قلق دولي عميق من التصعيد في الغوطة

الأمين العام للأمم المتحدة انطونيو غوتيريش يُبدي قلقه من تصاعد العنف في الغوطة الشرقية، داعيا جميع الأطراف إلى التزام المبادئ الأساسية للقانون الإنساني.
الأربعاء 2018/02/21
أثر مدمّر على المدنيين

دمشق ـ تواصل قوات النظام السوري الأربعاء قصفها العنيف على الغوطة الشرقية المحاصرة قرب دمشق، ما تسبب منذ الأحد بمقتل أكثر من 270 مدنياً بينهم 62 طفلاً على الأقل، فيما حذرت الأمم المتحدة من "الأثر المدمر" للتصعيد على السكان.

وفيما تدين العديد من المنظمات الانسانية الدولية التصعيد الأخير، يبدو المجتمع الدولي عاجزاً عن تبني موقف موحد يضع حداً للقصف، على رغم كون المنطقة احدى مناطق خفض التوتر في سوريا التي تم اقرارها بموجب اتفاق روسي ايراني تركي.

من جهته، أعرب الأمين العام للأمم المتحدة انطونيو غوتيريش الثلاثاء عن "قلقه العميق" من تصاعد العنف في الغوطة الشرقية في سوريا.

وواصلت قوات النظام السوري قصفها الكثيف على منطقة الغوطة الشرقية المحاصرة قرب دمشق، ما تسبب بمقتل 106 مدنيين على الأقل الثلاثاء في حصيلة دموية جديدة، في حين نددت الامم المتحدة بتعرض ستة مستشفيات للقصف في المنطقة في غضون 48 ساعة.

وحض غوتيريش جميع الأطراف على التزام المبادئ الأساسية للقانون الإنساني، بما في ذلك حماية المدنيين.

وتقصف قوات النظام منذ ليل الأحد بالطائرات والمدفعية والصواريخ مدن وبلدات الغوطة الشرقية التي تحاصرها بشكل محكم منذ العام 2013، بالتزامن مع استقدامها تعزيزات عسكرية تنذر بهجوم وشيك على معقل الفصائل المعارضة الأخير قرب دمشق.

وقال المتحدث باسم الأمم المتحدة ستيفان دوجاريك ان "الأمين العام يشعر بقلق عميق من تصعيد الوضع في الغوطة الشرقية والأثر المدمر لذلك على المدنيين".

وتسبب التصعيد منذ الأحد بمقتل 250 مدنياً، بحسب المرصد السوري لحقوق الانسان.

ولم تسلم مستشفيات المنطقة من القصف الذي طال وفق ما اعلنت الأمم المتحدة الثلاثاء ستة مستشفيات منذ يوم الاثنين. وقد خرج ثلاثة منها عن الخدمة، فيما بقي مستشفيان يعملان جزئيا.

وقال دوجاريك ان "نحو 400 الف شخص في الغوطة الشرقية قد تعرضوا لضربات جوية وقصف بالمدفعية".

وأضاف ان سكان الغوطة الشرقية، الذين تحاصرهم القوات النظامية السورية، "يعيشون في ظروف قاسية، بما في ذلك سوء التغذية".

وتابع "ويحتاج أكثر من 700 شخص إلى الإجلاء الطبي الفوري من الغوطة الشرقية التي هي جزء من اتفاق تخفيف التصعيد الذي تم التوصل إليه في أستانا". 

واشار غوتيريش إلى ان الغوطة الشرقية هي إحدى مناطق خفض التوتر التي تم التوصل إليها في مايو برعاية موسكو وطهران وأنقرة، مذكّرا جميع الأطراف "بالتزاماتهم في هذا الصدد".

وندد بانوس مومتزيس منسق الأمم المتحدة لشؤون سوريا اليوم بقصف خمسة مستشفيات في الغوطة الشرقية وقال إن الهجمات المتعمدة على منشآت طبية "ربما تصل إلى جرائم الحرب".

وحذّر وزير الخارجية الفرنسي جان ايف لودريان الثلاثاء من أن "الوضع في سوريا يتدهور بشكل ملحوظ"، منبهاً من انه "إذا لم يطرأ عنصر جديد فإننا نتجه نحو فاجعة انسانية".

وقال لودريان أمام البرلمان "هناك حالة طارئة قصوى في هذا الصدد (...) لهذا السبب سأتوجه الى موسكو وطهران (حليفتا دمشق) في الأيام المقبلة بناء على طلب من الرئيس" ايمانويل ماكرون.

وفي واشنطن قالت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الأميركية هيذر ناورت إن واشنطن "قلقة للغاية" من تصاعد العنف في الغوطة. وأضافت "الحصار الذي يفرضه نظام الأسد وأساليب التجويع...تزيد من الكارثة الإنسانية هناك".

وتابعت أن الولايات المتحدة تدعم دعوة الأمم المتحدة لوقف العمليات القتالية لمدة شهر للسماح بإرسال مواد إغاثة والقيام بإجلاء طبي للمدنيين المصابين. ودعت روسيا إلى الكف عن دعم حكومة الأسد.

وفي بروكسل أبلغ رئيس وفد المعارضة السورية نصر الحريري الاتحاد الأوروبي بأن تصعيد الهجمات يمثل "جريمة حرب" وناشد مزيدا من الضغط الدولي على الأسد كي يتوقف عن ذلك.

وفي جنيف عبرت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف) عن غضبها الشديد من سقوط قتلى وجرحى من أطفال الغوطة، قائلة إن الكلمات تعجز عن وصف ما حدث.

وذكر المرصد أن ثمة 58 طفلا بين القتلى الذين سقطوا منذ بدء التصعيد يوم الأحد. وأضاف أن 1200 شخص آخرين أصيبوا بجروح.

يأتي ذلك فيما تتواصل المفاوضات في مجلس الأمن حول مشروع قرار يطالب بوقف إطلاق النار لمدة 30 يوما للسماح بتسليم مساعدات إنسانية عاجلة وبإجراء عمليات اجلاء طبي.

وتقع الغوطة الشرقية ضمن مناطق "خفض التوتر" التي تم الاتفاق عليها في مباحثات أستانة عام 2017، بضمانة من تركيا وروسيا وإيران، وهي آخر معقل للمعارضة قرب العاصمة، وتحاصرها قوات النظام منذ 2012. 

من جهتها، نقلت وكالة تاس الروسية للأنباء عن وزارة الدفاع قولها في وقت متأخر الثلاثاء إن أضرارا لحقت بمركز روسي لمراقبة وقف إطلاق النار جراء قصف من منطقة الغوطة الشرقية الخاضعة لسيطرة المعارضة خارج العاصمة السورية دمشق.

ونقلت الوكالة عن الوزارة الروسية قولها "أصيبت مناطق سكنية وفنادق في دمشق وكذلك المركز الروسي للمصالحة السورية في قصف شرس من الجماعات المسلحة غير الشرعية من الغوطة الشرقية".

وأضافت "لحقت أضرار بالغة وسقط ضحايا من المدنيين. لم يسقط ضحايا من القوات المسلحة الروسية".

طائرات حربية في السماء

الخوف من تكرار سيناريو معركة حلب الدموية
الخوف من تكرار سيناريو معركة حلب الدموية

قال عمال إغاثة إن الغارات الجوية توجد "حالة من الرعب" بين سكان الغوطة الشرقية، وتحاصر الحكومة الجيب المكون من بلدات ومزارع منذ 2013.

وقال التلفزيون الرسمي السوري إن الفصائل في الغوطة أطلقت قذائف المورتر على دمشق اليوم مما أدى إلى مقتل ستة أشخاص وإصابة 28. وذكرت الوكالة العربية السورية للأنباء أن الجيش رد بضرب أهداف لجماعات المعارضة المسلحة.

وقالت وزارة الخارجية السورية إن المسلحين في الغوطة يستهدفون دمشق ويستخدمون الناس هناك "دروعا بشرية". وقالت في رسالة شكوى للأمم المتحدة إن بعض المسؤولين الغربيين يرفضون حق الحكومة في الدفاع عن نفسها.

وقالت خدمة الدفاع المدني في الغوطة الشرقية إن طائرات قصفت كفر بطنا وسقبا وحمورية وعدة بلدات أخرى.

وقال سراج محمود وهو متحدث باسم الدفاع المدني في الغوطة فيما دوت الانفجارات في الخلفية إن الطائرات الحربية تحلق في السماء طوال الوقت.

وذكر أن قوات الحكومة قصفت منازل ومدارس ومنشآت طبية وأن عمال إنقاذ وجدوا أكثر من مئة قتيل "في يوم واحد" الثلاثاء.

وفي صور صحفية، ظهر أشخاص ينتظرون في نقطة طبية ببلدة دوما وكانت الدماء تسيل على وجوه بعضهم بينما غطى الغبار أجسادهم.

وقال اتحاد منظمات الإغاثة والرعاية الطبية، وهو تحالف لوكالات دولية يمول مستشفيات في سوريا، إن قنابل أصابت خمسة مستشفيات في الغوطة الشرقية الثلاثاء.

مناطق عدم التصعيد

تخوض روسيا، أقوى حلفاء الأسد، مسارا دبلوماسيا موازيا أدى إلى إقامة عدد من "مناطق عدم التصعيد" في مناطق تحت سيطرة المعارضة العام الماضي. واستعر القتال في الغوطة الشرقية رغم أنها تقع في واحدة من مناطق عدم التصعيد المفترضة، لكن الاتفاق لا يشمل جماعة كانت تابعة لتنظيم القاعدة ولها وجود محدود في المنطقة.

ويقول سكان وعمال إغاثة إن اتفاقات عدم التصعيد لم تتمخض عن وصول أي إغاثة فيما تناقصت إمدادات الطعام والوقود والدواء.

وتقول الجماعتان المعارضتان الرئيسيتان اللتان وقعتا الاتفاقات مع روسيا في الصيف الماضي إن الحكومة السورية وروسيا تتخذان من وجود المتشددين ذريعة لاستمرار القصف.

وألقى وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف الثلاثاء مسؤولية الأوضاع في الغوطة على "استفزازات مسلحة" من متشددي جبهة النصرة التي كانت مرتبطة بتنظيم القاعدة. وقال إن موسكو وحلفاءها "قد يطبقون خبراتهم في تحرير حلب.. على الوضع بالغوطة الشرقية".

وحذر مبعوث الأمم المتحدة ستافان دي ميستورا من أن تصعيد المعركة في الغوطة قد يتحول إلى تكرار معركة حلب الدموية والتي استعادت دمشق السيطرة الكاملة عليها في أواخر 2016 بعد أعوام من القتال.

وقالت لجنة الإنقاذ الدولية، وهي منظمة إغاثة، "هذه مخاوف لها ما يبررها". وأضافت أن سوء التغذية متفش فيما أغلقت مدارس الغوطة منذ أوائل يناير كانون الثاني بسبب الهجمات.

وقال مارك شنيلباكر مدير المنظمة في الشرق الأوسط "سكان الغوطة الشرقية مذعورون. لم يعد هناك مكان آمن يلجأون إليه".