كتاب نقدي يثير أزمة فتسحب منه جائزة معرض القاهرة للكتاب

توقف الكثيرون عند فعاليات الدورة الأخيرة لمعرض القاهرة الدولي للكتاب في دورته التاسعة والأربعين التي انتهت في العاشر من فبراير. وأكثر ما أثير من جدل كان مرتبطا بجائزة المعرض لفرع “أحسن كتاب نقدي” والتي ذهبت هذه الدورة إلى كتاب الدكتور عبدالحكيم راضي “دراسات في النقد العربي”، الذي انتهى بسحب الجائزة المالية من الكتاب.
الجمعة 2018/02/23
ماهي ملامح الناقد وأدواره (لوحة للفنان إسماعيل الرفاعي)

رغم فوز الدكتور عبدالحكيم راضي عن كتابه “دراسات في النقد العربي” بجائزة معرض القاهرة الدولي للكتاب، فإنه تبيّن بعد حالة من الجدل أن صاحب الكتاب لم يتقدم إلى المسابقة وفقا للوائح التي أعدتها هيئة الكتاب للتقدم لجائزة المعرض السنوية. وهو الأمر الذي اعترف به الدكتور راضي نفسه.

وهذا الاعتراف من قبل راضي لم يكن المفاجأة الوحيدة والمثيرة في الأمر وإنما المفاجأة كانت في أن الكتاب الذي تشترط الهيئة أن يكون في طبعته الأولى أثناء التقدم للجائزة، لم تكن طبعته الأولى أو حتى الثانية، وإنما الثالثة، فقد سبق وأن نُشر عام 2007 عن “مكتبة الآداب”. حالة البلبلة هذه جعلت رئيس الهيئة يخرج ويعلن أن الهيئة سحبت الجائزة المالية من الكتاب الفائز، وأبقت على التكريم متمثلا في الدرع كرمز معنوي.

غيبوبة الفكر النقدي

مع أن الكتاب الأزمة المعنون بـ”دراسات في النقد العربي: التاريخ – المصطلح – المنهج” يتحدّث عن أزمة النقد وافتقار الحياد عند النقاد إلا أنّ النّقاد الذين انحازوا له في مخالفة صريحة لأعراف الهيئة نفسها ولوائحها، لم يقرأوا الكتاب؛ فالكتاب يناقش باستفاضة غياب الحيادية في الممارسة النقدية وتأثيرها في تزييف وتدليس الحقائق. ومن ثمّ  فالحقيقة المؤلمة أنّ هذه الأزمة كشفت أننا أمام أزمة ضمير غائب – في المقام الأول – في التقييم والحُكْم وليست أزمة في الإلمام بأصول النقد وأدواته.

الشيء الثاني الذي كشفته الأزمة أن لا أحد يهتم بالمحتوى، فالكل توقف عند أزمة الجائزة دون الوقوف عند القضايا التي طرحها الكتاب، وهي في الحقيقة على الرغم من أنها تتصل بالتراث النقدي القديم إلا أنّها لا تنفصل عن سياق الواقع الآني، حيث تتصل بأزمة النقد في وقتنا الراهن، خاصة في ظل هجوم شرس من كافة أطراف العملية الإبداعية على الناقد والنقد.

يعالج قضايا النقد الأدبي القديم والحديث
يعالج قضايا النقد الأدبي القديم والحديث

وهو ما وصل إلى إعلان موت النقد أو اتهامه بالشللية وغياب المصداقية وغيرها من قضايا تثار من وقت لآخر. وقد أثارت مجلة “الجديد” هذه القضية في عددي ديسمبر 2017 ويناير 2018 ووصفتها “بغيبوبة الفكر النقدي واضطراب المعرفة واختلال الموازين”.

فالكتاب بغض النظر حول ما أثير حول أحقيته الجائزة من الناحية الشكلية واستيفاء المعايير، يهتمُّ بنشأة علم النقد، كما يتطرق لثقافة الناقد وتكوينه العلمي، والعلوم التي يتسلّح بها لكي يكون قادرا على مُجابهة النص الأدبي، وأيضا كيفية تناوله النص الأدبي، كما ركّز على إشكالية المصطلحات النقدية والبلاغية، وكيف تتطوّر المصطلحات مما يتوجّب على الدارس ألا ينزلق وراء هذه المصطلحات التي قد تكون تغيَّرت دلالتها.

ويلفت الانتباه إلى ما أسماه “التنادي بين النصوص والمصطلحات” وكذلك طبقات القراءة التي ينبغي أن تتجاوز الحدود التقليدية المعروفة للمؤلفات المعروفة الداخلة في إطار التراث النقدي.

من هو الناقد

موضوع الكتاب غاية في الأهمية بل هو موضوع الساعة الآن، خاصة في ظل هيمنة كتابات هشة على السطح، فمعظم القضايا التي طرحها الكتاب وناقشها باستفاضة خاصّة ما هو متعلق بعمل الناقد ومن هو الناقد، وما هي وظيفته، والأهم ما هي الأدوات التي يجب أن يتسلح بها وهو يؤدِّي مهامه في عملية النقد وتمييز جيّد النصوص من رديئها. وكذلك مدى سلطته في فرض أحكامه، ومسؤوليته في تفسير هذه الأحكام، مع الالتزام بالحيدة، وهو الأمر الغائب في معظم ما يكتب الآن، فشبكة المصالح والعلاقات هي المتحكمة.

ومن ثم فإن قضايا الكتاب ملحة الآن ونحتاج إلى التوقف عندها. فعلى سبيل المثال قديما كان من يضطلع بمهمة النقد هم اللغويون والمتكلمون والشعراء وطوائف أخرى، كل طائفة من هذه الطوائف أسهمت بطريقة غير مباشرة في تطوّر النقد وإثرائه خاصة ما هو متعلق بالنص القرآني وإظهار سماته اللغوية والبلاغية. وقد حدث توافق بين الجميع في توافر الثقافة الرصينة في الناقد، ومن بينها الثقافة النحوية واللغوية والتاريخية وغيرها.

وهذه الثقافة مع الأسف غير موجودة حاليا، فمعظم الذين يمارسون النقد يفتقدون لهذه الشرائط، ومن ثمّ غابت المعايير الصحيحة في الاحتكام وتمييز النصوص. وهو ما أدى إلى حالة من التهميش للأعمال الجادّة في مقابل حالة من تسليط الضوء على أعمال تافهة حلت محلّ الأعمال الجادة الرصينة.

ويتطرّق الكتاب في أحد أقسامه الثلاثة إلى شخصية الناقد ودوره. فيتحدث عن طوائف عديدة كالشعراء وأدباء الكتاب، والمتكلمين وأهل العلم بالشعر كما أطلق عليهم ابن سلام، إضافة إلى أهل العامة جميعهم أسهموا في عملية نقد الشعر. اللافت أن النقاد لم يسترعهم سوى الشعر عن سائر الأنواع الأخرى.

كما يلفت الكتاب إلى أهمية الإنصات إلى النص الأدبي عبر قراءة سيرته وتتبع مساراته ضاربا المثل بقول الجاحظ المشهور “المعاني مطروحة في الطرقات.. إلخ”، وكيف تمّ استقباله من قبل القدماء والمحدثين وتأويلاتهم التي جاءت متباينة.

فالإنصات إلى النص يقدم اختلافات متباينة لقراءة النص الواحد من قبل قرّاء مُتعدّدين، ثمّ يعيد تأويله وفقا لسياقه الخاص أو يُحمّله الدلالة التي يريدها. ورغم أن الدكتور عبدالحكيم راضي كان معتنيا في المقام الأول بالتراث النقدي القديم فإن هذه الأطروحات التي ناقشها، خاصة ما هو متعلق بهوية الناقد وأدواته أو تطوّر المصطلح النقدي وتغيره وفقا للسياق والبيئات التي نشأ فيها، وأخيرا ما هو خاص بالنص وكيفية تلقيه، هي في الحقيقة قضايا ملحة ناقشها النقاد المعاصرون وإن كان بصيغ ومصطلحات جديدة. وهو ما يثبت ثراء تراثنا النقدي واستجاباته لكافة المتغيرات والسياقات التاريخية والثقافية.

14