل هذين الجنسين “منبوذين” من السوق والتسليع والذائقة التسلوية التي “تستهلك” الأدب باعتبارها راحة بال، أو حالة تستجيب للفهم العام البديهي الذي لا يحتاج تفكيرا كثيرا لـ”فهمه”.

يؤمن البستاني بأن الجهد في النص الإبداعي يتطلب تعبا معرفيا وتخليقيا وثقافيا لا يريده “المستهلك” الهارب من تعب حياته اليومية.

إن هذا الهارب الباحث عن التسلية وتزجية الوقت وتبديده، يريد نصا يعطيه كل شيء، ويريحه من كل شيء: كل التفاصيل، كل الروابط، كل الشخصيات، ويخلق له فوق ذلك عالما بديلا ما، ينساب معه بعيدا عن عالمه الواقعي الذي يهرب من مواجهته؛ هو النص عموما، هو النص الروائي.

بهذا المعنى، صار البستاني يفهم القصة والشعر، ويقول “أصرّ عليهما باعتبارهما يمثلان الفن في مواجهة السلعة، والنقد والسؤال والحفر والتأمل في مواجهة الهروب، والتخليق والتخييل والجهد المعرفي والجمالي في مواجهة الكسل، وإعطاء الوقت قيمة جمالية ومعرفية في مواجهة تبديده”.

هذه المواجهة، متعدّدة الزوايا، هي ما دفعته إلى الكتابة في “شهيق طويل”، فهي تضع المتلقي مباشرة أمام الفظائع التي يتمنى أن يهرب منها، وألاّ يراها، وأن يتظاهر بأنها غير موجودة لتسير حياته اليومية دون تأنيب ضمير، ودون إحساس بالغير المعذب وبالطبيعة المنتهكة، دون أزمة وجود.

هذا الفرد الهارب من الحقيقة، كما يشير البستاني، يمني نفسه بخلاص فردي، وهمي، صار اليوم موضة رائجة تحمل اسم “التفكير الإيجابي” و”تحسين الذات”، وكأن خلل العالم سببه خلل في الفرد، أو خلل الفرد نفسه في انتزاع مكانة لنفسه بين مجموع المتنافسين.

مزيج زاخم بين الذاتي والمجتمعي
مزيج زاخم بين الذاتي والمجتمعي

ويتساءل البستاني إن كان الفرد الناجح هو ذاك الذي “تخطى” الآخرين وداس عليهم في طريقه، والفرد الصالح هو ذاك “المتأقلم”، المدجن، الراضي بسياق بنى القوة العام: السلطة، والنظام الاقتصادي والاجتماعي؟ ولذا يطمح نص البستاني إلى الإجابة من خلال السير على النقيض، إذ تخرج اشتغالاته ومقترحاته الجمالية من النظر مباشرة في عين عالم عنيف، ظالم، عبثي، مليء بالنفاق والكذب والتناقضات.

لا يريد الكاتب “دغدغة” مشاعر المتلقي، بل يريده أن يغوص في النص، أن يغرق فيه، فالمتعة، في رأيه، غير التسلية، والاشتغال الجمالي على المأساة يفتح البصر على أبواب الحياة.

المؤلف والراوي

عن مدى التماهي بين المؤلف والراوي في “شهيق طويل”، يوضح البستاني أن الكتاب يتبنّى سرد النصوص بلسان الراوي الأول، بضمير المتكلم، وهو أمر يخاطر فيه الكاتب بأن يظهر الأمر وكأن صوت الراوي هو صوت المؤلف.

لكن هذه التقنية تحقق أمرا آخر أيضا، إذ يتحوّل المتلقي ليصير الراوي، ويصير الصوت صوته وهو يتحرك في نص يحاول أن يسحبه سحبا ليصير داخله، وجزءا من الحدث فيه، على اعتبار أن الحدث هو بطل كل النصوص دائما، والحدث هو العنصر المركزي الذي يعرف به الكاتب القصة، إلى جوار العناصر الأخرى الأقل مركزية.

هذا التطبيق، وفق البستاني، هو مقلوب لمفهوم المراقب في فيزياء الكم، حيث يؤثر في الحدث ويغيره فقط بكونه مراقبا، دون أن يفعل أي شيء آخر، هنا الأمر معكوس: الحدث (الفني) يؤثر في المراقب (المتلقي) إذ يغيّر زوايا النظر والأدوار.

تتنوع تقنيات الكتابة الموظفة في “شهيق طويل”، وتتراوح بين النص القصير جدا، والنصوص الطويلة، والنصوص الشعرية أو الأقرب إلى الشعر، وفيها قصة تتشكل من سؤال يقع في جملة واحدة من خمسة أسطر، وثمة قصص مكتوبة بتقنية الأحاجي والألغاز، وأخرى مكتوبة بتقنيات الدوران.

يوضح البستاني انتهاجه هذا التنوع عن عمد، كسرا للنمطية، ويقول “هناك أيضا العودة من موقع في لحظة زمنية ما، والعودة إلى ذات الموقع في لحظة زمنية لاحقة، ومحاولة توظيف أحداث تاريخية واقعية أو شبه واقعية وإعادة إنتاجها على شكل أساطير أو تراجيديات، كما تحضر السخرية السوداء، ونصوص تقطع أوصال الواقع وتعيد تجميعها في صياغة جديدة”.

15